تُمثل مدينة دهوك واحدة من أقدم الحواضر الكوردية في شمال بلاد ما بين النهرين -ميزوبوتاميا- كوردستان، وقد ارتبط اسمها عبر التاريخ بجملة من التسميات التي تعكس التحولات السياسية والقومية والدينية التي شهدتها المنطقة عبر قرون طويلة. فالمدينة التي تُعرف اليوم باسم «دهوك» لم تكن مجرد مركز جغرافي في كوردستان الجنوبية، بل شكلت فضاءً تاريخياً تعاقبت عليه إمارات وقبائل وأديان وثقافات متعددة، الأمر الذي ترك بصماته الواضحة على أسمائها وهويتها التاريخية.
تشير المصادر الكوردية والمسيحية والإسلامية إلى أن المنطقة عُرفت قديماً باسم «داسن» أو «داسن العليا»، وهي تسمية ارتبطت بالإقليم الجبلي الواسع الذي سكنته القبائل الكوردية منذ قرون مبكرة. كما أن اسم (إمارة داسن) في المدونات الكوردية، و"سنجق داسن" في المصادر العثمانية المتقدمة، هو دليل أكيد على قِدم هذه التسمية. كما ورد الاسم في عدد من المدونات السريانية والإسلامية الوسيطة باعتباره أحد أهم الأقاليم الجبلية الواقعة شمال الموصل. وقد اكتسبت داسن بعداً قومياً واضحاً مع ارتباطها بالإمارات الكوردية المحلية وبالدور الذي لعبته العشائر الكوردية في حماية الطرق التجارية (= طرق الحرير) ومسالك الحج بين الموصل والأناضول مروراً بكوردستان.
أما تسمية «نوهدرا» أو «نوعه ردا» فترتبط بالرواية السريانية-المسيحية التي تشير إلى معنى «المدينة الجديدة»، وقد استُخدمت هذه التسمية في الأدبيات الكنسية الشرقية لقرون طويلة، خصوصاً لدى مسيحيي المنطقة من الكلدان والسريان والآشوريين. ويكشف هذا التعدد في التسميات عن الطابع التعددي لدهوك بوصفها مدينة التقاء حضاري وديني بين الكورد والمسيحيين وغيرهم من مكونات المنطقة.
وفي مراحل لاحقة، برز اسم «دهوك» بوصفه الاسم الأكثر تداولاً واستقراراً، وقد تعددت التفسيرات اللغوية لأصل التسمية؛ فبعض الباحثين يربطها بالكلمة الكوردية «دوهوك» أي «صاعين» في إشارة إلى موقع القوافل التجارية التي كانت تدفع الضرائب أو المكوس، فيما يرى آخرون أن الاسم يعود إلى طبيعة المنطقة الجغرافية المحاطة بجبلين ونهر، أو إلى جذور أقدم تعود إلى اللهجات المحلية القديمة. كما ظهرت تسميات أخرى مثل «أتوك»، وهي تسمية متداولة في بعض الروايات الشفوية لدى مسيحيي دهوك وألقوش، وتحمل دلالات تتصل بالاستقرار القروي أو الديني في المنطقة.
إن تعدد أسماء دهوك لا يعكس مجرد اختلاف لغوي أو جغرافي، بل يكشف عن عمق الذاكرة التاريخية للمدينة وتنوع هويتها الثقافية والقومية. فالمدينة ظلت عبر العصور جزءاً من المجال الكوردي التاريخي، وفي الوقت نفسه احتضنت مكونات دينية وقومية متعددة أسهمت في صياغة شخصيتها الحضارية. وقد تعزز هذا البعد القومي بصورة أوضح خلال القرن العشرين، خاصة بعد التحولات السياسية التي شهدها العراق الحديث، لتصبح دهوك لاحقاً إحدى أهم مدن إقليم كوردستان العراق، قبل أن تُعلن محافظة مستقلة سنة 1969، الأمر الذي منحها مكانة إدارية وسياسية جديدة في إطار الدولة العراقية الحديثة.
وفي سياق البحث عن جذور هذه التسميات ودلالاتها التاريخية، يبرز الدور المهم الذي لعبه عدد من المؤرخين والباحثين المحليين في توثيق تاريخ دهوك، ومن بينهم الدكتور يوسف حبي، أحد أبرز الباحثين في تاريخ المسيحية الشرقية والتراث السرياني. وقد تناول الباحث فرست مرعي، خلال لقاءاته وحواراته مع الدكتور يوسف حبي، جانباً من الروايات المتعلقة بتسميات دهوك القديمة وعلاقتها بالتراث السرياني والمسيحي في المنطقة، فضلاً عن ارتباطها بالذاكرة الاجتماعية لسكان دهوك وألقوش والقرى المجاورة. وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة لكونها تمثل حلقة وصل بين الرواية الأكاديمية والذاكرة الشفوية المحلية.
إن دراسة أسماء دهوك ليست بحثاً لغوياً فحسب، بل هي قراءة في تاريخ مدينة شكلت على الدوام نقطة تفاعل بين الجغرافيا والسياسة والهوية القومية. فكل تسمية من تسميات دهوك تختزن مرحلة من تاريخ المنطقة، وتعكس طبيعة القوى الاجتماعية والثقافية التي تعاقبت عليها، بدءاً من داسن ونوهدرا وصولاً إلى دهوك المعاصرة التي أصبحت اليوم رمزاً من رموز الهوية الكوردية الحديثة في العراق.
تُعدّ مدينة دهوك من المدن التاريخية العريقة في كوردستان العراق، وقد شغلت مكانة مهمة في الدراسات التاريخية واللغوية التي تناولت أصول المدن الكوردستانية وتسمياتها. ومن بين الباحثين الذين اهتموا بتاريخ المدينة وأسمائها الباحث والمؤرخ الكوردي فرست مرعي، الذي قدّم قراءات متعددة لأصل تسمية دهوك، وربطها بالأبعاد التاريخية واللغوية والدينية للمنطقة.
يرى الباحث أن أسماء دهوك لا يمكن اختزالها في تفسير واحد، بل إن المدينة مرّت بمراحل تاريخية متعددة انعكست على تسمياتها، إذ حملت أسماء كوردية وآشورية وسريانية تبعاً للتحولات السياسية والدينية والثقافية التي شهدتها المنطقة عبر القرون. ومن أبرز الأسماء القديمة المرتبطة بالمدينة اسم "داسن" و"نوهدرا" أو "بيث نوهدرا"، وهو الاسم الذي ورد في المصادر السريانية والكنسية الشرقية منذ قرون طويلة، وكان يُطلق على المنطقة قبل شيوع اسم دهوك بصيغته الحالية.
وقد اختلف الباحثون في تفسير معنى "نوهدرا"، إذ يرى بعض المختصين باللغات القديمة أن أصل الكلمة أكدي، وتحمل معنى "الأرض المباركة" أو "البلاد المزدهرة"، وهو تفسير يرتبط بخصوبة المنطقة ومكانتها الدينية والحضارية في شمال بلاد ما بين النهرين. غير أن أحد الباحثين يورد قراءة أخرى ذات طابع لغوي-كوردي، تنطلق من اللهجات الكوردية المحلية المنتشرة في منطقة زاخو وغربها، ولا سيما بين عشائر السليفاني والسندي وصولاً إلى منطقة جزيرة بوتان.
فوفق هذه القراءة، يمكن تحليل الاسم إلى مقاطع كوردية هي: "نو" بمعنى "الجديد"، و"عه ردا" أو "ئه رده" بمعنى "الأرض"، ليصبح معنى الاسم "الأرض الجديدة". ويُحتمل أن هذا التفسير يعكس مرحلة من مراحل الاستيطان أو إعادة العمران في المنطقة بعد خراب أو هجرة سابقة، وهو أمر مألوف في تسميات المدن والقرى الكوردية القديمة.
وفي لقاء أجراه الباحث مع الدكتور يوسف حبي (1938 – 2000)، الحاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الكنسي من جامعة اللاتران الإيطالية، والذي كان كاهناً لكنيسة الانتقال الكلدانية في مركز مدينة دهوك ما بين سنتي 1986-1987. خلال مناقشة علمية هادئة في كنيسة الانتقال في سنة 1987 حول الجذور التاريخية لمصطلح (نوهدرا) أو (بيث نوهدرا) أو (بانوهدرا)، دار النقاش حول إمكانية قراءة الاسم ضمن السياق اللغوي الكوردي المحلي، بدلاً من حصره في الإطار السرياني أو الأكدي فقط، خاصة أن اللهجات الكوردية الشمالية القديمة ما تزال تحتفظ بتراكيب وألفاظ قريبة من هذا الاشتقاق. فذكر الدكتور حبي أن لفظة نوهدرا هي أكدية وتعني (الأرض المباركة)، والأكديون سبق أن حكموا شمال بلاد ما بين النهرين قبل أكثر من 4000 سنة مضت. فكان رد الباحث (فرست مرعي – مدير مكتبة الأوقاف في محافظة دهوك آنذاك)، بأن منطقة بانوهدرا هي منطقة كوردية خالصة وتُعد قلب كوردستان وهي امتداد لبلاد (سوبارتو) التي هي مهد الأمة الكوردية، كما أن شبه الجزيرة العربية هي مهد العرب. ومن جهة أخرى، فإن نوهدرا لو تابعنا فيلولوجيتها، أي تركيبها اللغوي والتاريخي، يرجع إلى لفظة (نوعه ردا) أي الأرض الجديدة في اللغة الكوردية. ولما كانت هذه المنطقة تمتد من نهر دجلة من جهة الغرب والجنوب إلى جبال داسن من جهة الشمال والشرق، وأن دهوك هي قصبتها أو عاصمتها بالمفهوم المعاصر، وأن لفظة (نوعه ردا - نى عه ردا) هي إحدى لهجات اللغة الكوردية ويتلفظ بها سكان مدينة زاخو وتحديداً أبناء قبيلة السندي والسليفاني والقبائل الكوردية الممتدة إلى جزيرة بوتان والمناطق المتاخمة لها، فضلاً عن أن دهوك هي إحدى حواضر الإمارة الداسنية -وهي كوردية بحتة- وسيطر عليها الأمراء البهدينانيون سنة 1508 وهم كورد أيضاً، فلا مناص من القول بأن التسميات الكوردية هي الأقرب تاريخياً ولغوياً وجغرافياً.
ومن نافلة القول الإشارة إلى رأي آخر متداول بين مسيحيي دهوك وألقوش يطلق على المدينة اسم "أتوك"، ويُقصد به "المدينة" أو "القرية الواقعة في سفح الجبل". ويبدو أن هذه التسمية مرتبطة بالطبيعة الجغرافية لدهوك، إذ تقع المدينة عند أقدام الجبال التي تحيط بها من جهات متعددة. غير أن هذه القراءة تُعدّ أحدث نسبياً مقارنةً باسمي "دهوك" و"نوهدرا" - نوعه ردا – نى عه ردا، ولا ترقى من حيث القِدم التاريخي إلى التسميات القديمة التي وردت في المصادر السريانية والأكدية والكوردية المبكرة. ولذلك فإن اسم "أتوك" يمكن النظر إليه بوصفه توصيفاً محلياً جغرافياً شاع في الأوساط المسيحية الشعبية، أكثر من كونه الاسم التاريخي الأقدم للمدينة.
أما اسم "دهوك" نفسه، فيمكن تناوله ضمن عدة تفسيرات لغوية وشعبية متداولة في المصادر الكوردية. ومن أشهر هذه التفسيرات أن الاسم يتكوّن من مقطعين كورديين: "دو" أي "اثنان"، و"هوك" أو "هۆك" بمعنى "صاع" أو "حفنة" من الحبوب. ووفق هذا الرأي، فإن المدينة كانت محطة للقوافل التجارية المارة بين الموصل والأناضول، وكان الجباة يأخذون "صاعين" من الحبوب كضريبة أو رسم مرور في مدخل كلي دهوك الحالي الذي يفصل بين قمة (شندوخا) الأعلى ارتفاعاً و(قمة فرعون)، ومن هنا جاءت تسمية "دهوك" بمعنى "الصاعين".
كما توجد تفسيرات أخرى تربط الاسم بالطبيعة الجغرافية للمدينة، إذ يرى بعض الباحثين أن "دهوك" تشير إلى وجود جبلين أو تلّين يحيطان بالمدينة، فـ"دو" تعني "اثنين"، بينما تشير "هوك" إلى الكتلة أو الشكل البيضوي، فيكون المعنى مرتبطاً بطبيعة الموقع الجغرافي الذي قامت عليه المدينة (= سرهوك) وتحولت بفعل عوادي الزمن إلى دهوك.
ومن القضايا التي يمكن التأكيد عليها من الناحية التاريخية أن اسم "دهوك" بصيغته الحالية ظهر في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي عندما غزت دولة آق قويونلو "دولة الخروف الأبيض" (1467 – 1508) منطقة دهوك وأطرافها، حيث أشار إلى هذه الحادثة المؤرخ "أبوبكر الطهراني" في كتابه "تاريخ ديار بكريه" المدون باللغة الفارسية سنة 1446 – 1447، بينما كانت المنطقة تُعرف قبل ذلك باسمي "داسن" و"نوهدرا". وهذا يدل على أن المدينة شهدت تحولات تاريخية وثقافية أدت إلى تغير اسمها أو تعدد تسمياتها عبر الزمن.
وتكشف هذه القراءات المتعددة لأسماء دهوك عن عمق التداخل الحضاري في المنطقة، فالتسمية تحمل أبعاداً أكدية وسوبارتية وكوردية في آنٍ واحد حسب التسلسل التاريخي لظهور هذه المصطلحات، مما يعكس تعاقب الشعوب والثقافات على هذه البقعة من كوردستان. ولذلك فإن دراسة أسماء دهوك ليست مجرد بحث لغوي، بل هي نافذة لفهم تاريخ المنطقة وهويتها الحضارية المتنوعة عبر العصور.