رووداو ديجيتال
من زاويةٍ بصريةٍ اعتاد عليها في أفلامه، يطلُّ المخرج والكاتب الكوردي هِنير سليم هذه المرة عبر رواية جديدة بعنوان "حياة مليئة بالأحلام"، الصادرة حديثاً عن منشورات "رامينا" في لندن، بترجمةٍ عربية حملت توقيع سعيد حكيم.
سليم، الذي حفر اسمه في الذاكرة السينمائية العالمية، لا يروي في عمله الروائي الجديد حكاية تقليدية، بل يختار نقطة انطلاقٍ تبدأ من "النهاية"؛ حيث يجد بطل الرواية "ديلمان" نفسه مراقباً لجنازته وللأحاديث التي تلت رحيله. هذا الموقع السردي "الميتافيزيقي" يمنح الكاتب مساحة واسعة للمساءلة، فيرسم مراجعة عميقة للحياة، بعيداً عن ضجيج الزمن اليومي وإكراهات الواقع.
المنفى.. صراع الهوية واللغة
في حديثه عن أبعاد الرواية، يتضح أن "المنفى" ليس مجرد جغرافيا لدى هِنير سليم، بل هو حالة وجودية تعيش التوتر بين باريس وكوردستان. فـ "ديلمان" في الرواية يعكس حال الكثيرين ممن انشطروا بين وطنٍ يحتضنه جسدياً وآخر يسكن في أعماق الذاكرة واللغة.
ويفتح سليم في روايته ملفاً شائكاً يتناول "اللغة الأم" كمرآة تعكس التحولات التي تطرأ على الإنسان في مهاجره، وكيف تتحول اللغة من أداة تواصل إلى جزءٍ من السيرة الذاتية المليئة بالخسارات الصامتة والبحث عن "نقطة توازن" مفقودة.
لمسات سينمائية وسخرية سوداء
لم يغادر هِنير سليم "عدسة المخرج" في كتابته؛ حيث تبدو الرواية، التي تقع في 182 صفحة، مكتوبة بمشاهد سينمائية قصيرة ومكثفة، تجمع بين السخرية السوداء والتأمل الفلسفي العميق. فهو يستثمر لحظة الموت لإعادة تفكيك التناقضات الإنسانية، وتصوير الجنازة كمسرحٍ يكشف زيف الخطابات والصور التي يتركها الإنسان خلفه.
ولا يغيب "حضور الأم" عن هذا السرد؛ فهي الخيط الرفيع الذي يربط "ديلمان" بجذوره الأولى، وهي الصوت الذي يتردد صداه في لحظات الوحدة والاغتراب، مما يضفي على العمل صبغة إنسانية دافئة تكسر حدة الفلسفة.
من السينما إلى الأدب
يعدُّ هِنير سليم، ابن إقليم كوردستان الذي استقر في فرنسا، أحد أبرز الوجوه الثقافية الكوردية في أوروبا. وقد عرفه الجمهور العالمي مخرجاً سينمائياً صاحب رؤية استثنائية في قضايا الهوية والسياسة، ليأتي هذا الكتاب "حياة مليئة بالأحلام" – الذي زينه سليم بلوحة غلاف من ريشته – مكملاً لمسيرته في استنطاق الذاكرة الكوردية ووضعها في سياقها الإنساني العالمي.
بين الذاكرة والمنفى، وبين الحياة والموت، يقدم هِنير سليم رواية لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل تكتفي بطرح الأسئلة الأكثر إلحاحاً: ما الذي يتبقى منا عندما ينطفئ الجسد؟ وما هي الأحلام التي تنجو من مقصلة الغربة؟



