رووداو ديجيتال
في وقتٍ تتوالى فيه التحذيرات من بلوغ طهران "اليوم صفر للمياه"، دخلت أزمة الجفاف في العاصمة الإيرانية مرحلة أكثر حساسية بعد تصريحات رسمية مؤخراً لوحت بإمكانية إخلاء العاصمة إذا استمر انعدام الأمطار خلال الأسابيع المقبلة.
تقرير لموقع"TIGU" الايراني الاقتصادي أشار يوم أمس الثلاثاء (2 كانون الأول 2025) إلى أن طهران تعيش عامها السادس من الجفاف المتتالي، وأنها باتت على أعتاب ما يسمى "اليوم صفر المائي" أي اليوم الذي لا يعود فيه بوسع السدود تلبية احتياجات السكان حتى لو هطلت أمطار شهر كامل.
ورغم أن هذا السيناريو الصادم ظل حتى الآن أقرب إلى جرس إنذار منه إلى قرارٍ مُعلَن، فإن تصاعد نبرة القلق في الإعلام الإيراني، من حديث الرئيس مسعود بزشكيان عن "احتمال الإخلاء" إلى تقارير الصحف الفارسية التي وصفت الوضع المائي بأنّه "أخطر مما يُتصوَّر"، يعكس حجم التهديد الحقيقي الذي يواجه مدينة تسكنها أكثر من عشرة ملايين نسمة، وتعتمد بشكل شبه كامل على مخزون سدود تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ ستة عقود.
ووفقاً لتصريحات راما حبيبي، نائب رئيس شركة المياه في طهران، فأن "إجمالي حجم مخزون سدود محافظة طهران يبلغ الآن 170 مليون متر مكعب فقط، مقارنة بـ381 مليون متر مكعب في الفترة نفسها من العام الماضي"، محذّراً من أن "هطول الأمطار في الخريف تراجع بنسبة تفوق 96%، وهي أدنى نسبة تُسجّل منذ عقود"، وفقاً لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا).
وأضاف حبيبي أن سد أمير كبير، أكبر السدود المزوّدة للمياه، لم يعد يحتوي سوى على 14 مليون متر مكعب، أي 8% فقط من سعته الكاملة، مقارنة بـ86 مليون متر مكعب العام الماضي، ما يضع العاصمة "على حافة العطش".
وشدّد على أن "التراجع الحاد في الأمطار وتقلّص واردات السدود يجعل إدارة الاستهلاك وترشيد استخدام المياه ضرورة عاجلة لسكان العاصمة".
تقرير سابق لموقع همشهري أون لاين في 28 أيار 2025 ذكر أن السدود الأربعة الرئيسة التي تزوّد العاصمة بالمياه لا تحتوي سوى على 16% من طاقتها التخزينية، مع انخفاض كبير في مخزون سد أميركبير تحديداً.
كما أفادت وكالة "إيسنا" للأنباء في تقرير لها بأن استهلاك العاصمة يصل حالياً إلى نحو 33.5 متر مكعب في الثانية، في حين لم تعد السدود قادرة على تأمين هذا الطلب بشكل مستدام". فأكثر من نصف الكمية تقريباً يجب أن يأتي من السدود، في وقت تتراجع فيه حصص المياه الجوفية.
بدوره، نشر الموقع الإيراني "تابناك" التصريح بالفارسية، مؤكّداً أن الرئيس ربط بين ثلاثة مستويات من الطوارئ: وهي مرحلة تقنين المياه، واستمرار الجفاف رغم التقنين، ثم الوصول إلى نقطة لا يمكن فيها تزويد الملايين بمياه شرب كافية، وبالتالي خيار إخلاء العاصمة .
في 7 تشرين الثاني 2025 أطلق الرئيس الإيراني مسعود پزشکیان تصريحاً صادماً حوّل أزمة المياه في طهران من ملف بيئي "خدمي إلى تهديد وجودي للعاصمة". وقال في اجتماع علني إنه "إذا لم تمطر في طهران قبل منتصف كانون الأول، سنضطر إلى تقنين المياه، وإذا استمرّ انعدام الأمطار، علينا أن نُخلي طهران".
ليتحول مصطلح "إخلاء طهران" إلى عنوان جدل واسع في الإعلام الإيراني، بين من اعتبره تحذيراً وقائياً مبالغاً فيه، ومن رآه اعترافاً متأخراً بحجم أزمة مائية تُنذر بانهيار منظومة الحياة في العاصمة.
في اليوم التالي لتصريح بزشکیان موقع "عصر إيران" وصف في تقرير له، حديث الرئيس بأنه ذو "طابع تحذيري"، ونقل عن شركة إدارة الموارد المائية في إيران أن 19 محافظة سجلت في مطلع الخريف "صفر مطلق في كميات الهطول"، ما يعني أن الأزمة ليست محصورة بطهران بل تمتد على مستوى البلاد.
وشدد التقرير على أن إخلاء العاصمة بالكامل ليس حلاً عملياً، فعمليات نقل ملايين الأشخاص ستخلق ضغطاً مضاعفاً على مدن تعاني بدورها من شحّ المياه، وقد تؤدي إلى "تصدير الأزمة" بدل حلها، لذلك اعتبر أن التلويح بالإخلاء يجب أن يُقرأ كـ"ناقوس خطر" لدفع الحكومة إلى إصلاح جذري في إدارة الموارد المائية.
كثير من الخبراء، كما في تقرير "إيسنا" يرون أن الحديث الأكثر واقعية هو عن إخلاءات موضعية ومؤقتة في حال انقطاع المياه عن أحياء معينة، أو نقل مؤسسات محددة تقلل الضغط عن العاصمة، لا عن نقل 10 - 14 مليون نسمة دفعة واحدة.
تحذير بزشکیان بإخلاء طهران كان الشرارة التي جعلت أزمة المياه تتصدّر واجهة الإعلام الإيراني والدولي، لكنه – وفق معظم الصحف الفارسية – أقرب إلى "جرس إنذار سياسي" منه إلى خطة فعلية قيد التنفيذ.
الأرقام الرسمية عن السدود والأمطار تشير صراحة إلى أن العاصمة تقف أمام منظومة مائية استنزفت احتياطاتها السطحية والجوفية، فيما تستمر أنماط الاستهلاك بطريقة معتادة دون تقنين.
البدائل المطروحة في الصحافة الإيرانية تتراوح بين تقنين قاسٍ، وإصلاح زراعي، ومشاريع نقل مياه، وإصلاح تسعيرها، وتغيير سياسات التخطيط الحضري، أما "إخلاء العاصمة" الشامل فيبدو حتى الآن عنواناً إعلامياً أكثر منه سيناريو عملياً.



.webp&w=3840&q=75)