على مدار 15 عاماً، أصبح سعر
الموز في إيران انعكاساً لقصة العملة الوطنية الإيرانية. فكيلو الموز الذي كان
يُباع بنحو 2,000 تومان في عام 2011، يقترب سعره الآن من 300 ألف تومان في معظم
محلات الفاكهة في طهران والمدن الأخرى. وهذا يعني أن سعر الموز قد ارتفع بمقدار
150 ضعفاً خلال 15 عاماً.
وخلال هذه السنوات الـ 15، انخفضت
قيمة التومان عاماً بعد عام؛ وكان السبب في ذلك هو العقوبات، التضخم، الضغوط
المالية، والتوترات الجيوسياسية.
عندما يبيع التجار كيلو الموز
بنحو 300 ألف تومان، فهم لا يحددون سعر الفاكهة فحسب، بل يدرجون في هذا السعر
أيضاً تكاليف النقل، ومخاطر الاستيراد، وتكلفة تأمين رأس المال، وتوقعات التضخم،
وحالة عدم اليقين بشأن المستقبل.
وهذا ما يجعل سعر الموز رمزاً
يتجاوز كونه مجرد ثمن لنوع من الفاكهة. فغالباً ما يُنظر إلى سعر الموز داخل إيران
كاستطلاع مباشر لمستوى الثقة في التومان. ربما يخبرنا سعر الدولار الحالي بقيمة
الدولار اليوم، لكن سعر الموز يخبرنا بما يعتقد التجار أنه سيحدث لقيمة التومان امام
الدولار في المستقبل.
أما عما إذا كانت تلك التوقعات
ستتحقق أم لا، فهذه مسألة أخرى. فغالباً ما تخطئ الأسواق؛ إذ يمكن للخوف أن يضخم
الصورة ويجعلها أكبر من الواقع، تماماً كما يمكن للتفاؤل أن يفعل الشيء نفسه. ولكن
عندما تُباع سلعة ما بنحو دولار واحد عالمياً، بينما يقترب سعرها داخل إيران من
300 ألف تومان، فإن رسالة السوق تصبح أمراً لا يمكن تجاهله.
إن المنطق وراء هذا التحليل يشبه
نظرية (بيك ماك) الشهيرة (وهي شطيرة هامبرغر من ماكدونالدز) التي نشرتها مجلة
(إيكونوميست) عام 1986. تقارن هذه النظرية سعر نفس شطيرة (بيك ماك) في دول مختلفة
لتقدير القوة الشرائية للعملات المتباينة.
وبناءً على ذلك، إذا أخذنا بنظر
الاعتبار أن سعر (بيك ماك) في أمريكا يبلغ الآن حوالي 5.79 دولار كمعيار، بينما
يبلغ سعر شطيرة مماثلة في أربيل أو بغداد حوالي 9,000 دينار عراقي، فإن سعر صرف
العملة سيكون 1,554 ديناراً مقابل الدولار الواحد، وهو ما يبدو دقيقاً بشكل مثير
للاهتمام؛ إذ يقترب سعر الدولار حالياً في سوق العملات العراقي جداً من النتيجة
التي استخلصناها عبر معادلة (بيك ماك).
دعونا نتحدث عن الليرة التركية؛
يبلغ سعر شطيرة (بيك ماك) في تركيا الآن 460 ليرة تركية. إذا قسمنا هذا المبلغ على
سعر الـ 5.79 دولار في أمريكا، فيجب أن يعادل الدولار الواحد 79 ليرة. ألا يثبت
هذا أن السعر الحقيقي للدولار مقابل الليرة هو 79 ليرة، وليس القيمة الحالية
البالغة 46 ليرة؟ ورغم أن هذا الرقم مرعب للاقتصاد التركي، إلا أن المسؤولين
الأتراك أنفسهم يتوقعون باستمرار انخفاض قيمة الليرة.
لنعد إلى سعر الموز في طهران. سعر
كيلو الموز عالمياً يقارب دولاراً واحداً، وفي سوق طهران يبلغ 300 ألف تومان.
ووفقاً لمعادلة (بيك ماك)، يجب أن تكون قيمة الدولار الواحد حوالي 300 ألف تومان.
ألا يعني هذا أن موجة أخرى من انخفاض قيمة التومان في طريقها إلينا؟ أليس هذا
رمزاً للخوف الكبير لدى التجار والشركات والمواطنين في إيران من انهيار قيمة
عملتهم خلال الأشهر المقبلة؟.
.webp&w=3840&q=75)


