رووداو ديجيتال
روى المسؤول السابق لسجون بغداد، ناظم المالكي، في حوار مع شبكة رووداو الإعلامية،
كواليس اللحظات الأخيرة لإعدام علي حسن المجيد، كاشفاً أنه ظهر "مذعوراً
ومنهاراً" على عكس صورته المتماسكة في المحكمة، حتى "عجزت قدماه عن حمله
ولم يستطع نطق الشهادتين"، مؤكداً أنه تمسك بدمويته حتى الموت وقال قبيل
شنقه: "لو عاد بي الزمن لضربتكم مئة ضعف تلك المرة".
وفنّد المالكي الروايات المتداولة حول إعدام صدام حسين ورموز نظامه،
نافياً بشكل قاطع "حضور شخصيات سياسية أو تسابق قادة لتنفيذ الأحكام"،
وموضحاً أن الفوضى وهتافات الحماية باسم الصدر التي رافقت شنق صدام كانت "نتيجة
عدم اكتمال الإجراءات التنظيمية لكونها أول عملية إعدام تنفذها الحكومة بعد عام
2003، قبل فرض نظام صارم يمنع إدخال الهواتف أو حضور أي شخص غير معني".
وكشف المالكي عن رفض الرئيس مسعود بارزاني المطلق للتشفي بخصومه ورموز
النظام السابق، مبيناً أنه رفض دعوة وُجهت إليه لزيارة صدام حسين في محبسه عقب اعتقاله،
قائلاً إنه "لا يتشفى بأحد داخل السجن"، ومؤكداً أنه "لم يقم أي
مسؤول كوردي بزيارة صدام أو علي حسن المجيد في السجن بدافع التشفي".
وتطرق المسؤول الأمني السابق إلى عزلة طارق عزيز داخل المعتقل ورفضه
الاختلاط برفاقه، إلى جانب استعراضه وقائع تاريخية مأساوية؛ من بينها إقحام فوج
كامل من الجيش الشعبي الكوردي في الخطوط الأمامية بمعركة شرق دجلة عام 1986 ما أدى
إلى غرقهم وإبادتهم.
وأدناه نص الحوار:
رووداو: سيد ناظم، في سياق حديثنا، كنت
تتحدث كثيراً عن طارق عزيز. ما هو سبب قربك من طارق عزيز، أو رغبته هو في التقرب
منك؟ ومن جانب آخر، أود طرح هذا السؤال أيضاً: هل كان الأميركيون يعاملون طارق
عزيز معاملة مختلفة لكونه مسيحياً؟
ناظم المالكي: لا، لا، تعاملنا مع طارق
عزيز نابع من كونه رجلاً دبلوماسياً، ويمتلك أسلوب حديث يقنع به المقابل، وفي
الوقت نفسه كان معتزلاً للموقوفين الذين معه ولا يخالطهم كثيراً. كما أنه كان
مريضاً حينها، فتعاطفنا معه لمرضه. وكان عمله مقتصراً على السياسة، ولم يكن
مشتركاً في عمليات القتل أو الإرهاب في عهد صدام على المجتمع. وهو رجل... في
البداية طلب منا قائلاً: "أسناني... طقم أسناني الاصطناعي قد تلف"، فطلب
منا إحضار طقم أسنان له على حسابه الخاص، وقال: "اتصلوا بأهلي ليرسلوا
المبلغ". لكن عندما أبلغت مكتب الوزير والوكيل رفضا ذلك، وقالا: "لا،
سيكون على حساب الوزارة، فأي نزيل يمرض نوفر له العلاج، وأي احتياجات نؤمنها من
الميزانية المخصصة". وحينها أمرني السيد الوكيل، فذهبت وجلبت طبيباً...
رووداو: يعني هل أحضرتم طبيباً له إلى
داخل السجن؟
ناظم المالكي: نعم، جلبت طبيباً من منطقة
الحارثية إلى مبنى السجن، فأخذ له طبعة القالب وعمل عليها، وبعد يومين أحضر القالب
وركبه له، ودفعت الوزارة القيمة النقدية وسلمنا المبلغ للطبيب في مقابل ذلك.
رووداو: نعم، هل كان طارق عزيز يرغب أو
يريد تدوين مذكراته وإرسالها إلى الخارج عن طريقك؟ ماذا كان يقصد بذلك؟ هل أعطاك
أي معلومات خاصة؟
ناظم المالكي: لا أعلم، لكنه عندما رأى
تعاطفنا معه واحترامنا له، قال لي في النهاية - من كثرة ما كنت أزورهم وأتفقد
أحوالهم كل ثلاثة أيام -: "أنت لم تقصر معنا وأحضرت لي طبيباً إلى هنا، وأنا
إن شاء الله سأقدم لك هدية". تفاجأت لحديثه عن الهدية وظننت أنه سيعطيني
مالاً، فقلت له: "أنا لست بحاجة إلى المال". فأجاب: "لا، ليست
أموالاً، بل سأعطيك معلومات تؤرخها لتكتبها وتؤلفها في المستقبل، وقد تفيدك
مستقبلاً، فقد لا تدرك أنت هذه القضايا والأسرار الخاصة بالدولة والحكومة"،
لكنه لم يحدد ماهية تلك الأمور المهمة التي يريد ذكرها. ذهبت وأخذت موافقة
الوزارة، فأخطروا مكتب رئيس الوزراء آنذاك، فأرسل مكتب رئيس الوزراء عضو البرلمان
علي الدباغ، بصفته ممثلاً للحكومة في البرلمان، فجاء ومعه كاميرات وطلب من طارق
عزيز إجراء مقابلة معه وتدوين المعلومات. في البداية امتعض طارق عزيز ولم يوافق،
لكن علي الدباغ احتوى الموقف وتحدث معه بأسلوب دفعه للموافقة، والتقى به وأجرى
حلقتين من اللقاءات معه. وقال له الدباغ: "على راحتك، ما تريد التحدث عنه فلك
مطلق الحرية، وما لا تريد الحديث عنه فلك ذلك أيضاً، فلن أُجبرك، وإن كنت لا تريد
اللقاء فسآخذ الكاميرات وأنسحب، لكني علمت برغبتك". فأجابه طارق: "ليس
لدي مانع"، وكان يحدوه الأمل في أنه إذا تعاطفوا معه فقد يُطلق سراحه، إذ كان
هناك موقف دولي يسعى لإطلاق سراحه باعتباره لم يشترك في عمليات القتل والعمليات
العسكرية ضد الشعب العراقي. لكن تلك الموافقة لم تتم، وكان محكوماً قضائياً في ذلك
الوقت، وعندما نُقل إلى الناصرية توفي هناك وسُلم جثمانه إلى ذويه. طارق عزيز في
الحقيقة، في أحد الأيام سألته: "أنت كنت نائباً لرئيس الجمهورية، ووزيراً
للخارجية، وتُعد اليد الأولى لصدام حسين، لماذا تتنصل منهم وتتحدث عنهم بهذه
الطريقة؟" فقال لي: "صحيح أني عملت وزيراً للخارجية ونائباً لرئيس
الجمهورية، لكن للعلم، أنا لم أستطع حماية ابني زياد، وفي أحد الأيام لم يكن صدام
حسين هو من أودعه السجن، بل عبد حمود الذي تراه أمامك وقصي هما من زجا به في
السجن، ولأمور ليست سياسية ولا تجارية، بل لمجرد خلاف مروري على أسبقية السيارات
في موقف أحد المطاعم، فأمرا بحبسه وزُج بابني الأكبر زياد في سجن أبي غريب. ولم
أذهب إلى صدام حسين لأتوسل إليه أو أطلب إطلاق سراحه، إلى أن استشعر صدام الموقف
بنفسه وعلم أن عبد حمود وقصي هما من سجناه، فاستدعى ابني وأطلق سراحه وأهداه
سيارة. فإذا كنت أنا لم أستطع حماية نفسي، فكيف بغيري؟ وكما ذكرتُ لك سابقاً: هناك
تسعة أشخاص كانوا يحكمون البلد، وهم من أساؤوا للحكومة ودمروا البلد ودمروا
صدام"، هذا كان كلامه.
رووداو: هل كان بإمكان أي شخص من الخارج،
من أقاربهم أو أصدقائهم، زيارة السجناء هناك؟
ناظم المالكي: في الحقيقة، خلال الزيارات
لم أرَ سوى النساء، لم أرَ رجالاً يأتون إطلاقاً، بل كان جميع الزوار من النساء
والأطفال، ولم يأتِ أي رجل كبير السن لزيارتهم.
رووداو: يعني هل كان بإمكان أولاد صدام
أيضاً، بناته وغيرهم، زيارته في السجن حسب علمك؟ كبناته على سبيل المثال، هل كان
لصدام زوار عندما كان في السجن؟
ناظم المالكي: لم يأتِ أحد لزيارته،
فالأمر كان في بداية سقوط النظام والناس كانوا يخشون القدوم، وكانوا لاجئين في
الأردن ولم يستطع أحد الحضور.
رووداو: هل تعتقد أن الأميركيين قد حصلوا
على المعلومات التي كانوا يحتاجونها من طارق عزيز؟ أي هل جلسوا معه
ناظم الماكلي: أتوقع أنهم أخذوا نصف المعلومات منه وليس كلها؛ لأنهم
كانوا متعاطفين معه، وهذا دليل على وجود تفاهم متبادل. لكنه رجل دبلوماسي وذو
حنكة، ولا أظن أنه أعطاهم كل ما يريدونه فعلاً، بل لربما أعطاهم معلومات ترضيهم
وتدغدغ مشاعرهم، فمنحهم جزءاً منها. هذا تقديري الشخصي، لأني رأيت تعاملاً
أميركياً متعاطفاً معه يختلف عن بقية المعتقلين.
رووداو: وماذا عن المسؤولين العراقيين، من
رئيس الوزراء والوزراء ووكلاء الوزارات، هل كانوا يزورون السجون؟ هل كانوا يأتون
لزيارتهم لأمر خاص أو للتحقيق أو للاطلاع على معلومات؟ هل كان هناك شيء من هذا
القبيل؟
ناظم الماكلي: أبداً، فحتى وزير العدل لم يزرهم، وكذلك الوكيل، ولم
يزرهم أي ممثل عن رئيس الوزراء. كنا فقط نحن المسؤولين عن إدارة السجون والمشرفين
عليهم أثناء الزيارات. أما كشخصية سياسية فلم يأتِ سوى علي الدباغ الذي أجرى
مقابلة من حلقتين مع طارق عزيز داخل السجن ثم غادر.
رووداو: إذا أردت أن تكتب مقالاً أو تذكر
واقعة خاصة مع طارق عزيز خلال الفترة التي قضيتها معه، بخلاف ما ذكرته الآن، هل
هناك شيء آخر يمكنك أن تخبرني به عنه تحديداً؟
ناظم المالكي: لدي أشياء لكني لم أتحدث
بها بعد ولم أطرحها للإعلام. لدي بعض المعلومات التي سأتحدث عنها إن شاء الله حين
تحين فرصتها المناسبة.
رووداو: ألا تريد أن تخبرنا بشيء؟
ناظم الماكلي: لا أستطيع إعطاءك كل شيء
الآن، فقد ذكرت لك الكثير، لكني أحتفظ ببعض المعلومات التي استقيتها من أحاديث
عابرة مع طارق عزيز، فلم تكن مقابلات رسمية بل أثناء خروجه للشمس أو مراجعته
للطبيب، وقد ذكرت لك الأهم منها، وما تبقى تفاصيل بسيطة.
رووداو: بماذا كان يشغل نفسه على سبيل
المثال، ليس فقط طارق عزيز بل الآخرون أيضاً؟ كيف كانت حياتهم اليومية داخل السجن
من الصباح حتى المساء؟
ناظم الماكلي: كانوا يلزمون القاعة
مستلقين، لديهم جهاز تلفاز يشاهدونه، ولديهم ساعتان يومياً يخرجون فيهما إلى
الشمس، فيغسلون ملابسهم بأيديهم وينشرونها مع أفرشتهم تحت الشمس. كانت هناك ساحة
مخصصة ومسيجة بالأسلاك للتشمس يخرجون إليها ساعتين تحت حراسة مشددة، ثم يقضون بقية
الوقت داخل القاعة. أما طارق عزيز فكان معتزلاً للجميع، وبالأخص المقربين من صدام،
وكان سريره ومقعده في أبعد زاوية عند جهة الباب.
رووداو: خلال الفترة التي قضيتها هناك، هل
شعرت بأن أياً من قادة حزب البعث قد أبدى ندماً على ما فعلوه؟
ناظم المالكي: كندم حقيقي؟ طارق عزيز كان
يكرر أحياناً: "أولئك هم الذين تسببوا بكل المشاكل وجعلونا ندمر
العراق"، قاصداً الأشخاص التسعة الذين ذكرتهم لك. لكنه كان يدافع عن الضباط
والعسكريين ويقول: "هؤلاء العسكريون مجرد جنود، صحيح أنهم قادة برتب عليا،
لكنهم كانوا مأمورين، والضابط الذي لا ينفذ يُعدم، وصدام كان يعدم أو يسجن أقرب
الناس إليه ولا يجامل أحداً في مسألة تنفيذ الأوامر".
رووداو: وهل كان هناك أي مسؤول يوجه
كلاماً لصدام علناً في السجن، أو يغضب منه أو ينتقده على أفعاله؟
ناظم المالكي: حقيقة لم أسمع أحداً منهم
يوجه شتيمة أو انتقاداً لصدام أمامنا. لو حدث ذلك لربما كان يدور بينهم سراً داخل
القاعة، أما أمامنا فلم أسمع شيئاً من هذا القبيل.
رووداو: هل طلب منكم أي مسؤول عراقي،
وزيراً كان أو عسكرياً ممن يكرهون حاشية صدام، استخدام العنف ضدهم أو معاملتهم
بقسوة كانتقام؟
ناظم المالكي: كلا، لم يحدث ذلك إطلاقاً،
فلم يطلب أي مسؤول معاملتهم بانتقام، بل على العكس كان الدخول إليهم محظوراً
تماماً. ولم يكن مسموحاً لأي شخص بمواجهتهم سوى مدير القسم، ومدير سجون بغداد،
والمدير العام لدائرة الإصلاح، ووكيل الوزارة فقط.
رووداو: هل لديك معلومات عما إذا كان المعتقلون، سواء من القاعدة أو
البعثيين، قد تعرضوا للتعذيب على يد الأميركيين قبل تسليمهم إليكم؟
ناظم المالكي: أغلبُ النزلاء، ومنهم رجالُ
النظام السابق، اشتكوا من تعرّضهم للتعذيب لدى الأميركيين، وكذلك المعتقلون من
الإخوة المجاهدين المعارضين للأميركيين، وأيضاً الإخوةُ السنّة من أبناء الموصل
الذين اعتقلتهم القوات الأميركية تعرّضوا لتعذيب شديد في سجن أبي غريب قبل تسليمهم
إلينا، مثل إطلاق الكلاب، والضرب بالعصي، والماء البارد والساخن. هذا ما ذكره لنا
النزلاء، أما بعد استلامنا لهم في دائرة الإصلاح فلم يتعرض لهم أحد؛ فقوانين
الدائرة والمحاكم لا تجيز التعدي على أي سجين، والإجراءات محكومة بالقضاء فقط.
رووداو: هل كان هناك تمييز داخل إدارة
السجن والمسؤولين الإداريين بين الكورد والشيعة والسنة؟ وهل عمل معكم كورد في
إدارة السجون؟
ناظم المالكي: يا دكتور، حتى على مستوى
مديري الأقسام السجنية كان لدينا زملاء كورد، مثل الأستاذ مؤمن بابكر، والأستاذ
حسين محمد من السليمانية، وقد عملا في سجن الكاظمية، وكان الأستاذ حسين مديراً
لقسم الأحكام القصوى في بدايته، والأستاذ مؤمن كان مسؤولاً ولا يزال يدير سجن
الكرخ (المطار) وهو كوردي. وكان لدينا مدراء من الموصل ومن إخواننا السنة من
بغداد؛ فلم تكن هناك تفرقة في دائرة الإصلاح إطلاقاً، وتولى الوزارة وزراء كورد
ووزراء شيعة وسارت الأمور بنزاهة ورقابة صارمة. كنا نحو 35 مديراً متعاونين ونسافر
معاً في دورات تدريبية إلى ألمانيا وبريطانيا والسويد، وتربطنا علاقات أخوية
مستمرة حتى بعد تقاعد بعضنا.
رووداو: هل كان لديكم سجناء كورد ينتمون
لتنظيم القاعدة أو تنظيمات مشابهة؟
ناظم المالكي: كلا، مستحيل، لم أرَ أي نزيل
كوردي ينتمي للقاعدة أو لداعش.
رووداو: إذا تحدثنا عن علي حسن المجيد
(المعروف كوردياً بعلي الكيماوي)، هل كان لك تعامل خاص معه في السجن؟ وهل رأيته
قبل عام 2003، وهل كان يعرفك؟
ناظم المالكي: حين أُصبت عام 1991 خلال
الانتفاضة الشعبانية وجئت من أم قصر إلى البصرة، كان علي حسن المجيد مسؤولاً عن البصرة.
وكان يعدم أي شخص يمشي في الشارع سواء شارك في الانتفاضة أم لم يشارك، حتى كدتُ
أُعدم لولا أني أظهرت هويتي العسكرية وبطاقتي الطبية التي تثبت أني جريح عائد من
الكويت. ورأيته بعيني عند كلية التربية الرياضية في البصرة، حيث كان يوقف الشباب
على طول سياج يمتد لنحو 200 متر ويطلق عليهم النار بنفسه مع حمايته دون محاكمة أو
استفسار. ونفس الأمر فعله عزة الدوري في ميسان، حتى إن والدي كاد يُعدم لمجرد سيره
في الشارع لإسعافي إلى المستشفى. علي حسن المجيد لم يترك بصمة حسنة لأي إنسان في
العراق.
رووداو: وكيف كان سلوكه وتصرفه داخل
السجن؟
ناظم المالكي: فوجئت به، فبينما كان يظهر
في المحكمة أمام الكاميرات بأريحية ويتحدث بكلام قانوني مع القاضي وبثقة تامة، كان
في السجن - وتحديداً في يوم تنفيذ الإعدام - شخصاً آخر تماماً: كان مرتجفاً
وخائفاً ومذعوراً! في يوم التنفيذ حضر ممثل عن مجلس القضاء، وممثل عن رئيس
الوزراء، وطبيب من وزارة الصحة، ورجل دين، ووزير العدل والوكيل والمدير العام.
وعندما ذهبت لإحضاره من القاعة لتلاوة الحكم القضائي بحقه، كان يرتدي
"دشداشة"، فطلبت منه تبديل ملابسه.
رووداو: ألم تكونوا قد أبلغتموه بأنه
سيُعدم في ذلك اليوم؟
ناظم المالكي: كلا، لا نبلغ المحكومين
مسبقاً. لكن عندما طلبنا منه تبديل ملابسه أدرك الأمر وظل يرتجف، ثم ذهب وارتدى
الزي العربي (الشطفة والعقال) وخرج. فقلت له: "أنت لست ذاهباً إلى احتفال، بل
لتنفيذ حكم الإعدام؛ انزع هذه الملابس وامتثل للأوامر السجنية". فرفض وأصر
على أن يُعدم بزيّه، فأبلغت المدير العام والقاضي، فقالا: "لا يجوز، يجب أن
يرتدي البزة البرتقالية المخصصة للمحكومين". فأخذناه بالقوة مع الحماية
وألبسناه الزي البرتقالي. وقبل إدخاله إلى القاعة قلت له: "الأجدر بك أن
تتوضأ وتصلي ركعتين تائباً لله وتطلب المغفرة لضحاياك الكثر"، فقال مستنكراً:
"هل أنا كافر أو ملحد؟"، فقلت له: "ألم تبد البصرة بالـ91 وشبابها،
وطلاب الجامعات، ومدينة حلبجة التي أبَدت نساءها وأطفالها؟ اذهب وصلِّ ركعتين
واستغفر لضحاياك". فرد بغيظ: "لو عاد بي الزمن إلى الوراء لضربتكم مئة
ضعف تلك المرة!". لقد كان يواجه الموت ومع ذلك تمنى تكرار جريمته مئة مرة دون
ذرة ندم، وهو ما عكس حقده الكبير تجاه الكورد وأهل الجنوب، بل حتى أبناء المناطق
الغربية في الرمادي وصلاح الدين لم يسلموا من بطشه وأعدم الكثير من ضباطهم. وعند
إدخاله إلى القاعة لتلاوة المرسوم والشهادتين، عجزت قدماه عن حمله وطلب الجلوس،
فقال القاضي: "لا داعي للجلوس"، وحين طُلب منه تلقين الشهادة تلعثم ولم
يستطع نطقها، وفقد تركيزه ولم يقوَ حتى على المشي مسافة عشرة أمتار من شدة الرعب،
فطلب القاضي اقتياده ونُفذ فيه الحكم.
رووداو: كم شخصاً كان في الغرفة حين
أُعدم؟ ومن وضع حبل المشنقة حول عنقه؟
ناظم المالكي: منفذو الإعدام عناصر رسمية
مكلفة لا نكشف عن هوياتهم حمايةً لأمنهم الشخصي، وهم جهة متخصصة ومقنعة تخضع
لإشراف المدير والوكيل فقط.
رووداو: يقال إن قادة سياسيين أو شخصيات
عامة تنافسوا على وضع حبل المشنقة حول أعناقهم، أو أن السيد مقتدى الصدر حضر بنفسه
إعدام صدام، هل هذا صحيح؟
ناظم المالكي: هذا غير صحيح بتاتاً.
المنفذون كوادر نظامية متدربة في دائرة الإصلاح، يعلمون بدقة حسابات طول الحبل
المناسب لكل وزن وطول تفادياً لأي خطأ. أما ما جرى في إعدام صدام حسين، فقد كان
أول تنفيذ إعدام للحكومة وللدائرة بعد عام 2003، ورافق المدير العام (جمعة حسين) آنذاك
طاقم حمايته المكون من قرابة عشرين فرداً. ولعدم وجود نظام ضبط صارم حينها، دخل
عناصر الحماية وصوروا بهواتفهم وهتفوا باسم الصدر، لكن مقتدى الصدر لم يكن حاضراً
إطلاقاً. وعقب تلك الحادثة وُضعت ضوابط مشددة حظرت دخول الهواتف أو أي شخص غير
معني، واقتصر التوثيق على مصور رسمي واحد تابع لرئاسة الوزراء تسلم نسخته حصراً
لمكتب رئيس الوزراء.
رووداو: ماذا كان يفعل علي حسن المجيد
يومياً؟ هل كان يصلي أو يقرأ القرآن؟
ناظم المالكي: لأكون منصفاً، لم أكن
حاضراً في أوقات الصلاة لأرى إن كان يصلي أم لا، لكني لم أره قط يقرأ القرآن ولم
يكن لديه مصحف.
رووداو: هل كان يعاني من أمراض؟
ناظم المالكي: نعم، كان يعاني من عدة
أمراض، وكانت الإدارة توفر له ولغيره الأطباء والعلاجات بانتظام.
رووداو: هل بدت عليه أعراض انكسار لا
إرادية مثل التبول على نفسه لحظة الإعدام كما يحدث أحياناً؟
ناظم المالكي: علي حسن المجيد كان مرعوباً
وخائفاً للغاية في ذلك اليوم. وقد وقعت أمور كثيرة، لكني أترفع عن الخوض في
تفاصيلها احتراماً لحرمة الموت، فالرجل مات وأفضى إلى حكم رب العالمين، ونحن
كعراقيين بمختلف أطيافنا ندرك أنه مجرم ارتكب ما لا يحصى من الفظائع.
رووداو: لماذا ظل متمسكاً بموقفه وجرائمه
حتى النهاية برأيك؟
ناظم المالكي: لأنه قضى حياته بلا وازع
ديني أو أخلاقي، ففي الوقت الذي كان العراق يخوض فيه الحروب ويسقط الشهداء، كان هو
غارقاً في اللهو والملذات. ولذلك لم نتعاطف معه في السجن أبداً، لا هو ولا عبد
حمود أو وطبان وسبعاوي. بينما تعاملنا باحترام مع شقيقه هاشم علي حسن المجيد، لأنه
لم يتورط بجرائم دماء وأقر بسلوكه الشخصي فقط، ونال البراءة لاحقاً وأُطلق سراحه.
رووداو: ماذا فعلتم بجثمان علي حسن المجيد
بعد إعدامه؟
ناظم المالكي: أوعز وزير العدل بتسليم
الجثمان رسمياً لذويه، وجاءت عائلته واستلمته.
رووداو: وكيف كان أثر إعدامه على رفاقه
الباقين في السجن؟
ناظم المالكي: عبد حمود عاش العامين
التاليين لإعدام علي حسن المجيد في رعب متواصل، إذ كان يعلم أن مصيره الإعدام،
وكان يسمع صوت المقصلة وتابع الأخبار عبر التلفاز، فكانت تلك الفترة أشد عليه من
تنفيذ الحكم نفسه. أما المحكومون بأحكام مؤقتة فكان وضعهم عادياً.
رووداو: كيف كانت علاقة علي حسن المجيد
بطارق عزيز؟
ناظم المالكي: لم تكن بينهما أي علاقة على
الإطلاق؛ فطارق عزيز كان ينفر من تلك المجموعة وهم ينفرون منه. وكان يتواصل
أحياناً مع لطيف نصيف جاسم، أو محمود فيزي الهزاع، أو وزراء الثقافة والتجارة،
لكنه قاطع البقية تماماً؛ حتى إن أحدهم بصق على طارق عزيز علناً في قفص الاتهام
بالمحكمة.
رووداو: هل كان طارق عزيز يتعالى عليهم؟
ناظم المالكي: لم يكن تكبراً، بل كان يرى فرقاً فكرياً بينه وبينهم، فهو رجل أكاديمي بنى نفسه، بينما هم رُقّوا إلى رتب
عسكرية عليا دون مؤهلات حقيقية. ورغم كونه محسوباً على النظام السابق وأحد رموزه،
إلا أن عقليته كانت مختلفة، ولم تكن يداه ملوثة بالدماء العراقية كالبقية.
رووداو: هل زار أي مسؤول كوردي صدام حسين
أو علي حسن المجيد في حبسهم؟
ناظم المالكي: كلا، لم يزرهما أي مسؤول
كوردي. حتى إن الرئيس مسعود بارزاني قُدمت له دعوة لزيارة صدام عقب اعتقاله فرفض
قائلاً: "أنا لا أتشفى بأحد داخل السجن"، فلم يأتِ أحد للتشفي.
رووداو: هل كان السجناء يتملقون إدارة
السجن للحصول على مكاسب؟
ناظم المالكي: بعضهم كان يلجأ للتملق
والمديح لكسب تعاطف الإدارة في تلبية طلباتهم واحتياجاتهم وتسهيل زيارات أسرهم،
وأبناء عبد حمود مثلاً كانوا يأتون لزيارته بصورة طبيعية كحق يكفله القانون.
رووداو: هل كان صدام وحاشيته يستعينون
بالسحرة لقراءة الطالع وبث الرهبة كما شاع حينها؟
ناظم المالكي: أحد مسؤولي المكتب الرئاسي
ذكر أنهم كانوا يجلبون سحرة من إفريقيا والهند لتسخير أمور معينة وإلقاء الهيبة
والرعب في نفوس الآخرين. وقد ضُبط هؤلاء السحرة والمنجمون في مكاتب الرئاسة عقب
سقوط النظام، وهو ما أكده المطلعون.
رووداو: هل كان يُسمح لهم بالسجائر
والمشروبات الكحولية؟
ناظم المالكي: كنا نوزع السجائر على
النزلاء المدخنين بحصص مقننة تبلغ نحو خمس إلى ست سجائر يومياً، وشمل ذلك رموز
النظام. أما الكحول فممنوع نهائياً ومستحيل.
رووداو: هل لا يزال هناك قادة وعناصر من
داعش في السجون العراقية، وهل تُنفذ فيهم أحكام الإعدام؟
ناظم المالكي: نعم، هناك أعداد وقيادات من
داعش في السجون، ونُفذت أحكام الإعدام القضائية بحق المتورطين منهم بجرائم قتل
مثبتة، سواء كانوا أجانب أم عراقيين.
رووداو: والسجناء الذين تسلمهم العراق من
قوات سوريا الديمقراطية والكورد في سوريا، كيف جرى التعامل معهم؟
ناظم المالكي: عُزلوا في سجن خاص تحت
حراسة مشددة وإشراف مباشر من دائرة الإصلاح ووزارة العدل دون خلطهم مع باقي النزلاء.
رووداو: هل كان هناك شخص ينتمي للإرهابيين في السجون العراقية ويشغل
الآن منصباً في الحكومة السورية؟
ناظم المالكي: أنظر، السجناء السجون التي كانت تحتوي الإرهابيين وعناصر
داعش لا يستخدمون اسمائهم الحقيقية.
رووداو: هل طالبت دول أجنبية باسترداد
رعاياها من معتقلي داعش؟
ناظم المالكي: كلا، ولم يكن العراق ليوافق
لو طُلب ذلك؛ فالجرائم وقعت على الأرض العراقية وبحق العراقيين، والقانون الدولي
يقتضي محاكمتهم ومعاقبتهم حيث ارتُكبت أفعالهم.
رووداو: وأنتم كيف كنت تتعاملون مع أولئك
المواطنين والأسر العراقية الذين انضموا إلى داعش ثم تم اعتقالهم؟
ناظم المالكي: المسألة خاضعة للإثباتات
القضائية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى، ودائرة الإصلاح جهة إيداع وتنفيذ فقط
وليست جهة تحقيق أو إفراج.
رووداو : هل لديك معلومات عن مصير أسرة
أبي بكر البغدادي وهل لا زال أحد منهم في السجن حتى الآن؟
ناظم المالكي: اطلعت على وجود زوجته
سابقاً، لكني لا أملك معلومات عن وضعهم الحالي وما إذا كانوا محتجزين أم أُفرج
عنهم.
رووداو: كنت ضابطاً برتبة لواء، هل لديك
شهادات خاصة عن عمليات الأنفال من زملائك الضباط؟
ناظم المالكي: لم أشهد الأنفال عيانياً،
لكن ما رواه لي الزملاء وما حدث في الأنفال من تجريف للقرى والمزارع وهدم للجوامع
بأوامر صدام وعلي حسن المجيد، كان مشابهاً تماماً لما ارتُكب في مناطقنا بالقرنة
والبصرة وميسان عام 1986 من تهجير وتجريف كامل للأراضي بحجة تسلل الإيرانيين.
رووداو: ذكرتَ سابقاً واقعة إقحام فوج من
الجيش الشعبي الكوردي في الخطوط الأمامية إبان الحرب العراقية الإيرانية؟
ناظم المالكي: نعم، عام 1986 في معركة شرق
دجلة، جُلب قاطع من الجيش الشعبي الكوردي قوامه قرابة 400 عنصر وُضعوا عبر النهر
في مواجهة مباشرة مع الهجوم الإيراني الكاسح، وكانت أسلحتهم خفيفة ولا يجيدون
السباحة، فحوصروا بين القوات الإيرانية والنهر. فقضى معظمهم غرقاً أو قتلاً، ولم
ينجُ منهم سوى 15 إلى 20 فرداً ساعدناهم في العبور بقوارب ووفرنا لهم ملابس من
منازلنا، وكانت تلك مجزرة مأساوية شهدتها بنفسي.
رووداو: ما صحة القصة المتداولة عن المنفذ
الذي وضع الحبل حول عنق برزان التكريتي، وقيل إنه وُلد أثناء شنق والدته الحامل في
الثمانينيات؟
ناظم المالكي: هذه قصة
حقيقية تشهد على حكمة العدالة الإلهية، ففي عام 1981، حين كان برزان مديراً للأمن،
اعتُقل زوجان ينتميان للحزب الشيوعي وحُكم عليهما بالإعدام. نُفذ الحكم بالزوج،
وكانت الزوجة في أيام حملها الأخيرة وطلبوا إمهالها لتضع، لكن برزان أصر على شنقها
مع جنينها ورفض حتى إجراء عملية لإخراج الطفل. وعند شنقها سقط وليدها حياً لحظة
ملامستها الأرض، فأخذته عاملة نظافة وأشفقت عليه وربته مع زوجها في أبي غريب وسُمي
"وليد". كبر الفتى والتحق بالحراسات الإصلاحية عام 2004، وشاءت الأقدار
الإلهية أن يكون هو ذاته المنفذ الذي ألبس برزان حبل المشنقة وسحب العتلة لإنهاء
حياته، قصاصاً للوالدة المظلومة.
رووداو: ألم يكن العمل في السجون أمراً
شاقاً على الجانب الإنساني والعاطفي؟
ناظم المالكي: العمل السجني معقد للغاية
ويتطلب حكمة وحزماً لا تحكمه العواطف؛ فالسجين المحكوم لا يشغله سوى التفكير
بالهروب، وأي تعاطف غير محسوب أو تهاون إنساني في غير محله قد يقود لهروب النزيل
ودخول الحارس إلى السجن بدلاً منه. ولذلك فإن إدارة السجون والإصلاح تعد من أدق
مفاصل وزارة العدل. وعقب خروجي من السجون عملت مستشاراً أمنياً لمحافظ ميسان
لعامين، وحتى بعد تقاعدي أبديت للوزير خالد شواني استعدادي الدائم لتقديم المشورة
والخبرة لخدمة المؤسسة.
رووداو: كلمة أخيرة تختم بها اللقاء؟
ناظم المالكي: عملت طويلاً في السجون
والتقيت كبار مسؤولي الدولة، لكن لدي أمنية متجددة منذ عام 2010 أن أحظى بلقاء
وتشرف بمقابلة السيد الرئيس مسعود بارزاني، رمز كوردستان وشمال العراق ورمز من
رموز الحركة السياسية والوطنية، وأناشده تحقيق أمنيتي بلقائه ولو لدقيقة واحدة.
رووداو: لماذا، لماذا يُقال دائماً الشمال
ولا يُقال كوردستان؟
ناظم المالكي: هو كوردستان، وهو شمال
العراق، وهو رمز كوردستان ورمز شمال العراق وأحد رموز العراق، السيد الرئيس مسعود
بارزاني أحد رموز الشعب العراقي والحركة السياسية العراقية والكتل التي ناضلت من
أجل شعبها ومجتمعها ويُشار له بالبنان. وأتمنى من كل قلبي أن أحظى بلقائه ولو
لدقيقة واحدة.
رووداو: ربما لديك شيء خاص تود قوله ولم
يُذكر في هذا البرنامج؟
ناظم المالكي: بالتأكيد، لدي أمور خاصة قد
تسعده إن أتيح لي نقلها إليه.
رووداو: أشكرك جزيل الشكر، أهلاً بك دائماً
في كوردستان وفي السليمانية، ونتمنى لك دوام الصحة والعمر المديد.
ناظم المالكي: أتوجه بالشكر الجزيل
والاعتزاز بكم وبإقليم كوردستان، ولجميع الإخوة خلف الكواليس الذين بذلوا جهوداً
كبيرة، والشكر موصول لك وللأستاذ علي الجاف، ولكل من شارك، ممتناً لحسن ضيافتكم
واستقبالكم ورحابة صدركم، ونرحب بكم دائماً في الجنوب.
رووداو: شكراً جزيلاً لكم، مشاهدينا
ومستمعينا الكرام، إلى هنا نصل إلى ختام حلقتنا، دمتم في أمان الله وإلى اللقاء


