في المعادلات السياسية المعقدة، لا تُعتبر بعض الهجمات مجرد عمل عسكري مؤقت، بل تُقرأ كشفرة سياسية ورسالة شديدة. إن قصف منزل نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان في دهوك، من قبل الجماعات المسلحة، ليس مجرد انتهاك لسيادة الأرض وكسر لهيبة الحدود فحسب، بل هو محاولة خطيرة لـ "اغتيال" تلك العقلانية السياسية التي تمكنت لسنوات من خلق توازن دقيق بين أربيل وبغداد ومراكز صنع القرار في العالم.
يُعرف نيجيرفان بارزاني في الأوساط السياسية الدولية بمهندس الدبلوماسية الكوردية ورمز "السياسة الناعمة". هو شخصية ظلت دائماً بمثابة خط اتصال مفتوح بين الأطراف المتنازعة، ومنع انفجار الأزمات. عندما يتم استهداف منزل رئيس إقليم كوردستان، فإن الرسالة الأساسية واضحة: لقد ضاقت مساحة الحوار والدبلوماسية. هذا هجوم على تلك الرؤية التي تريد إبعاد إقليم كوردستان عن أتون الصراعات المدمرة.
من ناحية البروتوكول الدولي، يُعد منزل رئيس دولة أو إقليم رسمي خطاً أحمر. واستهداف هذا المكان يعني تحطيم كافة القواعد والأعراف السياسية. هذا السلوك يظهر أن "جماعات الظل" لم تعد تولي أي أهمية لكيان الدولة العراقية، وتريد القول إنه لا يوجد أحد في مأمن ما لم يكن تحت هيمنة أجنداتهم. هذا ليس فقط إهانة لمؤسسات إقليم كوردستان، بل هو إحراج مباشر للحكومة المركزية العراقية التي تبدو عاجزة عن حماية الاستقرار وقادتها السياديين.
يبرز إقليم كوردستان في منطقة تشتعل بالنيران كـ "جزيرة مستقرة". والسبب الرئيسي لهذه الهجمات يعود إلى أن خصوم الإقليم يرون في نجاح كوردستان وعلاقاتها الدولية القوية تهديداً لهم. إنهم يريدون إجبار أربيل إما على أن تصبح تابعاً للأجندات الإقليمية، أو أن تدفع ضريبة استقلاليتها وقراراتها الوطنية بالصواريخ والطائرات المسيرة.
السؤال المهم هو: هل الهدف هو استدراج إقليم كوردستان إلى أتون الحرب؟ الإجابة هي نعم. من خلال توريط إقليم كوردستان في هذه الحروب، تسعى الجماعات الوكيلة إلى صرف أنظار العالم عن المناطق الساخنة الأخرى وخلق ضغط على حلفاء إقليم كوردستان. إنهم يعلمون أن نيجيرفان بارزاني وقيادة إقليم كوردستان كانوا عائقاً أمام تحويل كوردستان إلى ساحة لتصفية حسابات الدول، لذا وبضربه، يريدون تحطيم ذلك "الحياد الإيجابي" الذي عُرف به إقليم كوردستان.
كانت الردود الداخلية والدولية شديدة، ولكن السؤال هو: هل "الإدانة" كافية لإيقاف الصواريخ؟ بالتأكيد لا. إذا لم تكن هناك ضغوط دولية جادة وعملية، فإن هذه الانتهاكات ستكون بداية لتقويض كامل الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
هذا الهجوم هو اختبار كبير للدبلوماسية الكوردية ولضمير المجتمع الدولي. يجب على العالم أن يفهم أن حماية أربيل ومنزل رئيس إقليم كوردستان ليست مجرد حماية لجغرافيا معينة، بل هي حماية لآخر معاقل العقلانية والاعتدال في عراق وشرق أوسط مليء بالحروب. إذا لم يتم التصدي لهذا "الإرهاب السياسي" اليوم، فلن تكون أي عاصمة في المنطقة في مأمن من هيمنة جماعات الظل غداً.
