ثلاثية السلاح والعائدية وأسباب
وجود حامليه خارج الدولة، ثلاثية ليست جديدة، مثلما أن الخروج عن/ على النظام او
الدولة ليس جديداً.
بداية لابد من النظر للقضية من أكثر
من زاوية، ولا بد من تشريح مجرد لجسد هذه القضية بالنسبة لأمثلة من التاريخ، ولجسم
هذه القضية الحيّة في الحاضر. والفرق بين الجسد والجسم هو الفرق بين الميت من
التجارب والحي منها. كما يجب فهم الدوافع وقراءة النتائج وتوقع ما قد
ينتج.
السلاح هو كل آلة للضرب او الجرح
او القتل، وكل ما يمكن استعماله في الدفاع او الهجوم. والسلاح بين ثلاثة: حيازة، وحيازة لدفاع وحيازة لهجوم، والسلاح قد
ينسحب في معناه والاستخدام لخارج نمطه في الذهن، فالكلام سلاح والصمت، وباختصار
محيط، كل شيء يمكن ان يدخل استعمالاً في المراد منه، مثل المال والنقد والدواء وغير
ذلك.
السلاح محمول وحامل
حاملو السلاح هم اثنان: فرد لأمنه
الشخصي، أو ضمن تنظيم او حالة فردية لعمل مشروع غير مشروع، فئة رسمية ضبطية أو
عسكرية او خاصة.
السلاح أيضاً سلعة لها ثمنان، ثمن
سوق مجرد، وثمن عمل، والثمن اثنان، مقابل مشرّع بقانون ومقابل ابتكاري التشريع، أي
أنه تشريع خارج التشريع.
السلاح الذي هو موضوع هذه الورقة
البحثية هو الذي ينتهي أخيراً الى تحول في حيازته وتحول في حيازة حامله او حامليه،
فرداً، جماعة، دولة.
ولأن الحديث مقتصر على المقطع
الكتابي المتقدم، ولأن السلاح بمعناه التقليدي المحدد هو محور الورقة، فلابد من
بناء أولي يستند لتجربة وجود السلاح تحت استخدام فرد أو جماعة أو دولة، وغربلة
شرعية حمله، ذلك أن تباين الدوافع واظهار الحقائق ستكون فاصل حكم بين جواز ذلك من
عدمه، فلا حكم استباقياً بسلامة موقف سلطة تحمل السلاح حتى وإن شرعت هي لنفسها
ذلك، فلا عصمة لعقل ولا ممارسات السلطة عن ارتكاب جريمة بسبق اصرار أو ترصد، والأمر
نفسه ينطبق على الفرد وعلى الجماعة عدم حاملي تشريع حمل السلاح.
اجتهد المشرعون كثيراً ومطولاً في
تقنين حمل السلاح، لكن ذلك لا يعني ابداً انهم قد نجحوا في ضبط الوعي، لا عند
الفرد ولا الجماعة ولا السلطة، اذ تبقى عملية الوعي في الحيازة مردودة لعوامل
كثيرة هي أقوى بكثير من النص القانوني، اذ أن شعوريْ القوة والضعف عاملان اساسيان
في وجود السلاح واستخدامه.
لم يغب السلاح عن الاستخدام مذ
دخل الانسان في حالة الصراع، فمن استخدام يديه ولسانه وأي متاح من جسمه للهجوم أو
الدفاع أو التداخل في فض اشتباك أو تأييده، الى استخدام الحجر والعصي، وصولاً
للسيف والخنجر والرمح والسم، حتى اكتشف متفرعات أسلحة النار والغاز والى آخر سلسلة
من أسلحة الدمار.
لم يسجل التاريخ ولا الحاضر وقد
لا يسجل قريباً غياب تخادم بين سلطة وجماعة وفرد يجمعهم السلاح مثلما لم ولمّا
يسجل التاريخ ومشاهد الحاضر عدم تبدل هذا التخادم الى واحدة من ثلاث: غلبة لفريق
على آخر، تحول في أهداف السلاح، تبادل في المواقع، فالجماعة قد تكون سلطة والسلطة
قد تأخذ دور الجماعة مناهضة أو مؤيدة .
نزع السلاح من الفرد أسهل من نزع
سلاح جماعة، وأصعبهما نزع سلاح السلطة والسلطة هنا لا تعني الحكم الشرعي، اذ أن
كثيراً من الجماعات ذات السلاح تكون هي السلطة، مشرعنة كانت تلك الجماعات ام لا، و
الأكثر تأثيراً أو نزع سلطة لسلاح سلطة أخرى.
إن الفرد المسلح والجماعة المسلحة
والسلطة الرسمية المسلحة، كل منهم ينظر لدافعه على حمل السلاح بنظرة تبيح ذلك،
موقفاً أو بسند قانوني أو نص شرعي أو حق انساني، لكن الامور التقييمية لا تنتهي
هنا، بل تستمر لتكون في ميزان توزيعات القوى الدولية ومعيار المصالح الكبرى، والسوق
والجغرافية، والمكاسب.
إن وجود فرد مسلح يهدد الامن
المجتمعي، يستدعي تحرك قوة قانونية للتعامل معه، ووجود جماعة تخلق واقعاً مخلاً
بالأمن كذلك، وأيضاً السلطة، أي أن السلطة أو الجماعة المسلحة لن تعدو أن يتم
التعامل معها مثل تعامل القوة القانونية مع الفرد الذي يهدد الأمن.
نوع السلاح ونوعية حائزه
ثمة دول تمتلك أسلحة تدمير شامل،
وهي دول أغلبها عضو أساسي في القرار الدولي، وقسم منها يمتلكه لكنها منبوذة، ويجري
التفاهم معها بحذر، وطالما انها لم تتورط بعمل عدائي فهي خارج الاستهداف المباشر.
إن تقييم عقلية ممتلك السلاح من
قبل القوى الدولية هي في الاغلب المحدد لطريقة التعامل معه وإن كان سلاحه لم يصل
للنوع الخطر، إذ يكفي أن يمتلك سلاحاً أياً كان في أسفل سلم الأسلحة ليشكل دافع
سيطرة عليه وتجريده منه.
ومثلما أن في القانون مبدأ أن لكل
جريمة ظروفها، كذلك في توازن القوى، اذ أن لكل حالة من حالات التعدد السلاحي وتعدد
المراجع ظروفها التي يجري التعامل على أساسها للتحييد.
إن التقدم التكنولوجي، وتخصيص
موارد البحث العلمي والتأثير السياسي والدعائي، وتسارع أجيال السلاح المتطور، قد
مكنت قوى دولية من إفراغ ما ظهر أنه بوادر قوى ناشئة بغير رضا منها.
طبعا لا يصح أبداً توقع ان القوى
الدولية ملزمة بخطوات محددة متشابهة في حل مثل هذا الوضع، إذ أن القضية لن تخرج لا
عن خصوصية المجتمع المستهدف، ولن تخرج كذلك عن إبقاء ثغرات مقصودة لإطالة
المكتسبات.
لكن الأكيد أن إطالة وقت الحل، أو
تذبذب الاهتمام لن ينعكسا بالسلب الا على مجتمعات التوتر متعدد السلاح.
في المثال العراقي السابق، ظهر
التلويح بوجود سلاح تدميري خارج سياقات المسموح امتلاكه، سواء بسواء تلويح العراق
عن امتلاكه، وكشف الجهات الدولية عنه، عاملاً لتجريد العراق منه، وهو أمر أخذ من
موارد وقوة العراق أغلبها.
إن وضع السلطة بموضع الجهة التي
تشكل تهديداً، قضية يستتبعها غياب الثقة المتصل بالدولة ذاتها لا فقط بأفراد
حكموها ثم تمت إزالتهم.
أيضاً وفي المثال العراقي السابق،
فقد عمدت السلطة الى تسليح قوى تابعة لها ضمن تنظيمات مختلفة العقائد، في مصداق
للتخادم بين السلطة والجماعات، وفي المثال العراقي أيضاً كان ثمة أفراد وجماعات
تحمل السلاح ضد السلطة، في مصداق ثان لإمكانية غياب التخادم بين السلطة والجماعة
المسلحة.
في نفس المثال، ثمة فرد يحمل
السلاح ضد السلطة والجماعة المسلحة المتخادمة مع السلطة، وثمة فرد يكمل التخادم
فيحمل السلاح ولاء منه للسلطة وللجماعة المتخادمة معها.
ما يهمنا هو هل أن السلاح المحمول
مقيد عن الاتيان بأعمال عدائية، والعدائية بنوعيها، التي تستهدف أمناً داخلياً،
وتعني قبول السلطة به لعجز أو تخادم، أم عدائية موجهة لمصالح أجنبية، وبنفس
المعيار: عجز السلطة عن تقييده أم قبولها به، أم ممارسة عدائية مختلطة.
أعيد الان سطراً تقدمت كتابته عن أن
إطالة أمد حل مثل هذه القضايا لن يعوذ أذاه الأكبر الا على نفس مجتمعات الأزمة.
ذلك أن تشابك خطوط السلاح وظهوره
للتهديد والعمل وفرض الارادات، لن يتعدى أنه محفز استفزازي لقوى أكبر لها أو
لحلفائها من ثقاتها مصالح تتطلب تداخلاً أياً كان شكله وطبيعته، فهو لن يتعدى نزع
السلاح وتغيير جرعات القوى وتوسع الآثار وإيجاد ضغوط مجدولة وبلا سقف زمن ولا سقف
خسارات.
أما لماذا كل ذلك؟ راجعوا
الدستور، وقبله راجعوا التاريخ السياسي لنا ولمن هو مثل حال البلاد. ستجدون معنى التورط في معادلات غير محسوبة أم محسوبة بعقلية قاصرة عن
فهم المحيط والداخل، تكرر أفعالها وتريد أن تقتنع بنتائج مغايرة لنتائج من فعلها
سابقاً فزال.
