يمثل الاستثمار السكني أحد أهم
الأدوات التي تلجأ إليها الدول لمعالجة أزمة السكن، ولاسيما عندما تعجز الإمكانات
الحكومية وحدها عن تلبية الطلب المتزايد على الوحدات السكنية. فالغرض الحقيقي من
هذا النوع من الاستثمار ليس مجرد بناء مجمعات وبيعها في السوق، بل إنشاء مدن سكنية
متكاملة، وتطوير المناطق غير المخدومة، وتوفير السكن لشريحة واسعة من المواطنين،
خصوصاً أصحاب الدخل المتوسط والمحدود.
ومن هذا المنطلق، كان يفترض أن
يكون الاستثمار السكني في العراق وسيلة لتخفيف أزمة السكن، وتقليل الضغط عن مراكز
المحافظات وخصوصاً العاصمة بغداد، وفتح مدن سكنية جديدة مزودة بالخدمات والبنى
التحتية. غير أن التجربة العملية كشفت أن هذا الملف انحرف عن غايته الأصلية، وتحول
إلى فرصة استثنائية لتحقيق أرباح إنفجارية على أراضٍ مملوكة للدولة.
فقد شُرّع قانون الاستثمار رقم (13)
لسنة 2006، وتم بموجبه تشكيل الهيئة الوطنية للاستثمار وهيئات الاستثمار في
المحافظات، ومنحت التشريعات للمستثمر ضمانات وإعفاءات وتسهيلات واسعة، بهدف تشجيعه
على الدخول إلى السوق العراقية وتنفيذ مشاريع سكنية تسهم في معالجة أزمة السكن.
لكن المشكلة لم تكن في مبدأ التشجيع، بل في طريقة تطبيقه، وفي حجم الامتيازات
الممنوحة قياساً بما عاد على الدولة والمواطن من منفعة حقيقية.
والأصل في فلسفة الاستثمار السكني
أن تُمنح الامتيازات الكبيرة للمشاريع التي تقام في المناطق غير المخدومة، بحيث
يتحمل المستثمر كلفة إنشاء البنى التحتية والخدمات، ويضيف إلى الدولة مناطق
عمرانية جديدة، لا أن يحصل على أراضٍ مميزة داخل حدود البلدية، حيث الطرق مفتوحة،
والخدمات متوفرة، والتسويق مضمون.
وهنا تبرز إشكالية خطيرة؛
فالأراضي الواقعة داخل حدود البلدية لم يكن صحيحاً منحها لمشاريع استثمارية سكنية
تضيف كتلاً إسمنتية إلى مدن مكتظة أصلاً، بل كان ينبغي الحفاظ عليها وتخصيصها
للمساحات الخضراء والحدائق العامة؛ لأن تحويلها إلى مشاريع سكنية ربحية يعني زيادة
الضغط على البنى التحتية، وتعميق الاختناق السكاني والمروري والخدمي.
وبالعودة إلى الإطار القانوني،
فإن قانون الاستثمار أجاز تمليك الأراضي المخصصة للمشاريع السكنية ببدل داخل حدود
البلدية، وبدون بدل خارجها، والغرض هو تشجيع المستثمر على التوجه إلى المناطق
الخارجية وغير المخدومة. ثم صدر نظام الاستثمار رقم (6) لسنة 2017 ليحدد البدل
بنسبة (10%) من قيمة الأرض داخل حدود البلدية، لكن للأسف جاء تعديل النظام عام 2018
وخفّض هذه النسبة إلى (2%) فقط، وقد أدى هذا التخفيض إلى اندفاع المستثمرين للحصول
على الأراضي الواقعة داخل حدود البلدية، وهو تخفيض كبير جعل تمليك الأراضي المميزة
داخل حدود البلدية أقرب إلى المنح المجاني منه إلى البيع الحقيقي، فضلاً عن
الإعفاءات الضريبية والكمركية وغيرها من الامتيازات.

.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)