رووداو ديجيتال
أكد المشاركون في الجلسة الرابعة من مؤتمر "مراقبة الديمقراطية" في العراق، أن واحدة من أبرز مشكلات تراجع الديمقراطية في الحياة السياسية، تكمن في هيمنة الأعراف والتناقضات التي تتحكم في إنتاج القرار السياسي، بعيداً عن المؤسسات الدستورية، لا سيما البرلمان.
خلال الجلسة، التي جاءت في ختام اليوم الأول من المؤتمر الذي أنطلق اليوم (الأحد 14 أيلول 2025)، تحدثت عضو مجلس النواب عن المكون الإيزيدي، فيان دخيل، عن إشكالات بنيوية تتمثل في سطوة الأعراف التي أنتجت تناقضات حتى بين قوانين الدستور العراقي.
وقالت دخيل، إن "هناك تناقض. مثلاً، الدستور العراقي يقول إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، ولا يجب سن قوانين تتعارض مع ثوابت الإسلام".
وتابعت، أن "لدينا فقرات أخرى تنص على أن هناك ديانات أخرى في العراق، مثل المسيحية والإيزيدية والصابئة، لكن، لو أنا عندي تشريع كإيزيدية، ولكن هذا التشريع لا يتلاءم مع ثوابت الإسلام أو مع الفقرة الأولى من الدستور، فكيف سأشرّع قانون يخصني ولا يتعارض مع المادة الأولى؟".
وأوضحت أنه، "بالتالي هناك تعارض بين مادتين في الدستور العراقي؛ بين أن تكون مواطنًا لك كافة الحقوق في ديانتك وما تعبد، ولكن في المقابل، يجب أن يكون دين الدولة هو الإسلام، ويجب أن لا يتعارض أي شيء مع ثوابته، فهناك تناقض".
وقدمت دخل مثالاً عن تلك التناقضات، قائلة، إن "الدستور والقوانين لا تمنع كوني كأمرأة بإمكانية تولي امرأة منصب رئيس الجمهورية، إلا أن الأعراف الاجتماعية والسياسية تحول دون تحقق هذا الأمر".
وأضافت، أن "ضمن السياقات الموجودة الآن، لا يوجد ما يمنع في ذلك، لكن الأعراف تمنع تحقيق ذلك. وهو ما يعني أن العرف أقوى من القانون والدستور والحياة السياسية".
ولفتت إلى نقطة بالغة الأهمية تتعلق بتداخل النصوص الدستورية مع العرف، موضحة أن "هناك مسألة مهمة جداً في الذي تم ذكره، وهو التناقض في نصوص الدستور وهذا العرف، وليس فقط الدستور، فهناك عرف يغطي حتى على القوانين النافذة".
وضربت مثالاً على ذلك بقولها، إن "الإيزيدي إذا الأم أو الأب خرج عن الدين الإيزيدي وذهب ليكون مسلماً، فإن أولاده سيتحولون إلى مسلمين سواء قبلت أم لا، حتى وإن كانوا يريدون أن يبقوا على دينهم. لكن هذا العرف أو الدستور أو القانون يجبر على ذلك".
واعتبرت أن هذه الإشكالية تمثل واحدة من التحديات التي يعاني منها العراق، مستدركة: "على العكس عن الحالة في إقليم كوردستان، نظراً لوجود برلمان وقوانين خاصة في الإقليم."
أما عضو مجلس النواب المستقل، سجاد سالم، فقد سلط الضوء على تأثير الأعراف السياسية والدينية على العملية الديمقراطية، واصفاً إياها بأنها باتت "حاكمة" وأكثر تأثيراً من القانون ذاته.
وقال سالم، إن "هذه الأعراف الآن أصبحت حاكمة، وواجهناها بصورة فعلية وصادمة عام 2021. ففي انتخابات عام 2021، اتضحت المصادمة بين الأعراف وبين أي اتجاه جديد ممكن أن يشتغل في فضاء وطني، بعيداً عن الأسس الطائفية الموجودة".
وأوضح، أن المستقلين تعرضوا لضغوط كبيرة لتصنيف أنفسهم مذهبياً وطائفياً، قائلاً إنه "بعد انتخابات عام 2021، اصطدمنا بمجموعة من هذه الأعراف. منها أن مجموعة من النواب المستقلين، الذين لا ينتمون بشكل أساسي إلى كتلة سنية أو شيعية أو كوردية، عندما أرادوا المشاركة في اللجان البرلمانية أو بأنهم يتمثلون في الحكومة العراقية، كان الشيء الأساسي لمشاركتهم أن يُسألوا عن مذاهبهم".
وتابع، إنه "هل هم سنة أو شيعة أو كورد؟ بالتالي، لا بد أن يدخلوا في هذه التصنيفات، وعندما يقول أحدهم إنه شيعي، سيُقال له إذن عليك الذهاب إلى تحالف الإطار التنسيقي الذي يمثل القوى الشيعية التقليدية وأن توقّع معه".
ورأى سالم، أن العراق انتقل من حالة الطائفية إلى ما سماه بـ"الإقطاعيات السياسية"، مشيراً إلى أن القرار السياسي لم يعد يُنتج داخل المؤسسات.
وأوضح، أنه "في النهاية، تحولنا من طائفية إلى إقطاعيات وإلى أمراء طوائف"، مبيناً أن "الآن، النظام السياسي يُحكم من خارج المؤسسات، حيث إن القرار يُنتج أولاً من تحالف إدارة الدولة، ثم يذهب إلى مجلس النواب كمرحلة أخيرة حتى يأخذ الشكلية القانونية".
واستدرك، أن "مجلس النواب بدوره يصوّت كواقع حال، مثل قانون (زواج القاصرات - قانون الأحوال الشخصية)، وغيرها من القوانين المتخلفة والرجعية التي أُقرت في هذه الدورة".
واختتم سالم مداخلته بالقول، إن "الآن أصبحنا في مرحلة صار فيها القرار السياسي محكوماً بأربع أو خمس أشخاص أو توجهات سياسية، فيما تحوّلت بقية المؤسسات الدستورية إلى مجرد أدوات لتخريج القرار، وإعطائه الشكل القانوني ليس إلا".
وتأتي هذه التصريحات في إطار جلسة -شارك فيها أيضا الكاتب والناشط السياسي البارز فارس حرام- حاولت تسليط الضوء على التحديات الحقيقية التي تواجه الديمقراطية في العراق، في ظل تضاؤل دور المؤسسات وصعود النفوذ العرفي والسياسي غير الرسمي.

.jpg&w=3840&q=75)

