قبل بضعة أيام اجتمع بعض الأشخاص يتحدثون باسم عشائر عربية يدَّعون أنها من سكان منطقة عفرين الأصلاء مدينةً وريفاً. ووجهوا رسالة صوتية إلى الرئيس السوري أحمد الشرع في هذا الخصوص، يشكون عدم تعيين أبناء هذه العشائر في الدوائر الحكومية في مركز المنطقة مدينة عفرين وبلدياتها في الريف.
إنهم يدَّعون في رسالتهم الصوتية وجود عشائر عربية في منطقة عفرين، مما يدعونا لأن نسألهم ما هي هذه العشائر؟ لماذا لم يذكروا عشيرة واحدة بالاسم؟.
سُمِّيَت هذه المنطقة باسمها الكوردي قبل آلاف السنين (چياي كُرمينج)، ولكي لا نبتعد كثيراً، نحيل هؤلاء المدَّعين الجهلة إلى السجلات العثمانية التي تحتفظ باسم المنطقة (كرد داغ) ترجمة عن الاسم الكوردي حرفياً، ثم ترجمه العرب السوريون إلى (جبل الأكراد). والتسميات الثلاث ذات معنى واحد. وهذا يعني لا السلطات العثمانية عثمنت الاسم ولا السلطات العربية السورية عرَّبته، إنما كلتا السلطتين اكتفت بلفظ الاسم بلغتها، بينما بقي المعنى هو هو دون تغيير.
لو كانت هناك عشائر عربية في منطقة عفرين لَأطلقت السلطات العثمانية عليها تسمية (عرب داغ) وعرَّبه العرب السوريون إلى (جبل العرب).
حتى سلطات البعث التي حاولت تعريب هذه المنطقة، لم تتجرَّأ على هذه المغامرة في تزوير التاريخ، فعرَّبت الاسم من (جبل الأكراد) إلى (جبل حلب) على اعتبار أن منطقة عفرين تابعة إدارياً إلى حلب. وكانت حكومات البعث المعروف بعنصريته العروبية تأخذ أربعة ممثلين عنها إلى برلمانها (مجلس الشعب)، بينهم شخصية عربية واحدة، والثلاثة الآخرون من الكورد.
إن ما أقدمت عليه هذه الحفنة الجاهلة بالتاريخ عامة وتاريخ المنطقة خاصة، هي مغامرة في تزوير التاريخ، فراحوا يجعرون عالياً، لَكأن الجعير وجهلهم قادران على حجب شمس الحقيقة.
تصل نسبة الكورد في هذه المنطقة إلى حوالي 98%، وهناك بضع عائلات عربية قدِمَت إلى المنطقة للعمل في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، وخاصة بعد إصدار قانون الإصلاح الزراعي أيام الوحدة السورية المصرية ورئيسها جمال عبد الناصر. حينها استقدمت السلطات السورية بعض العائلات العربية من مناطق سورية أخرى إلى منطقة عفرين، ومنحتها الأراضي التي استقطعتها من أصحابها / مالكيها الكورد، فأصبحت تلك العائلات من أصحاب الأراضي، وتم تسجيلها في سجلات الأحوال المدنية وخاصة في منطقة (جومة) ناحية جنديرس وقراها. وهناك عائلات عربية أخرى تنتمي إلى عشائرة مثل عائلات البطوشي والناعوس والبوبنا، وهي عائلات لا تدَّعي أن عشائرها من سكان منطقة عفرين، إنما قَدِمَت إليها نتيجة العمل أو الوظائف الحكومية واستقرَّت فيها.
ليس هناك في منطقة عفرين سوى سبع عشائر، جميعها كوردية، هي شيخان ورشوان وشكاك وآمكان وبيان وروباري وجومة.
يعود تاريخ جبل الكورد إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وهناك شواهد تاريخية مازالت شاخصة تعود إلى ثلاثة آلاف عام مثل آثار موقع النبي هوري، الذي امتد إليه حكم الميتانيين والحوريين / الهوريين أجداد الكورد قبل الميلاد.
ترجمت السلطات العثمانية التي حكمت بلاد الشام والعراق خمسمائة عام اسم المنطقة إلى اللغة العثمانية (كرد داغ) وهي تسمية تعني حرفياً (جبل الكورد)، وهي منطقة كبيرة وواسعة، قسَّمتها الحدود السورية التركية أثناء ترسيم الحدود في النصف الأول من عشرينيات القرن الماضي إلىى قسمين، بقي القسم الأكبر منه ضمن جغرافية الدولة التركية والقسم الثاني الأصغر ضمن جغرافية الدولة السورية. وما أعرفه أنا شخصياً عن الوجود الكوردي في هذه المنطقة أن جدي الأكبر عمر خان (عمر آغا) قدِم إلى منطقة جبل الكورد أيام معركة چالديران عام 1514 بين الصفويين بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي والعثمانيين بقيادة السلطان سليم العثماني.
وفي نهاية الحرب العالمية الأولى سقطت الدولة العثمانية، وتم تقسيم بلاد الشام والعراق بموجب معاهدة سايكس - بيكو، واتفقت الدولتان فرنسا وإنكلترا على توزيع سوريا والعراق بينهما.
احتلت إنكلترا سوريا ونصبت الأمير فيصل (ابن الشريف حسين) ملكاً على مملكة سوريا، دام حكمه حوالي سنة واحدة ونصف السنة. ثم نقلته إلى العراق ونصبته ملكاً عليه. ثم احتلت فرنسا سوريا من عام 1920 إلى عام 1946. وبقي اسم المنطقة (چياي كُرمينج) (جبل الأكراد)، وهي ترجمة حرفية للاسم الكوردي إلى عام 1950.
كان مركز المستشار الفرنسي في قرية قطمة ودام هناك حوالي ستة عشر عاماً، ثم انتقل إلى قرية مابَتا، وبعد ثمانية أشهر نُقِل مركز المستشار إلى المدينة الحديثة التي كان اسمها (كوپري) بمعنى (الجسر)، كانت تسكنها العائلة الكوردية (فيو) وعائلتان أرمنيتان كانتا هاربتين من الحكم التركي. في هذه الأثناء سُمِّيت المدينة باسم عفرين. وهذا اسم المدينة، لا اسم المنطقة كلها، وبقي الاسم كذلك (چياي كُرمينج) كوردياً و(جبل الأكراد) عربياً إلى عام 1950، أيام حكم سامي الحناوي الذي انقلب على رئيس الجمهورية السورية حسني الزعيم وأعدمه مع رئيس وزرائه محسن البرازي، وكلاهما من أصل كوردي. في هذه الفترة تم إطلاق اسم المدينة، أي عفرين على المنطقة كلها، في محاولة لمحو اسمها الحقيقي.
