رووداو ديجيتال
عرض مهرجان بغداد السينمائي بنسخته الثانية الفيلم الروائي العراقي الطويل "أناشيد آدم" المشارك في المسابقة الرسمية. الفيلم الذي تابعه جمهور كبير من سيناريو وإخراج العراقي عدي رشيد، المقيم في لوس أنجلوس.
يستهل الفيلم بالموت وينتهي بالموت، ثم بالحياة، حيث تستهل الأحداث عام 1946 عندما يُجبر الطفل الصغير (آدم) على مشاهدة غسل جثمان جده قبل الدفن، وهو إعلان واضح عن موت الماضي ورحيله. لكن هذا الرحيل هو الذي سيشكل الثيمة الأساسية للفيلم عندما يتمنى أو يقرر آدم أن يبقى طفلاً ولا يكبر. الفكرة أسطورية بحتة وذكية للغاية ولا تتحمل أسئلة منطقية مثل كيف استطاع أن لا (يفعل) ويكبر، والسيناريو بدا معقولاً لدى جمهور المتلقين الذين انشغلوا بآدم الذي سيبقى طفلاً بالرغم من تنامي أعمار من حوله: شقيقه الأصغر علي وصديقه الأكثر قرباً منه الراعي إنكي وابنة عمه.
هنا يحيلنا المخرج عدي رشيد إلى أساطير وادي الرافدين عندما أطلق على الراعي اسم إنكي الذي هو أحد أهم الآلهة في الأساطير السومرية، والذي عُرِفَ فيما بعد باسم إئا أو إيا في الأساطير الأكدية والبابلية. بُدِئَت عبادته بوصفه الراعي الأكبر لإريدو في سومر، ثم انتشرت عبادته في جميع أنحاء بلاد الرافدين. ولأنه يرمز للآلهة فإن المخرج رسم له في الفيلم مصيراً مختلفاً تماماً عن مصائر البشر بعد الموت، حيث يغسل آدم وجهه بماء الفرات ويردد أدعية مقدسة ثم ينفذ إرادة أو وصية صاحبه إنكي عندما أخبره بأن أفضل دفن لجثته حين يموت هو البحر "يا لها من دفنة". ولكن أين البحر؟ يسأله آدم، فيخبره "اركب نهر الفرات الذي يمضي إلى شط العرب ثم إلى البحر". وبالفعل يضع آدم جثة إنكي في قارب ويدفعه إلى تيار مجرى نهر الفرات.
الزمن في الفيلم حدث وفكرة فلسفية أكثر منها واقعية، الزمن غير ملموس لكنه معاش وهو ينمو داخل الشخوص إلا في آدم حيث يمر من قربه وليس من خلاله. الآخرون يكبرون يصيرون شباباً ويعيشون واقعهم كبشر اعتياديين، ويشيخون ثم يموتون.. ابنة العم تتزوج ويصير عندها أبناء، والشقيق علي أو علاوي كما يسميه آدم يصير ضابطاً بالجيش وإنكي الذي هو الآخر يكبر ويشيخ ولكنه يبقى مخلصاً وراعياً لآدم.
لم يستوعب الأب فكرة أن يبقى ابنه البكر آدم طفلاً بل يريده أن يكبر ويأخذ مكانه ويورث مشيخته ومزارعه، لكن الأمر ليس بطوع آدم فأمنيته تحققت ولا سبيل للعودة، يقرر الأب حبس آدم في بناية خربة بناءً على نصيحة رجل الدين ليخرج الشيطان (الجني) من جسد آدم ويتحرر من اللعنة التي أصابته ويعود طبيعياً، وهذا ما يدفع الأم إلى ترك القرية، لكن آدم يبقى كما هو ولا يكترث لذلك بل هو سعيد بطفولته بينما الزمن يمر والأحداث تتغير، وتتسارع.
يبني رشيد في فيلم "أناشيد آدم" أطروحة فلسفية حول الزمن الداخلي مقابل الزمن الاجتماعي، وأثر الأزمات العراقية التي تتوالى عبر سنوات مفصلية: 1946، 1952، 1964، وانتهاءً بهجوم تنظيم داعش على محافظة الأنبار غرب العراق عام 2014، حيث تدور أحداث الفيلم على ضفاف الفرات النهر الذي يبدو عقيماً وغير قادر على تغيير واقع الصحراء والتصحر في ترميز إلى وضع العراق ذاته.
آدم ليس مراقباً للأحداث ولا يعمل على تعداد مقياس مسيرة الزمن، بل هو مشارك في صناعتها لكنه لا يستطيع أن يغير أقدار الآخرين الذين يغبطونه أو يحسدونه (خي عونه) وتعني (نياله) لأنه بقي بريئاً وسيرته ناصعة بينما تتراكم ذنوب وأخطاء الآخرين.. هو يتصرف بواقع عمره، يريد أن يلعب ويجمع الحطب مع ابنة عمه التي هي الأخرى تشتاق لتلك السنوات البريئة لكن واقع حالها كمتزوجة وأم لا يسمح لها بذلك، وستبقى تحبه حتى وهي تحتضر عندما تطلب منه أن يضع يديه على وجهها.
يعيش آدم خلال هذه السنوات خارج معادلة الزمن الاجتماعي، ففي الوقت الذي يكبر فيه الآخرون ويتزوجون، ويشيخون، ويموتون يظل آدم ثابتاً، مجمّداً داخل لحظة براءة أولى، وذلك بعد صدمته الأولى لماهية الموت ممثلاً في جثة، بينما "إيمان" ابنة عمه وشقيقه "علي" و"إنكي" الراعي وصديق "آدم" المقرب، يرون في "آدم" نعمة وهدية إلهية في هذه القرية القاسية وعواصف الغبار التي تسيطر عليها، وهو غير راغب بالتخلي عنه.
يتحدث السيناريست والمخرج السينمائي، عدي رشيد، عن فيلمه "أناشيد آدم" قائلاً: "الفيلم يعرض حكاية صبي يُدعى آدم، بدأ محاولته الأولى في إيقاف الزمن، من دون أن يكترث لمروره الحتمي في الآخرين حوله. عملتُ على السيناريو أعواماً عدة، والسيناريو مرّ في مراحل، قبل بلوغه الصيغة التي صوّرت الفيلم على أساسها. تمّ التصوير في منطقة غرب العراق، في ريف مدينة هيت تحديداً، حيث الفرات في صراع أزلي مع التصحر حوله، والتصحر هنا في ثنائية المعنيين، الجغرافي والمجازي".
الفيلم يعاني من ارتباك في الأداء، والتمثيل، فالتسلسل العمري للشخصيات: ابنة العم والشقيق علي وإنكي تطلب عدداً من الممثلين الذين يؤدون الأدوار حسب التسلسل الزمني أو العمري منذ الطفولة حتى الشيخوخة ثم الموت، فظهرت هنا فوضى في أداء الأدوار ذاتها وهجين من اللهجات، تباينت ما بين البغدادية، لهجة المدينة، والريفية ولهجة سكان غرب العراق، لكن هذا لم ينل من قوة الفيلم وحبكته وصيغته الفلسفية.
ولنا هنا أن نشيد بالصبي عزام أحمد، من الفلوجة، الذي أدّى دور آدم "فهو محور الحكاية. انتماؤه وإيمانه بالفيلم، ثم تماهيه بالعمل في ظروفٍ مناخية صعبة للغاية، ولساعات طويلة، مكسبٌ حقيقيٌّ لترجمة مشاهد الحكاية".
وجسدت الممثلة العراقية المبدعة، آلاء نجم، دور إحدى المراحل العمرية لابنة العم، وبالتحديد عندما أصيبت بلوثة عقلية واعتزلت بعيداً عن بيتها، وفي حديثها مع ابن عمها آدم تطلب منه الذهاب إلى البستان لجمع الحطب كما كانا يفعلان في طفولتهما، وبالرغم من ظهورها القصير لكن أداءها كان مؤثراً وهي تجذب اهتمام المشاهد ولتورط بقية الممثلين الذين تباين أداؤهم بسبب تبادل الأدوار والشخصيات، ولتقول "أنا هنا ممثلة أعرف كيف أجسد شخصيتي مهما كان زمن ظهوري".
رشيد استهل مسيرته السينمائية بفيلم عنوانه غير مألوف "غير صالح للعرض". بعده، أنجز أفلاماً عدة، من أفلامه القصيرة: "بياض الطين"، و"مقدمة أخرى"، و"نقص التعرض". ومن الوثائقي: "كلكامش: الملحمة.. المكان"، بالإضافة إلى روائيّ طويل بعنوان "كرنتينة".
كتب سيناريوهات مسلسلات وبرامج تلفزيونية، منها: "الوثيقة 12" (فيلم تلفزيوني)، و"مرة واحدة في بابل"، و"ورشة مدينتنا" (مسلسل تلفزيوني). عرضت أفلامه في مهرجانات سينمائية عربية ودولية، ونال بعضها جوائز.
وفي تصريح صحفي يتحدث عدي رشيد عن المصاعب التي واجهته في إنجاز فيلمه المتميز "أناشيد آدم" قائلاً: "لم يحصل الفيلم على تمويل في العراق، باستثناء دعمٍ لوجستي، قدِّمته نقابة الفنانين، بفضل جبار جودي، نقيب الفنانين ومدير عام دائرة السينما والمسرح.. لم أحصل على دعم جهة حكومية أو أهلية. كنتُ أشعر أنّ هناك تجاهلاً مقصوداً إزاء هذه التجربة، ممن يعتقدون أنهم قائمون على العملية الثقافية ـ السينمائية هنا، على المستوى الرسمي على الأقلّ. البعض استقبلني. وبعد ثرثرة وكلمات إنشائية لا معنى لها، ينتهي الموضوع برمّته بصور جماعية، تُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي. الجهل السينمائي مرضٌ ينهش المؤسّسة الثقافية العراقية، عموماً".
من الجدير بالذكر أن فيلم "أناشيد آدم" مرشح لنيل جائزة أفضل فيلم روائي طويل في المسابقة الرسمية لمهرجان بغداد السينمائي والتي ستعلن في حفل اختتام المهرجان غداً الأحد 12 أيلول 2025.. وكان قد حصل على جائزة اليسر لأفضل سيناريو في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، ونال استحساناً نقدياً حينها، وعرض في مهرجان أفلام سعودية ونال جائزة النخلة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل.



