رووداو ديجيتال
صرح المسؤول السابق عن سجون بغداد، اللواء ناظم المالكي، وهو شخصية عسكرية ذات خبرة ومعلومات حول الجيش العراقي وخاصة القوات البحرية، كذلك احتلال الكويت عام 1990، لشبكة رووداو الإعلامية، قائلاً: "كنت ناوياً أن أدخل كلية الأركان لكن للأسف الشديد، كان الضابط في المنطقة الجنوبية، لا أقول كل الضباط، حتى أكون صادقاً، الضابط في المنطقة الجنوبية من الناصرية أو البصرة أو العمارة أو الكوت ما كان مرحباً به ليدخل كلية الأركان، أو يعطوه منصب ضابط أمن أو ضابط استخبارات. كانت هذه المناصب تعطى لمحافظة نينوى أو الرمادي حقيقة".
خلال مقابلته، على شاشة شبكة رووداو الإعلامية، في برنامج (پەنجەمۆر/ البصمة)، تحدث المسؤول السابق عن سجون بغداد، اللواء ناظم المالكي، عن ملفات وموضوعات كثيرة، منها حرب الكويت، وسجون العراق، والجيش العراقي وأسلحته، في عهد نظام البعث، وقال: "عندما دخلت البحرية عام 1988، وجدنا الأسلحة البحرية قديمة ومصنوعة بالخمسينيات، أي الزوارق الحربية في قيادة القوة البحرية أغلبها روسية وقديمة الصنع، لم تكن عندنا زوارق حديثة، حتى عندما دخلنا حرب الكويت كانت أسلحتنا قديمة ومستخدمة، وأغلبها مستهلكة".
وقال أيضاً: "كان أي طالب يتقدم إلى الكلية العسكرية، لا بد أن يكون منتمياً إلى حزب البعث، وإن كان مؤيداً أو نصيراً. فكان كل الطلاب، سواء كان برغبتهم أو من دون رغبتهم ينتمون إلى حزب البعث، وأنت طالب بالأول متوسط يجعلونك تنتمي إلى حزب البعث، بهذه الدرجة (مؤيد)، وتستمر هذه الحالة، فمن يؤمن بحزب البعث يدخل دورات تطويرية وينتقل إلى مراحل أعلى"، وأضاف: "لكن أغلب الضباط والعسكريين ما كان عندهم هذا الانتماء الروحي أو الإيمان بذلك".
نص المقابلة:
رووداو: مشاهدينا ومستمعينا الأعزاء مرحباً بكم. سعيد بلقائكم في حلقة جديدة من برنامج (پەنجەمۆر/ البصمة). في هذه الحلقة نستضيف شخصية عسكرية ذات خبرة ومعلومات حول الجيش العراقي وخاصة القوات البحرية، كذلك احتلال الكويت عام 1990، هذه الشخصية كانت ولفترة طويلة مسؤولة عن سجون بغداد التي كان يقبع فيها أكثر من 60 ألف سجين ومتهم ومطلوب للعدالة. تعرف فيها عن قرب إلى عدد من قيادات حزب البعث، من بينهم علي حسن المجيد، وطارق عزيز، وشخصيات أخرى. نستضيف اللواء ناظم المالكي ونفتح صفحات مهمة من التاريخ الذي شارك في أحداثه أو واكبها عن قرب. السيد ناظم، أهلاً بك في برنامج البصمة.
ناظم المالكي: أهلاً وسهلاً بك، بدايةً أوجه شكري وتقديري لجنابكم الكريم على هذه الدعوة الجميلة وخاصة الاستقبال والكرم، في هذه المحافظة الجميلة، محافظة السليمانية.
رووداو: جزيل الشكر لكم، ونرحب بكم في كوردستان وفي السليمانية. يا حبذا لو بدأنا من فترة دراستكم الأولى في الابتدائية، هل ولد فيكم حب الجيش منذ صغركم الذي تقلّدتم فيه مناصب رفيعة؟
ناظم المالكي: نعم. أنا حقيقة من موالد 1965 كان والدي عسكرياً سابقاً، وكان العسكري ينتقل مع عائلته في أي محافظة يخدم فيها العسكرية، فلذلك كان مسقط رأسي في محافظة كركوك، وسُميت بهذا الاسم ناظم، نسبة إلى الجدة التي أسمتني ناظم نسبة إلى أخيها التركماني الجدة، فبقينا في كركوك سنتيين، بعدها انتقلنا إلى محافظة البصرة، وانتهت حياتي الدراسية الابتدائية والمتوسطة في قضاء القرنة، بمحافظة البصرة، إلى أن أنهيت الإعدادية بالقرنة، كذلك بعدها قُبلتُ في كلية الإدارة والاقتصاد وتركت كلية الإدارة والاقتصاد، المرحلة الأولى، والتحقت بالكلية العسكرية الأولى عام 1986، وتخرجت عام 1988 الشهر السادس (22/6) الدورة (72)، وكان حلمي في الطفولة حقيقة، وخاصة في المراهقة، أن أكون ضابطاً في الجيش العراقي، لأن العائلة، خاصة عائلتنا، كلهم كانوا عسكريين، وحبنا لهذه المهنة.
رووداو: نعم، أنتم تعرفون أنه بعد السبعينيات وخاصة بعد تقلّد حزب البعث الحاكم في العراق، كان دائماً في محاولة لتشكيل جيش عقائدي، جيش يكون تحت سيطرته، ولهذا السبب كان يجب على الضباط وأصحاب الرتب العسكرية أو الذين كانوا يدخلون الكليات العسكرية أن يكونوا بعثيين، هل كان الوضع على هذه الشاكلة؟ هل شاركت أو انتميت إلى حزب البعث إن صح التعبير؟
ناظم المالكي: حقيقة كان أي طالب يتقدم إلى الكلية العسكرية، لا بد أن يكون منتمياً إلى حزب البعث، وإن كان مؤيداً أو نصيراً. فكان كل الطلاب، سواء كان برغبتهم أو من دون رغبتهم ينتمون إلى حزب البعث، وأنت طالب بالأول متوسط يجعلونك تنتمي إلى حزب البعث، بهذه الدرجة (مؤيد)، وتستمر هذه الحالة، قسم من يؤمن بحزب البعث يدخل دورات تطويرية وينتقل إلى مراحل أعلى. خاصة إذا كان عسكرياً فإجباري أن يحضر الاجتماعات، لكن أغلب الضباط والعسكريين ما كان عندهم هذا الانتماء الروحي أو الإيمان بذلك، لكن نظراً لأن النظام قاسٍ...
رووداو: إذاً كان شيئاً شكلياً فقط؟ نعم.
ناظم المالكي: نعم، كان شكلياً، أغلب الجيش العراقي كان تنظيمه شكلياً مجرد أنه.. لأنه كان أي ضابط لا يدخل كلية الأركان إن لم يكن رفيقاً حزبياً، وأي ضابط لا يصير آمر فوج أو منصب إذا ما كان عنده درجة حزبية، فحتى لو رفيق حزبي، أي يكون رفيقاً حزبياً، لكن ليس عنده إيمان، ولا يهتم بهذه الأمور، لكن لأنه مجبر، حتى مدير مدير المدرسة أو مدير دائرة، أي مدير دائرة، خاصة في المنطقة الجنوبية والوسط، إذا لم يكن منتمياً لحزب البعث ما كانوا يعطونه أي منصب، هذه حقيقة كل العراقيين يعرفونها.
رووداو: أنتم تحدثتم عن أنكم أنهيتم في العام 1988 الدراسة في الكلية العسكرية، ما السبب الذي دفعكم لاختيار قسم القوة البحرية؟ هل كان باختياركم أم بالصدفة؟
ناظم المالكي: لا، حقيقة أنا اخترت قيادة القوة البحرية، لأن المقر.. القيادة أو مقر عملها هي في محافظة البصرة، وأنا من سكنة محافظة البصرة، وكان أغلب أهلي أقاربي يخدمون في هذه القيادة البحرية، فاخترت هذا الصنف من حبي لهذا.. البحرية تختلف عن المشاة وعن القتال بالجيش، فكل البحرية حقيقة عسكريتها جميلة جداً ونظيفة وأسلحتها زوارق، ليست مثل المشاة وغيرها.
رووداو: يقال أيضاً أن القوة البحرية كانت متهالكة من ناحية العتاد، كانت مليئة بالأسلحة الروسية القديمة، هل هذا صحيح؟
ناظم المالكي: عندما دخلت البحرية عام 1988، وجدنا الأسلحة البحرية قديمة ومصنوعة بالــ (1950 الخمسينيات) أي الزوارق الحربية في قيادة القوة البحرية أغلبها روسية وقديمة الصنع، لم تكن عندنا زوارق حديثة، حتى عندما دخلنا حرب الكويت كانت أسلحتنا قديمة ومستخدمة، وأغلبها مستهلكة.
رووداو: إذاً ما عدا روسيا، ألم تكن هنالك دولة أخرى تساعدكم أو تبيعكم الأسلحة، مثل فرنسا أو دول أخرى؟
ناظم المالكي: نعم، مثلاً أنا أنتمي إلى لواء الضفادع البشرية، بعدما تخرجت دخلت دورة القوات الخاصة، لأني خريج كلية عسكرية، فدخلت دورة القوات الخاصة وبعدها دخلت دورة صنف الضفادع البشرية، وتخرجت من دورة القوات الخاصة والضفادع البشرية أصبحت ضابطاً ملازماً من صنف الضفادع بشرية. فصنف الضفادع البشرية أسلحتهم فرنسية، جميع تجهيزات الغطس والأسلحة التي في الضفادع البشرية هي فرنسية. لأن أول من أسس صنف الضفادع البشرية، اللواء المتقاعد فيصل جوني، كان في 1968 أسس هذا الصنف، وأول الدورات التي دخلتها، عبود قنبر ومؤيد الآلوسي.
رووداو: كم كان حجم القوة البحرية العراقية في ذلك الوقت الذي كنت أنت في الجيش؟
ناظم المالكي: قبل التقليص وقبل دخولنا للكويت كان عدد الضباط الموجودين في قيادة القوة البحرية أكثر من 600 ضابط. عدا المراتب.
رووداو: كما تعلمون في العام 1988 لربما كانت الحرب العراقية الإيرانية ما زالت مستمرة، أعتقد بأن في ذلك الوقت وكما الآن، كانت هنالك مشاكل متعلقة بمضيق هرمز، أليس كذلك؟
ناظم المالكي: أنا حقيقة ما اشتركت بالحرب العراقية الإيرانية، لأني تخرجت من الكلية العسكرية، بعد شهرين صار وقف إطلاق النار. فليس عندي على مضيق هرمز [معلومات عن] أسباب ومشاكل.. حقيقة لم أشترك.
رووداو: إذاً، أنت لم تشارك. إذا تحدثنا في مرحلة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية عن الحدود البحرية، كيف تم ترتيب الحدود وتشكيلها أو تقسيمها؟ هل لديكم علم بذلك؟
ناظم المالكي: بحسب علمي ومعرفتي لأني كنت ضابطاً بالبحرية، رجعنا إلى اتفاقية 1975، اتفاقية الجزائر، بعد أن خضنا حرب ثماني سنوات، وخسائر بالمعدّات وبالأرواح، رجعنا إلى الاتفاقية، التي هي اتفاقية 1975 بالجزائر، ونحن رفضناها بالبداية، ببداية الحرب، وبنهاية الحرب رجعنا إلى نفس الاتفاقية، ما صار أي تغيير.
رووداو: إذاً، وكأن العراق لم يفعل شيئاً، أنتم عدتم لاتفاق رفضتموه سابقاً؟
ناظم المالكي: نحن خضنا حرب ثماني سنوات، أعطينا خسائر كثيرة من القوات المسلحة ومن المعدّات ومن الأسلحة، وحتى خسائر مادية، وبنفس الوقت رجعنا إلى نفس الاتفاقية التي كانت معدّة في 1975، أي مجرد حرب عبثية صارت علينا ودمار للشعب العراقي وللشعب الإيراني أيضاً.
رووداو: نعم، القوة التي كنت فيها، القوة البحرية، من كم لواء كان يتشكل؟ كم فوج؟ هل كانت قوة كبيرة، هل كانوا مقسمين على ألوية وأفواج؟
ناظم المالكي: نعم، قيادة القوة البحرية قبل دخولنا للكويت كانت ألوية، فيها لواء القوات الخاصة البحري، التي يسمونها لواء المشاة البحرية 440 هذا المارينز، ولواء الضفادع البشرية الذي هو اللواء الذي كنت أداوم فيه، وهو يقاتل بالماء وبالأرض. وكان عندنا لواء سفن حربية، ووحدات زوارق أخرى. نحن لا نتعدى مستوى فرقتين، كل قيادة القوة البحرية بمستوى فرقتين تقريباً.
رووداو: هل تذكر إن كان من بينكم أي شخص من الكورد في القوة البحرية؟ ضباط أو جنود كورد مرتبطون بالدوام في تلك التشكيلات؟
ناظم المالكي: نعم، نعم. كان عندنا ضباط كثيرون من الكورد، وقادة كذلك، كان عندنا قائد، للأسف نسيت اسمه، هو كوردي، كان عندنا في البحرية، لكن لا أتذكر اسمه، نسيته للأسف الشديد، لكن كان عندنا ضباط، مثلاً ضباط إداريون وضباط مكلفون، هم يأتون احتياطاً، من الكورد كان عندنا ضباط بكثرة، وحتى مراتب كذلك، مراتب من ديالى أو من كركوك أو من السليمانية ومن أربيل كانوا موجودين عندنا، لكن لم يكن العدد كثيراً، كان عددهم قليل جداً، حقيقة، ضباط لا يتجاوزون تقريباً سبعة ضباط أو عشرة ضباط.
رووداو: القوة البحرية التي كنت أنت فيها، إذا ما تحدثنا من الناحية التاريخية حيث تم الاهتمام بها من بعد سنة 1968 وكنت أنت طفلاً بعمر ثلاث سنوات، كيف كانت قصة تشكيل تلك القوة؟ هل تعرفها؟ أقصد لماذا تم تشكيل تلك القوة؟ هل كانت ضرورة أم ماذا؟
ناظم المالكي: طبعاً قيادة القوة البحرية تأسست بالبداية على شكل وحدات صغيرة، مثلاً الضفادع البشرية، صنف الضفادع البشرية، تأسس في عام 1968، كان بمستوى سَرِيّة، سَرِيّة ضفادع بشرية. المشاة البحري كان كذلك بمستوى سَرِيّة. الزوارق كانت على مستوى صغير جداً، بداية تأسيسها، شيئاً فشيئاً بالسبعينيات أخذت مرحلة التقدم، بالسبعينيات أخذت مرحلة تقدم بزيادة الأعداد وزيادة المعدات الحربية، حتى بداية الثمانينيات، بالحرب مع إيران، خسرنا أكثر المعدات الحربية، لأن أسلحتنا الموجودة كانت هي غير متطورة، وكانت حرباً دموية، حقيقة.
رووداو: نعم. إذا ما تحدثنا عن مرحلة أخرى من حياتك وهي مرحلة مهمة من تاريخ العراق وهي فترة احتلال الكويت من قبل العراق عام 1990، ما المسؤولية العسكرية التي كانت ملقاة عليك عندما هاجم العراق الكويت؟ ماذا كانت رتبتكم العسكرية؟
ناظم المالكي: أنا كنت برتبة ملازم، وبعد شهرين أصير ملازماً أول، أترقى. بدأت الحرب بال 1990، فالحرب على الكويت لم يكن أحد يعلم بها، الضباط الذين اشتركنا في الهجوم على الكويت لم يكن عندنا علم بأنه سيحدث احتلال للكويت، فقد صعدنا الزوارق، نحن - الضفادع البشرية ومشاة البحرية- باعتبار أن هناك تمريناً بالبحر، إلى أن وصلنا إلى منطقة الهدف أهدافنا الرسمية المسجلة، لكن كان كل قائد عنده علم بها. وصلنا إلى أهدافنا المرسومة لنا، قالوا يجب أن نحتلها، بعد هذا صدرَ أمر من القيادة العامة للقوات المسلحة، بأنْ تهيؤوا بأسلحتكم واحتل كل واحد هدفه المعني به. مثلاً نحن، كانت أهداف قيادة القوة البحرية السواحل البحرية والموانئ البحرية، إضافة إلى الجزر مثل جزيرة فيلكة وجزيرة عوهة ومسكان وقاعدة القوة البحرية التي هي في القليعة، كانت هذه أحد القواعد المهمة في الكويت، البحرية التابعة لقيادة القوة البحرية، لأنها مقر الكلية البحرية ومقر لقيادة القوة البحرية، فكان واجب قيادة القوة البحرية، زوارق وقوات خاصة وضفادع بشرية، أن تحتل هذه الجزر والسواحل والموانئ. أما بالنسبة للكويت، الأراضي اليابسة، فكانت ألوية الحرس الجمهوري ودخلت مدنها واحتلتها بليلة واحدة.
رووداو: هل هاجمتم كلكم في ساعة صفر واحدة أم تم الهجوم ليلاً بصورة متفرقة؟
ناظم المالكي: نعم، كلنا هاجمنا الساعة 2:00 ليلاً، دخلنا للكويت الساعة 2:00 ليلاً.
رووداو: هل أبدى الكويتيون أي نوع من المقاومة عن تلك الجزيرة التي تحدثت عنها، أقصد جزيرة فيلكة؟
ناظم المالكي: حتى أكون صادق معك، بالنسبة لجزيرة فيلكة ما كان فيها قوة ساندة لها، كانت قوة ضعيفة، فصيل من البحرية، وفصيل من الرادارات، ومراكز شرطة، لم تكن فيها قوة كبيرة، ما صارت لنا أي مقاومة. نحن احتللنا الهدف خلال ساعة ونصف جزيرة فيلكة، وهذه الجزيرة مساحتها 43 كيلومتراً مربعاً، لكن كان القوة التي هاجمت على هذه الجزيرة، هي قوة لواء المشاة البحرية 440.
رووداو: إذاً هل استسلموا دون أدنى مقاومة؟
ناظم المالكي: مقاومة قد يكون من شخص واحد رمى إطلاقات بالهوا، نحن لم نقدم جريحاً، ولا قدمنا أحداً استشهد، ولم نقتل كويتياً واحداً، حقيقة، حتى أننا لم نجرح كويتياً واحداً. دخلنا رأساً على المرسى واحتللنا المنطقة، وأسرنا القوات العسكرية الموجودة عندهم، والمدينة أساساً كان فيها سكان مدنيون، بيوت مدنيين، فتعاملنا معهم معاملة حسنة، وما آذينا أي شخص منهم، وبقوا معنا متعايشين، ونحن محتلون للمنطقة أكثر من شهرين تقريباً، إلى أن صارت تنقص المواد الغذائية والمياه، فطلبوا منّا أن يرحلوا ويعبروا إلى الكويت، حيث تبعد الجزيرة عن الكويت، عن رأس الأرض، عن ساحلها، تقريباً أكثر من 35 كيلومتراً، فعبّرناهم بمعاملة حسنة دون أي تأخير.
رووداو: ولكن كثيراً ما يقال بأن الجيش العراقي وخاصة عندما دخل الكويت واحتلها، حصلت هنالك عمليات سرقة ونهب كثيرة، وهنالك كثير من الوثائق والمقاطع المصورة التي تؤكد صحة ذلك، حتى أن العديد من الضباط والجنود الذين شاركوا في الاحتلال يتحدثون صراحة عن ذلك. كيف كانت تلك العمليات، أقصد عمليات النهب؟ هل كان مخططاً لها، هل سمح الجيش بحصولها، هل تم الإيعاز أو السماح بحدوثها أو التوجيه بها؟
ناظم المالكي: الحقيقة لم يكن هناك توجيه من قبل القيادة بأنه "تنهبون أو تستغلون البيوت"، لكن تعرف إن الجيوش دائماً إذا احتلت منطقة تفعل ما تشاء، وهذا كان تصرفاً فردياً، وتصرفاً شخصياً دون أوامر. وكان عندنا سيطرات تمنع الجندي المقاتل إذا جلب معه أشياء من الكويت. لكن المشكلة أنه مثلاً كانت اللجنة الأولمبية، أنا أتذكر، اللجنة الأولمبية، كانت برئاسة عدي صدام، كانوا يذهبون للكويت يجلبون الأشياء الرياضية مثل الكؤوس أو التجهيزات الرياضية أو السيارات الفاخرة جلبوها للجنة الأولمبية. هذا بأمر بأمر رسمي كأنه حكومي. لكن الجيش، نعم قسم من القوات العسكرية أفراد الجنود حقيقة أخذوا تجهيزات بسيطة هذا كان موجوداً.
رووداو: لكن حتى وإن لم تكن هنالك توجيهات فإنه في الوقت نفسه لم يتم المنع أيضاً، هل تم منع أعمال النهب والسرقة، هل صدر أمر يمنع ذلك؟
ناظم المالكي: والله كنا.. نحن - الضباط- كنا نمنع الجنود حقيقة، لكن الكوين مدينة كبيرة، فهناك أشياء أخذت من دون سيطرتنا، لكن نحن - الضباط - منعنا هذه الحالة، وكانت أوامرنا متشددة، حتى من يعتدي على الكويتيين أو على نساء الكويتيين كان يعاقب، أنا أتذكر أنه كان عندنا ضابط أُعدِم، لم يكن الضابط من وحدتي، بل من أحد ألوية الجيش العراقي، اعتدى على دكتورة، وأعدموه بالكويت.
رووداو: في الكثير من الأحيان، الجيوش التي تدخل دولاً أخرى وتحتلها تحدث الكثير من الأمور غير القانونية. في الجزيرة على سبيل المثال التي كنتم أنتم فيها، هل حدثت أية اعتداءات أو اعتداءات جنسية على الناس أو على النساء تحديداً؟ هل حدثت مثل تلك الأمور غير القانونية حتى وإن لم تكن هنالك أوامر بذلك، فإن الكثير من الأمور تحدث؟ هل حدث ذلك؟
ناظم المالكي: لا. الجيش عندما يحتل مدينة أو عندما يحتل دولة، تحدث أشكال وأمور كثيرة حقيقة. لكن نحن كقيادة القوة البحرية عندما احتللنا جزيرة فيلكة، وجدوا فيها أناساً مدنيين، سكاناً مدنيين، لم ييستطع أحد منا أن يتجاوز على أي فرد من الأفراد الكويتيين مطلقاً، حتى ما تجاوزنا على الأفراد العسكريين، بل أخذناهم أسرى وانتهى الأمر. أما في داخل الكويت، أنا ذكرت لك هذه الحالة، كان هناك تجاوز من أحد الضباط، أتذكر من محافظة ديالى، وأُعدِم في الكويت، فصار عبرة. لكن مع أنه تكون العقوبة مشددة أو كذا، كانت هناك تجاوزات، من نهب أو سلب، مثل فيديوهات أو تلفزيون أو سبليتات، لأن أغلب الشعب العراقي كان في تلك الحالة لا يملك هذه التجهيزات مثل ما كان عند الكويت.
رووداو: هل حصل أن خالف أي من القيادات العسكرية أوامر صادرة من جهات عسكرية عليا؟ يتم الحديث عن العميد عبود حيث يقال بأنه لم ينفذ الأوامر؟
ناظم المالكي: عميد عبود.. العميد الركن عبود قنبر كان آنذاك، قائد جزيرة فيلكة، وكان هذا القائد يشار إليه بالبنان، لما يحمل من أخلاق عسكرية ومهنية وإنسانية، حقيقة هذا القائد أنا أقول إنه يفترض أن نبني له تمثالاً، لما يحمل من خلق نبيل وإنسانية. أولاً اجتمع بالجيش، وقال: ممنوع أن يتجاوز أحدٌ على أي شخص كويتي مدني، وممنوع أن يتجاوز أحد على بيوت المواطنين، وجعل الجيش خارج أسوار البيوت، وزّعنا على جزيرة فيلكة بأمكنة على السواحل، وكان رجلأ مهنياً، ومتديناً حقيقة، لم يقبل أخذ أي شيء. أتصور حتى أنه إذا عندما كانوا يأتون له بالأكل من البيوت ما كان يأكله، هذا العميد الركن، عبود قنبر. هو يحمل فكراً عسكرياً، وهو قائد ميداني. هذه الجزيرة عندما بدأت الحرب، بدأت الطائرات تقصف الجزيرة، حاول الأميركيون وقوات التحالف، أن ينفّذوا إنزالاً، لكنهم عجزوا عن تنفيذ الإنزال بهذه الجزيرة، رغم أنها جزيرة مفتوحة، مساحتها 43 كيلومتراً مربعاً، لأن القوات التي كانت موجودة هناك، لم تكن قوات عادية، ليست مثل الجيش العادي، المشاة، كلهم نواب ضباط، قوات خاصة، ومتدربون تدريباً عالياً، وضباط من خريجي الكلية العسكرية، وكلهم قوات خاصة، فعجزت الطائرات الأميركية أن تعمل إنزال داخل هذه الجزيرة، وكذلك عجزت الزوارق البحرية الأميركية وقوات التحالف أن تدخل بالإنزال إلى هذه الجزيرة، وبقيت هذه الجزيرة عصية على قوات التحالف إلى أن انتهت الحرب. وانتهت الحرب، انتهت الحرب، واجتمع شوارسكوف مع سلطان هاشم في خيمة صفوان، وهذه القوات موجودة في جزيرة فيلكة لم تؤسَر. ولذلك، للتاريخ، هذه القوة التي كانت موجودة في جزيرة فيلكة لم تعد من أعداد الأسرى، مثلاً أخذت القوات البريطانية والأميركية من جيشنا أسرى كثيرين، والأسير في قانون النظام العسكري إذا أُسر شخص وعاد إلى بلده يتقاعد ويسرح من الجيش، إلا أن القوات التي كانت في جزيرة فيلكة لم يعتبروهم أسرى، اعتبروهم محتجزين عسكريين، وعادوا للخدمة بعد انتهاء الحرب.
رووداو: نعم، ماذا كان مصير العميد عبود؟ هل تم استجوابه على تلك الأشياء؟
ناظم المالكي: لا. العميد الركن لما انتهت الحرب وصار وقف إطلاق النار وانتهت خيمة صفوان، جاءت طائرة بعد أن جمع قواته، القوات العراقية أرسلت إلى عبود قنبر قبل أن يصير الانسحاب وقبل أن يتوقف إطلاق النار، أرسلوا له زورقاً وقالوا له: أنت كقائد انسحب أنت وجماعتك، القيادة مقر القيادة، لكن عبود قنبر رفض. العميد الركن عبود قنبر في وقتها رفض رفضاً قاطعاً، وجمع القوات قال: أنا لا انسحب وأترك جماعتي داخل الأرض بالجزيرة، إلا إذا انسحب آخر جندي فأنا أنسحب معه. ورفض الانسحاب وما أطاع الأمر العسكري الذي أرسلته القيادة العامة، بأنه يجب أن ينسحب، وبقى إلى أن جاءت القوات الأميركية، ونزلوا بالطائرة وأسروهم هو والقوات، والضابط الأميركي عندما نزل بهذه الأرض، بالجزيرة، أدى له التحية، وأخذ التحية وقال له تفضلوا فأنتم أسرى، لكن هم اعتبروهم محتجزين لا أسرى.
رووداو: السيد ناظم، أنتم في وقت الحرب خاصة، وأنتم تنفذون الهجمات وتسيطرون على الجزيرة المذكورة آنفاً، تضطرون لاحقاً للانسحاب. في وقت الانسحاب أنت أصبت بجروح، ولكن قبل أن تجيب عن ذلك، هل كان هنالك الكثير من المصابين في الجيش العراقي من زملائكم أنتم؟ هل قاومتم؟
ناظم المالكي: عندما بدأ الانسحاب قبل وقف إطلاق النار بساعات... جاء أمر بأن من يستطيع الانسحاب ينسحب من الجزيرة، فالعميد الركن عبود قنبر في وقتها أمر أننا - كضفادع بشرية- عندنا زوارق صغيرة، وكان واجبنا للأسف، واجباً انتحارياً، كان مرسلاً من قبل القيادة العامة خمسة ضباط في خمسة زوارق تحمل صواريخ... أسلحة، أسلحة عادية هي قاذفة، صاروخ، مدفع إس بي جي ناين، على اعتبار أنا نتقرب إلى الزوارق البحرية الأميركية التي هي والفرقاطات ونضربها بهذه الأسلحة التقليدية القديمة. كان واجباً انتحارياً 100%، وإننا من منا لا ينفذ الأمر، تعرف، ينعدم الشخص الضابط إذا ما نفذ الأمر، لكن كان الواجب واجباً انتحارياً، فلقبونا بالواجب... الضباط الفدائيين الخمسة. فنحن كنا خمسة ضباط، فالرجل، العميد الركن عبود قنبر، لأنه من صنف الضفادع البشرية، هو أيضاً من صنف الضفادع البشرية، عندما التقى بنا ورأى واجبنا بهذا المستوى، قال هذا واجب شخص مَيّت، ولن تحققوا 1% منه، لذلك اتخذنا واجبات أخرى: نقل الجرحى بالبحر من الجزيرة لرأس الأرض، نقل الأرزاق، نقل الشهداء، استغللنا هذه الفرصة، ننقذ الناس الذين تُضرب بالزورق، ننقذهم، فقال هذا واجبكم أفضل من ذاك الواجب، لأن واجبكم ذاك انتحاري ولن راح يحقق أي هدف، لأن الأميركيين عندهم أسلحة متطورة وسيرصدونكم قبل أن تصلوا بـ 50 كيلومتراً ويضربوكم. فنحن في النهاية هذه الحرب، خيرنا الرجل العميد الركن عبود قنبر، قال أنتم ضفادع بشرية، ونحن تجهيزاتنا، بدلاتنا بدلات غطس، مثل بدلات الغواصين، فارتديناها وانسحبنا بالزورق. فالطيارون الأاميركيون بالبداية حذرونا وقالوا يجب أن ترجعوا كأسرى، ونحن لم نرجع، في منتصف البحر، فبدأ يضربنا بصواريخ.
رووداو: إذاً أنت ومعك الآخرون أصبتم وقت الانسحاب؟
ناظم المالكي: نعم، خلال الانسحاب أُصبتُ في منتصف البحر، فعندما أصبتُ، الزوارق احترقت، ونحن مجموعة تقريباً عددنا 18 شخصاً خمسة... ستة ضباط تقريباً، هناك ضابط جاء معنا من وحدتنا للأسف استشهد النقيب عبد القادر سالم والضباط الخمسة الذين كان أيضاً واجبهم المقرر هو واجب الفدائيين، ففي منتصف البحر مباشرة ضربَنا الطيارُ بدوشكات وصواريخ أدى إلى استشهاد قسم منا وجرح قسم منا، وبقي قسم أحياء بالبحر نسبح، فمن ضمنهم أنا كنت جريحاً، كانت عندي إصابات، خمسة جروح في جسدي، وبقيت أسبح لكن الذي ساعدنا على السباحة، أولاً، نحن ضفادع بشرية، ونرتدي زعانف الغواصين وبدلاتهم. في أحد اللقاءات، قال أحدهم، كيف سبع ساعات، وهذا جريح خمس... سبع ساعات وخمس شظايا، وبقى يسبح بالبحر وخرج سالماً؟ نحن لا نسبح سباحة عادية مثل البشر، نحن عندنا بدلات غطس، هذه البدلات إسفنجية تساعد الإنسان، تساعد الضابط والجندي المقاتل، تتماسك مع جسمه، إسفنجية، وتساعده على الطوفان، فبقيت أسبح سبع ساعات إلى أن كانت أقرب جزيرة لنا من بعد هذه السبع ساعات وليل ومطر وبرد وبحر هائج، أمواج، الموج تقريباً يرتفع أكثر من خمسة أمتار، فبقينا نسبح سبع ساعات وأنا جريح ومعي المقاتلون الجنود الذين هم رفاقي في الزورق، وهم وليد عبد الوهاب وحسين عبد الجبار، كانوا اثنين نواب ضباط من أهل البصرة، وكانوا أصدقائي لا كأنهم جنودي، بل إخواني، بقوا يسبحون معي ويرافقوني إلى أن وصلنا لجزيرة بوبيان، بعدها وصلت الجزيرة صعدنا على...
رووداو: هل حدثت تلك الأحداث ليلاً أم نهاراً؟
ناظم المالكي: لا بالليل، بالليل، وكانت الآبار محترقة والأمطار، وحتى المطر كان أسود، ينزل من آبار النفط المحترقة، وكان هناك عدم رؤية، ووصلنا إلى جزيرة... جزيرة بوبيان، وهي تبعد عن جزيرة فيلكة تقريباً بـ 60 - 70 كيلومتراً ، فوصلنا إلى هذه الجزيرة وأنا فقدت.. كنت أفقد.. لأني عانيت نزيفاً من كل جانب...
رووداو: هل كانت القوات الأميركية خلفكم وتطاردكم؟
ناظم المالكي: لا. كانت الطائرات الأميركية تصلنا فقط، باعتبار أننا بجزيرة بالبحر، فما كانوا يستطيعون الوصول بزوارق، لكن بالطائرات كانوا يراقبوننا ويضربوننا. كان معي ضباط استشهد اثنان من الضباط من الإخوة الذين معي، الملازم أول هادي بدري من أهل الناصرية، والنقيب عبد القادر من البصرة من القرنة، بقوا ثلاثة ضباط أحياء، فكان هناك جسر يربط هذا الجسر بين جزيرة بوبيان والأرض الكويتية، يسمونه على اسم نهر خور الصبّيّة، هذا خور الصبّيّة الموجود، فكان هذا الجسر تقريباً طوله كيلومترين، فقالوا عسى أن نعبر إلى الجهة الثانية، نحاول أن نجد سيارة تنقلك حتى نستطيع أن ننقلك إلى أم قصر، للعراق، فعبروا الجسر وضُرب الجسر من قبل الطيارين، فأدى إلى انعدام التواصل بيني وبينهم ولم يكن هناك اتصال، فهم انسحبوا وبقي معي اثنان... ما فعلناه أفادنا بالمعركة حقيقة، وهي التي جعلتني أتخلص من هذه الأزمة.
رووداو: لكن لماذا لم تسلموا أنفسكم للأميركيين؟ هل كان ذلك من منطلق أن في الأمر نوعاً من العار؟
ناظم المالكي: والله كانت هناك طائرات تحوم علينا بالأجواء لكن نحن لم نسلم أنفسنا، لأننا تركنا أساساً جزيرة فيلكة لكي لا نبقى أسرى، كانت كرامتنا وعزة النفس أنه لا نكون أسرى، لذلك بقينا بالجزيرة، فـأنا لا أشتهي الأكل، لكن أشتهي شرب الماء، كنت عطشان، لكن الجريح لا يشرب الماء، فـصار أفراد جماعتي في الصباح الثاني بالجزيرة، يبحثون عن ماء وأكل، وحصلوا على زمزميات من الجيش المسحوب سابقاً، كانت هناك فرقة موجودة مسحوبة، وبقيت زمزميات وكم صمونة يابسة، فحصلوا عليها، بدؤوا يشدون رمق الجوع والعطش بهذه، بقينا بالجزيرة تقريباً خمسة أيام، وأنا جريح، إلى أنه في آخر يوم بقينا نبحث عن زورق نعبر به داخل الجزيرة، لأن الجزيرة كبيرة تقريباً أكثر من 120 كيلومتراً مربعاً، ووجدنا موضعاً به جنود، أكثر من 16 جندياً، معهم ضابطان اثنان من الموصل لا يعرفون السباحة ومختبئون بهذا المكان وعندهم أكل وقد وضعوه داخل هذا الموضع الكبير، فنحن تفاجأنا بهم، قلنا لهم لماذا لم تعبروا؟ قالوا، نحن جئنا نعبر مع جماعتنا وانفجر الجسر فبقينا، نحن لا نعرف السباحة، فبقينا في هذا الموضع، معنا اثنان... معنا رائد من أهل الموصل وملازم أول من أهل الديوانية، وقسم مراتب من النجف وقسم لا يعرفون السباحة.
رووداو: حسناً، أنتم وبعد أن تخلصتم من تلك المحنة، هل تمت مساعدتكم أو تكريمكم من قبل مؤسسات الحكومة أو من قبل صدام حسين نفسه بناءً على ما قمتم به من عمل بطولي؟
ناظم المالكي: دعني أكمل لك عملية الانسحاب والعبور، فبعد هذا اليوم الخامس الأخير، وجدنا زورقاً صغيراً بالضفة الثانية، فعبرت أحد المقاتلين التابعين لي وهو ضفدع بشري، وليد عبد الوهاب، عبر وأتى بالزورق وعبرنا هؤلاء الـ 16 واحداً التابعين للوحدات العسكرية والمدفعية والنقليات، فعبرناهم معنا وأتينا على الطريق الساحلي، هناك طريق الانسحاب من الكويت، الطريق الساحلي وطريق الموت، هئان الطريقان، بقيت القوات الأميركية وقوات التحالف تضرب بالجيش العراقي المنسحب، وهو كان منسحباً، خسائر فادحة بالأرواح والمعدات والأسلحة، ولذلك كان الجيش العراقي قد انهار، وراحت هيبة الجيش العراقي بهذا الانسحاب، لأنهم قتلوا قتلوا الضباط وقتلوا المراتب نتيجة عدم التصرف الصحيح من قبل القيادة العامة، تهور، أعتبر دخولنا للكويت تهوراً وعدم إدراك عسكري وعدم وجود خطط عسكرية، واتخاذ القرار اتخاذ قرار أرعن، كان يمكن أن تحل المشكلة بينا وبين الكويت دبلوماسياً، دون حرب ودون خسائر للجيش وإنه للمحتل...
رووداو: هل هنالك أية إحصاءات؟ كم عدد الأشخاص أو العسكريين العراقيين الذين قتلوا؟ خاصة الذين مروا بطريق الموت، كم عسكرياً قتل؟ كم شخصاً قتل؟
ناظم المالكي: ما رأيته بعيني تقريباً أكثر من 400 شخص، بين جزيرة بوبيان إلى أم قصر، مسافة تبعد 110 كيلومتراً، أنا شاهدت أكثر من 400 مقاتل مقتولين بالطريق نتيجة لقصف الطائرات، وطبعاً بالمناسبة أغلب الطائرات التي رأيناها بالقصف، طائرات خليجية لا أميركية، تضرب المنسحبين، كان انتقاماً من الطيارين الخليجيين على القوات العراقية أثناء الانسحاب، حقيقة هذه، لأن العلم واضح بالطائرة، ويضربون بمستوى، والمنسحب دون سلاح، أغلب جيشنا انسحب دون سلاح، ترك السلاح وانسحب، أراد أن يخلص نفسه، لكن للأسف الشديد حتى في الأراضي العراقية ضربوهم.
رووداو: لم تجبني عن سؤالي حول كيفية مساعدتكم وتكريمكم، هل رأيت صدام عن قرب بعد ما مر بك من إصابات وما إلى ذلك؟
ناظم المالكي: حتى أكون صادقاً معك، القوات التي بقيت برئاسة العميد الركن عبود قنبر، وهو الآن فريق أول ركن متقاعد، هذه القوات هي لواء، زائداً قسم من لواء الضفادع البشرية، هؤلاء بما أنهم اعتبروهم غير أسرى، بل محتجزين كُرّموا، كل واحد بنوطي شجاعة من كل اللواء، وجميع الجرحى الذين انجرحوا بهذه المعركة كُرّموا بنوطي شجاعة، أنا أيضأً كُرمت بنوطي شجاعة.
رووداو: إذاً أنت أيضاً تسلّمت نوط الشجاعة؟
ناظم المالكي: نعم.
رووداو: هل منحكم إياه صدام بنفسه؟
ناظم المالكي: لا، لا، لا. ليس صدام. بل كان سلطان هاشم أتصور في وقتها قلدونا نوطي شجاعة في قيادة القوات البحرية.
رووداو: إذاً أنت لم تقابل صدام ولم ترَه عن قرب؟
ناظم المالكي: عن قرب أنا لم ألتقِ به، إطلاقاً ، لكن أنا كُرّمت عدة أنواط في هذه المعركة ضد الأميركيين، صار عندي أربع أنواط شجاعة في معركة الأميركيين.
رووداو: حسناً، من بعد حرب الكويت ولغاية عام 2003 حيث تحرر العراق، أو كما يقول بعضٌ احتل العراق، في تلك الفترة أين كنت وماذا كنت تعمل؟
ناظم المالكي: نعم، عملت، رجعت إلى نفس اللواء، لواء الضفادع البشرية، وبعدها عملت في لواء المشاة البحرية، القوات الخاصة المارينز، وبعدها رجعت عملت في فوج طوارئ البصرة، كان لطيف محل حمود محافظ البصرة، بالـ 93 بالـ 94 عملت فيه، وبالـ 93 عملت كذلك في منطقة قادر كرم في كركوك، كان قائد الفرقة زهير النقيب، فرقة 57، أنا كنت بفوج المغاوير وكنت في فوج المغاوير اشتغلت فترة ست أشهر، هناك منطقة يسمونها حرف الـ(S) كنا فيها مناوشات أنه بين الكورد والجيش آنذاك، لكن الحمد لله والشكر ما صارت أي حادثة بيننا وبينهم..
رووداو: إذاً لم تتواجهوا مع قوات البيشمركة أبداً؟ لم تحاربوا بعضكم بعضاً؟
ناظم المالكي: نعم. لكن ما صارت معركة، أنا أقول لك كان مثلاً يتم تهريب عن طريق الأشخاص عن طريق تهريب الأغنام، أو تهريب الأسلحة، فيعبرون مثلاً على كركوك أو على ديالى، فكانت هذه المنطقة قاطع الفرقة 57، لكن ما صارت الحمد لله والشكر، بهذه الفترة، بفترتي أنا، ستة أشهر التي خدمت بها، لكن تعرفت إلى القاطع، قلت لك وأعرف المكان، لكن ما صار عندنا أي حادث، مجرد كانت خدمة مواضع بسيطة وعلى الشارع مرابطات، ورجعت بعدها أيضاً إلى البصرة. رجعت خدمت في الموقع وبعدها انتقلت رجعت إلى الضفادع البشرية مرة ثانية أخرى وخدمت كذلك فيها ، كنت ناوياً أن أدخل كلية الأركان لكن للأسف الشديد كان الضابط في المنطقة الجنوبية، لا أقول كل الضباط، حتى أكون صادقاً، الضابط في المنطقة الجنوبية من الناصرية أو البصرة أو العمارة أو الكوت ما كان مرحباً به ليدخل كلية الأركان، أو يعطوه منصب ضابط أمن أو ضابط استخبارات. كانت هذه المناصب تعطى لمحافظة نينوى أو الرمادي حقيقة، هم أصدقاؤنا وإخواننا ودوراتنا، لكن كانت هذه المناصب، واقع حال هم يعرفون به، لكن نحن كمناصب مهمة لا يعطوننا إياهاما، مثل ضابط مخابرات أو ضابط أمن أو ضابط استخبارات لا يعطوننا إياها. ممنوع.
رووداو: هل كنتم تتوقعون سقوط نظام صدام بتلك السهولة عام 2003؟
ناظم المالكي: بالفترة الأخيرة، نعم، عرفنا أنه سيسقط النظام وستسقط الحكومة وسيتبدل هذا النظام، لأنه واضح من خلال الإعلام والتحركات وواضح حتى أن الجيش العراقي انهار، لم تَبقَ أسلحة عندنا ولم تبق أعتدة عندنا، والحصار على الشعب، الشعب جوعان، والعسكري ما عنده أجرة ليذهب إلى بيته من المعسكر، وترى الأسلحة تعبانة، فواضح أن الجيش انتهى. بهذه الفترة خاصة قبل 2003 الجيش في انهيار تام، العسكري ليس له خلق ليداوم ولا توجد التزامات، وراحت هيبة العسكرية، الجيش كان عندنا مثالياً سابقاً، للأسف النظام خرب هذا الجيش ودمره. فعندما سقط النظام أنا أول شخص لبيت مع الإخوة المجاهدين، كان عندنا المجاهد الحاج كريم ماهود المحمداوي عضو مجلس حكم في محافظة ميسان، ومعه إخوة أبو رشيد المحمداوي، رحمة الله عليه، استشهد، وشكلنا، وأنا لعندي خبرة عسكرية، شكلنا نواة فوج طوارئ نحمي المحافظة، لأن المدينة عندما سقطت بالـ 2003 بدأ النهب والسلب من دوائر الدولة أو مخازن الدولة...
رووداو: قبل ذلك هل كانت لديك أية اتصالات مع المعارضة العراقية؟
ناظم المالكي: نعم، أكون صادقاً، ما كان عندي انتماء لهذا الوضع، لكن أنا انسجنت فترة، انسجنت فترة في عهد النظام السابق وتأذيت بعهد النظام السابق من قبل البعثية، لكن كان لي أقارب من أقاربي في إيران مجاهدين، وكان لي ضباط، ونتواصل معهم لأننا نحن، المنطقة التي كنا نسكنها فيها، كانت قريبة على إيران مسافة تقريباً 30 كيلومتراً، فمكن أن يحدث الاختراق عن طريق العبور والوصول عن طريق البريد، فاشتركنا معهم بهذه الحالة ويعرفوني وأعرفهم. وأنا من الضباط الذين عندهم ممارسة وثقة بنفسي أني اشتركت أول ضابط في محافظة ميسان، وأعتبر أول ضابط أسس الشرطة بعد السقوط في محافظة ميسان، أول ضابط بالجيش العراقي يؤسس في محافظة ميسان، أنا وكان معي الإخوة رحمه الله، أبو رشيد المحمداوي وكريم ماهود وبعض الإخوة الضباط لا يسعني أن أذكرهم لأنه أكثر من 10 ضباط تقريباً، وبدأنا نشكل قيادة الشرطة وشكلنا قيادة الشرطة، واشتغلت معاون قائد الشرطة واشتغلت قائد شرطة محافظة ميسان بالوكالة، و...
رووداو: ولكن كيف انتقلتم من القوة البحرية إلى القوى الأمنية والشرطة؟ هل كان السبب وجود فراغ أم ماذا؟
ناظم المالكي: لا لا، أنا كنت قلت كان هناك فراغ، وثانياً بداية السقوط ما رجع الجيش، كان الجيش منحلاً، ما رجع الجيش، فقط رجعنا الشرطة، مفارز من الشرطة ووحدات عسكرية من الشرطة ومراكز من الشرطة، فلأني خريج كلية عسكرية، أنا خريج كلية عسكرية وصنفي قوات خاصة وعملت بأفواج الطوارئ سابقاً بعهد النظام السابق، عندي خبرة وعندي تخصص، فاستغللت هذه الفرصة لأن أكوّن عسكراً حتى تحمي المحافظة من الخارجين عن القانون الذين ينهبون ويسلبون.
رووداو: ولكن لماذا من بين كل تلك المسؤوليات تسلّمتم إدارة سجون العراق؟ هل كان لذلك سبب معين أم لربما كانت لديك خبرة في هذا المجال؟
ناظم المالكي: نعم. سؤال جيد وأنا يجب أن أجيب عنه بصراحة. أنا كنت أعمل في قيادة شرطة محافظة ميسان وكنت برتبة مقدم آنذاك 2004، بالـ 2005 بداية 2005 صدر أمر من بريمر، أنا كنت مدير التسفيرات، التسفيرات مديرية قسم تابع إلى قيادة الشرطة، في كل محافظة توجد قيادة شرطة وفي كل قيادة شرطة يوجد قسم اسمه قسم التسفيرات، فصدر قرار من بريمر الحاكم آنذاك، بأن هذه الأقسام التسفيرات التي بالشرطة تنتقل إلى وزارة العد،ل إلى السجون، وتكون وزارة العدل هي المسؤولة عن السجون والموقوفين، فـأنا برغبة مني أيضاً، انتقلت وأنا مدير تسفيرات، فقد خيرونا: من يريد أن يرجع لقيادة الشرطة يرجع، ومن يريد أن يبقى فليتحول مدنياً، تتحول رتبته مدنية، فـأنا تحولت بالـ 2005 إلى وزارة العدل، يسمونها دائرة الإصلاح العراقية، صارت مشرفة على السجون العراقية من السليمانية وأربيل إلى البصرة، مثلاً في السليمانية عندن سجنان، هما سوسة وجمجمال، وعندنا في البصرة سجن البصرة وسجن العمارة وسجن الناصرية...
رووداو: كانت تلك كلها سجوناً خاصة، أليس كذلك؟
ناظم المالكي: هذه كلها سجون جديدة تأسست بعد السقوط، بالـ 2005 تأسست هذه السجون، مثلاً البصرة تأسس سجن جديد، العمارة سجن، ما كان هناك سجن لكن هذه أسستها وزارة العدل بناءً على قرار بريمر، كل محافظة يكون فيها سجن، بقى عندنا فقط الكوت، والآن فيها مبني سجن حتى الآن، لا يزال غير مكتمل، وكذلك سجن الديوانية غير مكتمل، وكربلاء غير مكتمل، والنجف كمل وافتتح قبل سنتين، عندنا في بغداد سجون عديدة كانت أكثر من 30 سجن في بغداد، وفي ديالى سجن، لكن كانت للأسف السجون في بغداد... أنا بدايتي عملت مديراً لسجن العمارة المركزي بالـ 2005، بعدها انتقلت إلى مدير سجن السماوة في عهده كان... كان موقوف عندي وزير التجارة فلاح السوداني، إذا تتذكر، أتوا به موقوفاً عندي تقريباً يومين، بعدها تحول إلى قيادة الشرطة لأن مكانه لا يليق، وكان وزيراً، وهو وزير موقوف، والموقوف متهم... والمتهم بريء إلى أن تثبت إدانته فكان على ذمة التوقيف، فـتعاملنا معه معاملة حسنة، لم نتركه مع سجناء المخدرات أو السراق.
رووداو: ماذا كان مصيره؟ ماذا حدث له؟
ناظم المالكي: جلبوا معه سجناء، سجين من أربيل، أتذكر اسمه كاكا سامان، كان هذا تاجراً، لأن المشكلة أنه عقد صفقة الشاي لوزارة التجارة، الحصة التموينية للمواطنين، فكان التاجر بوقتها، كوردي اسمه سامان، وأربع مديرون عامون زائداً الوزير خمسة متوقفون عندي بالسماوة، لأنه كان قاضي السماوة عبد الأمير الشمري، كان قاضياً نزيهاً وشجاعاً، اتخذ قراراً بتوقيف الوزير والمديرين العامين، ووقفهم عندي. المديرون العامون بقوا عندي وحُكموا بسنتين، والوزير انتقلت قضيته من السماوة إلى بغداد وبعدها عرض للقاضي وخرج بكفالة، وهذه شهادة للتاريخ، الوزير بات بغرفتي ليلتين، قريب على غرفتي، فـأنا أقول له أنت أولاً من حزب الدعوة، كيف أنت سمحت لهذا...؟ قال: ليس ذنْب التاجر الكوردي، حتى التاجر الكوردي خرج براءة، ليس ذنب التاجر ولا ذنبي أنا، قال: لأن العقد مع التاجر سليم، لكن المديرين العامين والمسؤولين على النقل، المديرين العامين والمسؤولين على النقل بدلوا هذه البضاعة من شاي درجة أولى إلى درجة ثالثة، وانحكم عليها المديرون العاميون كل واحد سنتين، والوزير خرج بكفالة، ولا أعرف بعدها...
رووداو: إذاً القضية لم تكن لها أبعاد سياسية بل كانت متعلقة بالفساد، أليس كذلك؟
ناظم المالكي: لا لا، موضوع فساد، وبعدها أجروا تفتيش، كان وزيرنا الوزير القاضي كاكه دارا من أربيل، بناءً على طلبه ورغبته، و هو ما كان يعرفني شخصياً ، لكن على التقييم بالتفتيش، بأن أفضل مدير بالسماوة أفضل مدير بالعمارة ناظم، ففي 2008 نقلت إلى مدير سجون بغداد، المدير اعام لسجون بغداد، الذي يسمونه مدير الإقليم، هذه السجون كانت عبارة عن 27 سجناً في بغداد، وكان عندنا أكثر من 73 ألف سجين، هذه صارت مسؤوليتي، وأغلبهم إرهاب. وبدأت مسألة تسلّم سجون بغداد التي هي 27 سجناً تحت إمرتي وعملت بها.
رووداو: حسناً، السيد ناظم، لضيق الوقت، نحن مضطرون لأن ننهي هذه الحلقة من البرنامج، وفي الحلقة القادمة ستحدثنا عن كيفية قيامكم بإدارة أكثر من 60 ألف سجين، خاصة البعثيين والإرهابيين منهم، وكيف استطعتم أن تتماشوا مع ذلك الوضع. مشاهدينا ومستمعينا الأعزاء، بذلك نكون قد وصلنا لنهاية حلقة اليوم على أمل اللقاء في الحلقة القادمة، في أمان الله.