في خضم التحولات المتسارعة التي
تسري على سوريا الخارجة حديثاً من الصراعات والنزاعات، تأتي مسألة الانتخابات لا
كخطوة سياسية طارئة أو تمثيل دستوري فحسب، بل تحققاً من مدى العمل الوطني المشترك
بما يرافقه من تكامل وتوافق حقيقي.
اليوم، الكورد في سوريا، الذين
يشكلون عنصراً رئيسياً في التركيبة السورية الديمغرافية والهوياتية والسياسية
والثقافية، يواجهون حساسية في المشهد التمثيلي ضمن الانتخابات المزمع إجراءها
طارحين: هل هذه الانتخابات جادة في التمثيل الحقيقي للكورد أم أنها بمثابة إعدام
سياسي لهم؟.
الكورد في مقدمة التغيرات الحاصلة
في البلاد بسبب موقعهم المؤثر وأهميتهم الجوهرية، إلا أن الإقصاء والإجحاف بحقهم
لايزال يمارَس من خلال الانتخابات الحالية عبر منحهم أربعة مقاعد برلمانية فقط لا
غير، في معادلة تعكس التناقض الحقيقي بين سرديات التنوع ومشهد المشاركة السياسية،
في هذا السياق تعاد إلى الواجهة المقاربة الفعلية والمنظور الملموس فيما يتعلق
بالقضية الكوردية كما السابق رغم البيانات والخطابات التي ساهمت في رفع هذه القضية
داخل سوريا ومنحها الحضور اللائق من قبل السلطة الانتقالية في دمشق.
هنا، أود القول أن هذا الإجراء
بحق الكورد في سوريا إنما هو مؤشر حقيقي لأزمة الاعتراف بالآخر، باعتبار باتت
سوريا اليوم تخاطب بالحريات والاعتراف وتؤكد على حقوق الشعب الكوردي، فلماذا تعيد
إنتاج منطق الاحتواء المؤقت أو الهامش السياسي عوضاً عن التعامل معهم كشريك فعلي
في معادلة البناء السوري عبر العملية الانتخابية الراهنة كون تمثيل الكورد اليوم
يقاس بمدى تواجدهم في القرار بإطار ملموس؟.
الهوة بين الديموغرافيا والسياسة
اليوم، هل بإمكاننا قراءة مشهد
التمثيل الكوردي في الانتخابات السورية عبر تأطيرها داخل الدائرة الانتخابية
الضيقة المتمثلة بمقاعد محدودة؟ بالطبع لا، هنا الملف يعكس حساسية العلاقة بين
دمشق والشعب الكوردي ذي الثقل الجغرافي والتاريخي الصريح والجلي داخل الجغرافية
السورية من جهة، كما أنه يبرز طبيعة العلاقة القائمة بين الطرفين في الحالة السورية الحديثة من جهة أخرى.
عبر عقود تاريخية من الأزمنة
المنصرمة، كان، ولايزال، الكورد في سوريا حاضرين ومتواجدين على أرضهم التاريخية
يمثلون طرفاً أساسياً في النسيج السوري لاسيما ديمغرافياً، يتمركز وجودهم الحقيقي
في مواقع حيوية وذات توازن جيوسياسي بالغ الأهمية بدءً من ديريك مروراً بقامشلو
إلى كوباني وعفرين، إضافة إلى مناطق سورية أخرى كحلب ودمشق وحماه واللاذقية ولكن
بنسبة أقل من مناطق روجآفا كوردستان.
خلال سنوات الصراع والنزاع في سوريا،
لعب الكورد سياسياً وإدرارياً وعسكريا بصورة فاعلة داخل المشهد السوري، ما منحهم
ثقلاً في الحوارات والنقاشات الدائرة حول شكل الدولة السورية القادمة بوصفهم جوهره
لا سيما أنهم يمثلون ثاني أكبر قومية في البلاد.
هذا الطرح الانتخابي من قبل
الهيئة العليا للانتخابات التابعة لدمشق لا يعكس الرؤية الوطنية الحقيقية، بل بات
يمثل شكل من أشكال المحاصصة بينها وبين بعض الأحزاب السياسية الكوردية وعلى رأسها
الأحزاب التابعة للإدارة الذاتية من جهة والمجلس الوطني الكوردي من جهة أخرى على
أسس المناصفة بين الطرفين، في صورةٍ لا تتوافق مع الواقع الديمغرافي بالدرجة
الأولى ومن ثم السياسي. هذا الاختزال لشعب على أرضه التاريخية والديمغرافية ليس
إلا مسار عقيم لمسألة الاعتراف السياسي بالكورد في سوريا المستقبل، وهذا ما يخالف أقوال السلطة وتبدو المفارقة
جلية، فالقضية باتت خارج حدود الاختلال في التوازن العددي للتمثيل لتمتد وتؤسس
لعملية عقم جديدة في ملف الاعتراف السياسي والدستوري.
في ذات السياق، أرى أن الأزمة
الحقيقية التي يمر بها الكورد حاليا لا تتعلق بالتمثيل غير العادل للمقاعد
البرلمانية بصورة مباشرة، وإنما القضية أعمق وأشد حساسية فقد كانت، ولاتزال،
تتمحور حول الرؤية السياسية للسلطة الانتقالية نفسها فيما يتعلق بمسألة الاعتراف
بالقومية الكوردية وضمها للدولة السورية الجديدة كشريك له الحق المتكامل لأن يكون
قوة سياسية فاعلة ذات تأثير واسع النطاق.
انحسار التمثيل الكوردي برلمانياً
على ما يبدو تحاول دمشق إضعاف
التمثيل الكوردي في مجلس الشعب السوري بل وتقليصه، هذا التقليص ليس بمعزل عن طبيعة
المسار السياسي الراهن الذي تتبعه دمشق حالياً، ولا ببعيدة عن هواجس متأصلة تهيمن
منظور السلطة الانتقالية نحو الكورد وقضيتهم. فالكورد باتوا ملفاً أشد تعقيداً بنظر
بعض مفاصل القرار، حيث ارتباطهم الوثيق برسم ملامح الدولة السورية القادمة وصيغ
حوكمتها وشبكات استقرارها داخل التركيبة المحلية والإقليمية وربما الدولية.
مخاوف السلطة الانتقالية من
الكورد تتوسع، فهي تعي تماماً أن أي تحرك أو مشاركة كوردية مؤثرة في البرلمان لن تكون
هي بحد ذاتها الأزمة الحقيقية التي ستواجهها، وإنما بدأت مخاوفها تكبر لتشمل قلقاً
عميقاً فيما يتعلق بالاستحقاقات الكوردية والمطالب المتعلقة بالاعتراف الدستوري
الحقيقي، واللامركزية السياسية التي تعيد تعريف العلاقات بين المركز والأطراف
الداخلية بما يضمن الشراكة الحقيقية.
هنا لابد من الإشارة إلى المؤشرات
التي تعزز هذا الاتجاه متمثلة بالخطابات السياسية المتواصلة التي تؤكد على وحدة
الأراضي أو الدولة السورية، في إشارة عميقة لإحجام أي فكرة تطرح موضوع اللامركزية
ولا سيما السياسية، ناهيك بالتردد الملحوظ في الاعتراف بالشعب الكوردي كقوة فاعلة
مؤثرة بل ومحورية في المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا حالياً عبر إشراكهم
الخجول في الحوارات الوطنية ودينامية العملية السياسية.
إضافة
إلى ذلك، الحضور الهائل للعقلية والفكر التقليدي على المستوى السياسي داخل هيكلية
السلطة الانتقالية معززة بذلك المركزية المقيتة كما زمن العفلق وبالتالي إبقاء
الكورد في إطار سياسي هامشي محدود يمنحهم رمزية لا تأثير حقيقي فيما يتعلق
بالقرارات التي تخص مستقبل الدولة السورية الجديدة. كما أن الضغط وبصورة مباشرة
على دمشق حاليا من قبل تركيا، التي تخشى بلورة نموذج سياسي كوردي في روجآفا
كوردستان، تعيق مسار الحوار الجاد بين الكورد ودمشق، ما يقلص من فاعلية الكورد
ويضعف قضيتهم، ويمكن إدراج هذا الضغط تحت مسمى القلق الإقليمي.
الاستقرار الهش
لم يعد بالإمكان للسلطة
الانتقالية ولا سيما أنها في خضم مرحلة انتقالية قابلة للهدم والبناء بذات الوقت
أن تتعامل بما يهدد بنيتها السياسية عبر إقصاء الكورد داخل المنظومة المؤسسية
للدولة لأنها وبلا مواربة ستواجه بتهديد خطير ليس فقط على الإنصاف السياسي فحسب، بل على مسار تثبيت
الاستقرار والبناء لسوريا الجديدة.
الابتعاد عن فكرة منح الكورد حقهم
الطبيعي في التمثيل السياسي لاسيما داخل البرلمان إنما يمهد لمرحلة جديدة وعصيبة
من حالة عدم الاستقرار القائمة على غياب الثقة بين الشعب الكوردي ودمشق، ما يؤسس
لمفهوم ورؤية غير توافقية ولا وطنية ينعكس سلباً على اتجاه الاستقرار آنياً
ومستقبلاً.
ختاماً، هل ستتمكن السلطة
الانتقالية في دمشق تأسيس سوريا مستقرة ومعاصرة، وهي تخوض معركتها الشرسة مع
الكورد فيما يتعلق بالتمثيل العادل داخل البرلمان والتوافق السياسي؟ فالفجوة
والإبقاء على القرار المركزي والتمثيل لإعادة إنتاج التوازنات القديمة ولكن
بمقاربات مختلفة ومنطق التمثيل الانتقائي سيرسي أزمات الثقة وشرخ عميق بين بينها
وبين الكورد، ما يعمق تفكيك سوريا قبل البدء بإعادة إعمارها.
