من شاهد بغداد بالأمس، خُيّل إليه أن هناك مؤتمراً وطنياً للقوى العراقية يُعقد في العاصمة. الجميع كانوا يتحدثون معاً، والكل كان يناقش المستقبل بدلاً من الماضي. إن من صنع هذا المشهد في بغداد هو شخص جاء من إقليم كوردستان العراق، وهو نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان. ولم يقتصر الشعور بهذا المهرجان الوطني في بغداد على السياسيين فحسب، بل شمل جميع أبناء الشعب العراقي.
من اولى المهمات التي تقع على اي سياسي، عراقي او عربي او غربي، هي التفكير بالمستقبل والعمل من أجل صناعة هذا المستقبل. السياسي الكوردي العراقي نيجيرفان بارزاني، رئيس اقليم كوردستان، هو احد ابرز القياديين الذين يفكرون بالمستقبل كرهان للعبور للضفة الأخرى والمضي نحو الغد وتجاوز الأزمات وهذا الغد هو عراق مذدهر خالي من فصائل و دوائر خارجة عن ارادة و ادارة الحكومة. لانه هذا يخلق الفوضى للعراق و للمنطقة و يهيء الظروف لظهور منظمات ارهابية اخرى . العراق الاتحادي هو عراق يضم ويهتم بكل المكونات الاثنية والدينية والمذهبية، التي تشارك بفاعلية في ادارة البلد، وهذا ما برهنة نجاح سياسة نيجيرفان بارزاني طوال السنوات الماضية، وما أكدته اجتماعاته وحواراته الجارية حاليا ومنذ يوم أمس في بغداد حيث التقى بقادة وممثلي كل المكونات الشيعية والسنية والمسيحية.
تكمن قوة العراق في الحفاظ على هذه الفسيفساء من المكونات، قوميات ولغات واديان ومذاهب مختلفة لكنها ليست متخالفة، شعبيا في الاقل، وكان على السياسيين وعلينا جميعا الاستفادة من تجارب عربية، الامارات العربية في مقدمتها، وعالمية، مثل سويسرا والمانيا الاتحادية وبلجيكا التي يتحدث الناس في شوارعها بستة لغات لكنها تتفق على مصلحة سويسرا قبل كل شيء.
السياسيون العراقيون ادركوا اليوم اهمية هذا التعايش السلمي والحضاري، بعد عقود من الصراعات الاثنية والدينية، وبرزت قيادات تتجاوب مع هذا التعايش، وهذا ما ابرزته اجتماعات القادة السياسيين العراقيين مع بارزاني في بغداد والتي اعتبرها العراقيون مهمة وتفائلوا بنتائجها، مع قادة الاطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني بزعامة محمد الحلبوسي، الرئيس السابق للبرلمان العراقي، الذي ادرك باعتباره القائد الابرز الان للمكون السني، بأن الكورد ليسوا مكون بل شركاء درب ومصير.
محمد الحلبوسي يمتلك الآن أكبر عدد من المقاعد السنية في البرلمان العراقي. وقد حظي الحلبوسي في الماضي بأفضل العلاقات مع الرئيس مسعود بارزاني، كما كان الرئيس مسعود بارزاني الداعم الأكبر للسنة، ومن بينهم محمد الحلبوسي. لذا، فإن لقاء نيجيرفان بارزاني بالأمس مع البيت السني، والاجتماع مع السادة الحلبوسي والخنجر والسامرائي، كان خطوة غاية في الأهمية والضرورة.
يأخذ نيجيرفان بارزاني المبادرة ويؤكد فلسفته في ان الحوار هو الحل ليمضون سوية للعبور الى الضفة الاخرى، ضفة المستقبل من اجل عراق واحد متكامل يجمع العرب والكورد والتركمان بكل اديانهم ومذاهبهم مبرهنا ان هذا هو الحل الناجع من اجل عراق قوي ومتقدم وان التجارب اثبتت ان العراق بلا وحدة عربه وكورده لن يتكامل ولن يحقق اية انجازات لشعبه بمختلف مجتمعاتهم.
