كلّ ما يجري في العراق ويمرّ عليه
جديد الى حد ما، ابتداء برئيس الحكومة والوزراء وطريقة التصويت والظرف الدولي
والإقليمي، هنا من أجل فهم ملخص للحال والمآل المتصور في العراق نتحدث عن ثلاث
نقاط، من دون الخوض في التفاصيل الدقيقة التي تحتاج الى معلومات دقيقة وليس الى
رؤية وتحليل، وهي كالآتي:
أولاً: - شخص رئيس الحكومة، كل ما
كان في البال والخاطر والشخصيات التي كانت تتداول اساءوها من اجل ملء الفراغ الذي
خلقه فيتو الرئيس الأميركي دونالد ترمب على السياسي الشيعي نوري المالكي بسدّ
طريقه الى رئاسة الحكومة، لم يكن اسم علي فالح الزيدي من ضمن تلك الأسماء البدلية،
لكن الإسم ظهر بين لحظات ودقائق، واتفق الجميع عليه، وتلقى تبريكاً من ترمب الذي
يتحمل عشرات علامات الاستفهام، فهو مجهول سياسياً، لا يملك الرجل ساعة واحدة من
التجربة في ممارسة السياسة وإدارة مؤسسات الدولة، ويفتقر الى الانتماء السياسي
الحزبي افتقاراً كلياً، وفي لحظات استناد الطامعين أو الطامحين في تبوء كرسي
الرئاسة الى عدد مقاعد البرلمان وتخطي المنافسين كما كان يفعل رئيس الحكومة السابق
محمد شياع السوداني، فقد ظهر علي الزيدي وتجاوزهم من دون امتلاك حتى كرسي واحد.
السيد الزيدي كان رئيس مجلس إدارة
بنك الجنوب الإسلامي، وهو من البنوك الموضوعة تحت لائحة العقوبات الأميركية،
والاتهام هو التعامل مع الحرس الثوري الإيراني واللعب بالدولار لصالحه، وكما نشرت
"وول ستريت جورنال" في 10-5-2025 إنه مشكوك فيه كذراع لشبلي الزيدي
المدرج تحت الإرهاب أو المجموعات التي تستهدف القوات الأميركية ومصالحها في العراق
وقريب من طهران، شخص غيره يتجنب الظهور، ويتجنبه الاطار التنسيقي الشيعي تجنباً
للغضب الأميركي، لكن من شخص متهم بالتلاعب بالدولار وبنكه تحت لائحة أميركية سوداء
منذ 2024 يقفز الى إدارة الحكومة ويكون خيار رئيس الولايات المتحدة الأميركية.
فالتحدي الكبير في هذا المجال هو الى أي مدىً يكون قادراً على تحقيق رؤاه واجنداته
في مواجهة قوى النفوذ الشيعي الذي لا تسمح لشخص بالنجاح الكامل حتى لا يتحول الى
منافس قد يغلبه في التنافس الانتخابي المقبل كما فعلوا مع محمد السوداني، فقد
عُرقِلَ، ومنع من الولاية الثانية رغم تصدره النتائج في انتخابات 2025.
ثانياً: - الترحيب الدولي، وفي
المقدمة الأميركي ثم الإقليمي، لكن الغرابة كلها جاءت من واشنطن، فالرئيس الأميركي
هاتفه بسرعة فائقة، ودعاه الى البيت الأبيض، دعوة لم يحصل عليها سلفه رغم انتظاره
الطويل ورغبته الشديدة، إن مجيء السيد علي الزيدي الى قيادة الحكومة العراقية بهذا
الشكل شبيه الى حد كبير بمجيء السيد أحمد الشرع الى قيادة سوريا في مرحلة جديدة كل
الجدة، متشابهان من حيث النظرة الأميركية الدولية المسبقة والوصول الى مركز
القيادة وفتح الذراع له، مع الاختلاف الشديد بين الطريقة والهموم والخلفيات
الفكرية والسياسية والمجتمعية، وفي ظل المحاولة الأميركية لإعادة العراق الى
الدائرة التي هي تريدها، هذا يعني أن هناك شيء. هناك شيء. أو في الحدّ الأدنى أن
هناك شيء في العقل الترمبي ومخططات يريد من الرئيس الجديد للحكومة العراقية التقيد
الكامل بها، هذا الشيء هل مهدّ له الممثل الخاص "توم باراك" بزياراته
المتكررة الى بغداد خلال الازمة، أو بالحديث التلفوني مع الزيدي يومين قبل مهاتفة
ترمب له أم لا؟. فلاشيء يأتي في السياسة صدفة، كل شيء محسوب بالمصالح، قد تنفلت
الأمور عند الشدة، لكن لا تأتي صدفة وقت الرخاء، وهذا الطموح الأميركي قد يساعد أو
يصطدم بالأجندات الداخلية الشيعية في العراق، وقد يكون الاطار التنسيقي الحاكم
الذي يمثل الواجهة السياسية الرسمية للقوى الشيعية مارست المرونة وسمحت بترضية ترمب
من أجل تفادي العاصفة، أو طرد القوى القديمة وشخصياتها الى خارج دائرة التأثير
والى الأبد، أي مرحلة انتقالية من القيادات الجديدة التي ترى في نفسها البديل
للقديم الذي مارس السلطة سابقاً..وما الزيدي الى جسر العبور، ودواء تخفيف وتفادي
الصداع القائم.
ثالثاً: - وهذا الأهم من النقطتين
السابقتين، وهو النزاع الأميركي الإيراني على العراق وعلى أرضه، وهذه إشكالية
كبيرة، مداها هو النفوذ والهيمنة الأميركية التي تريد ان تغشى العالم كله، وايران
التي تتصرف كدولة إقليمية كبيرة و ترى في العراق الأرض التي تحميها وتمد من سطلتها
في المنطقة، بما يتناسب مع الأجواء الراهنة نتحدث عن نقطتين تريدهما واشنطن من
العراق: "تفكيك الفصائل المسلحة والابتعاد من ايران".
بالنسبة للفصائل المسلحة ليست
صعبة جداً التعامل معها، خاصة في وقت تريد القوى الشيعية تثبيت أركان السلطة
وحمايتها من الموجات التغييرية التي تضرب المنطقة، وقد تحولت العديد من تلك القوى
التي كانت في سنوات ماضية في حرب مع الاميركيين الى قوى تملك الاستعداد للتعامل مع
الاميركيين مثل عصائب أهل الحق التي كان زعيمها "الشيخ قيس الخزعلي"
مسجوناً في بوكا جنوبي البصرة، كما أبدت عدد من الفصائل المرونة في تسليم السلاح،
لكن ما يصعب المضي بهذه الخطوة والحساسة والضرورية هي:
-الحرب الحالية وتنصل الولايات
المتحدة من تنفيذ بنود الاتفاق الاستراتيجي مع العراق في حماية أمنه وسيادته من أي
تهديد خارجي، ففي الحرب الاثني عشر يوما في تموز 2025 كانت الأجواء العراقية
مفتوحة أمام الطائرات الإسرائيلية لضرب ايران، كما نشرت "نيويورك تايمز"
في 17-5-2025 أن القوات الإسرائيلية بنت قاعدتين وليست واحدة في صحراء العراق
واحداها كانت بعلم الولايات المتحدة وكانت موجودة من الحرب الماضية، كما نفذت
القوات الجوية الأميركية والإسرائيلية ضربات على مقار هيئة الحشد الشعبي، وهي هيئة
قانونية شرعية من المنظور العراقي. ما يعني ان رئيس الحكومة الجديد يحتاج الى
الدعم من واشنطن أولاً في تغيير ممارساتها في العراق، وكذلك الدعم من القيادات
الشيعية النافذة، وانتظار نتائج الحرب والتفاهم المطلوب والمأمول بين الولايات
المتحدة وإيران.
-أما الابتعاد من إيران ممكن
للتعامل معه، لكن ليس بالصورة التي ترغب بها واشنطن والتي لا تشك القيادة العراقية
انها رغبات إسرائيل، يمكن التعامل المصلحي مع البلدين كما حصل في العقد الأول من
الالفية الثالثة بعد احتلال العراق، لكن البعد الكامل لن يحصل، وإذا شدّد البيت
الأبيض على ذلك فيكون ذلك تحدياً كبيراً ولن يكون الزيدي ولا غيره قادراً على
تنفيذه. لأن القضية متعلقة بالأمن القومي الإيراني ومصلحة البلد وفيه من القوى ما
هي مستعدة للتضحية.
