رووداو ديجيتال
شهد العراق خلال عام 2025 تصاعداً لافتاً في أزماته البيئية، في مشهد لا يمكن فصله عن تأثيرات التغير المناخي وضعف المعالجات المؤسسية. تصدّر التلوث البيئي، ولا سيما الناتج عن حرق النفايات والغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط، قائمة التحديات، فيما عمّق الجفاف وتراجع الموارد المائية من حدة الأزمة.
وإلى جانب ذلك، برزت قضايا أخرى مثل الصيد الجائر والإجراءات المثيرة للجدل في ملف الكلاب السائبة، لتكشف مجتمعة عن خلل بيئي مركّب بات يمسّ حياة العراقيين بشكل مباشر.
التلوث وحرق النفايات مصدر رئيسي لتلوث الهواء
أكثر من مرة خلال هذا العام صحى سكان العاصمة على سماء رمادية تعبق برائحة الكبريت, وهواء بالكاد يمكن استنشاقه، لتتحول الأشعار التي كانت تتغنى بصيف المدينة ونسيمها العليل، ورائحة شجرة "الشبويّ" "مسك الليل" التي تفوح من حدائق بيوتها، إلى كلمات لم يعد يشعر بمعناها الجيل الجديد أو يصدقها، تحت ضغط، غيوم التلوث، التي وضعت بغداد في المرتبة الثانية بين أكثر مدن العالم تلوثاً، حيث بلغ مؤشر جودة الهواء فيها 150 نقطة، وهو مستوى يعد خطيراً على الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض القلب والجهاز التنفسي، "بحسب منصة IQAir العالمية".
ورغم تصاعد التحذيرات البيئية والصحية، ما يزال حرق النفايات العشوائي أحد أبرز مصادر تلوث الهواء في العراق، لا سيما في بغداد وعدد من المحافظات.
في كانون الأول 2025 أعلنت الحكومة العراقية تنفيذ حملة واسعة لمكافحة حرق النفايات العشوائي في بغداد والمحافظات، وقامت بإغلاق أكثر من 270 منشأة ملوِثة وموقع حرق غير نظامي، وإيقاف معامل غير مرخصة تسببت بانبعاثات سامة، كما شهدت الكثير من المدن تنفيذ حملات ميدانية مشتركة بين الدفاع المدني والجهات البيئية والأمنية لمراقبة المطامر ومواقع الحرق، وتم رفع عدد من الدعاوى القضائية بحق المخالفين، إضافة إلى تنظيف بؤر تلوث في عدد من المناطق، من بينها اليوسفية جنوب بغداد.
ورغم هذه الخطوات، يشير ناشطون بيئيون ومختصون إلى أن النتائج ما تزال محدودة ومؤقتة. فبعد فترات قصيرة من الإغلاقات، تعود بعض مواقع الحرق إلى العمل، إما بسبب ضعف الرقابة المستمرة أو لغياب البدائل العملية.
الصيد غير المنظم وواقع التنوع الحيوي
تشكل المياه الدافئة جنوب العراق موئلاً مهما للطيور المهاجرة ومن أبرزها، طائر الفلامنكو الجميل بريشه الوردي وحركاته التي تجلب البهجة، لكن يبدو أن هذه الحركات نفسها صارت وبالاً على هذا الطائر المسكين الذي يوجه دُفته نحو حتفه، ببنادق الصيادين وشباكهم التي ينصبونها له في مياه الأهوار، حين يريد أن يريح أجنحته التي أتعبها السفر.
ورغم نفي دوائر البيئة من تعرض هذا الطائر إلى الصيد الجائر إلا أن مواقع التواصل العراقية عجّت بصور وفيديوهات تؤكد استمرار صيده (مع مجهولية توقيتات تصويرها).
ومع ذلك، يشير نشطاء بيئيون إلى أن الصيد غير المنظم يبقى ظاهرة سنوية مرتبطة بمواسم هجرة الطيور إلى العراق، ويشكل تهديداً لنظم بيئية هشة في الأهوار والمناطق الرطبة. فالصيد الجائر مستمر وإن كان الفلامنكو غير معرض للانقراض حالياً " بحسب ناشطين"، هنالك أنواعأ أخرى تتعرض للانقراض، لأنها تتخذ من أجواء العراق ممراً في طريق هجرتها.
لا يمكن تجاهل أن التنوع البيولوجي مرتبط بشكل مباشر بالتوازن البيئي العام، وأن الصيد غير المنظم ولو لم يؤدِ إلى اختفاء فوري لأنواع بعينها، فإنه يضع ضغوطاً إضافية على بيئة العراق التي تتعرض لضغط بشري وتغيرات مناخية متسارعة.
أزمة الكلاب السائبة
قد يراها البعض مشكلة لا تخص البيئة لكن المعالجات المبتورة التي جاءت بها حكومة المركز أثارت الريبة والاستياء، سواء على الصعيد الإقليمي والدولي، وحتى الشعبي.
جذور هذه المشكلة ليست جديدة فعلى تتابع الأنظمة في العراق كان الحل الأسهل دوما قتل الكلاب السائبة التي تحمل أمراضاً خطيرة مثل داء السعار المميت، أو تلك التي تشكل تهديداً لأمن السكان في المناطق النائية، لكنها ظلت مشكلة تتجدد دون حلول جذرية حقيقية، تبدأ من التوعية المجتمعية مروراً بخطط ناجعة لا تؤذي البيئة ولا تقتل هذه الأرواح، دون روادع وأسباب قوية.
الجفاف، هطول الأمطار غير المنتظم
عانى العراق في 2025 من جفاف ملحوظ في مواسم الصيف، ما أثار تحذيرات من مراكز المناخ بأن التغير المناخي قد يكون سبباً مباشراً لتقلبات الطقس هذه.
تأتي هذه التحذيرات في سياق توقعات طويلة الأمد تشير إلى تنامي أيام الغبار السنوية نتيجة للجفاف والتصحر، مما يجعل تحسين إدارة الموارد المائية أحد أولويات السياسات البيئية المقبلة.
الجفاف لا يؤثر فقط على البيئة والنظم الإيكولوجية، بل يمتد إلى الأمن الغذائي ومصادر المياه العذبة، ويفرض تحديات إضافية على المجتمع بأكمله مع تضاءل مصادر المياه وارتفاع درجات الحرارة بشكل غير معتاد.
الغاز المصاحب لعمليات النفط
بين تلوث الهواء وازدواجية الاستثمار يبقى الغاز المصاحب لصناعة النفط أحد أهم أوجه الأزمة البيئية في العراق. رغم تصريحات وزارة النفط بتحقيق نسبة 74% من إيقاف حرق الغاز المصاحب خلال 2025، فإنها لا تزال تمثل مصدراً كبيراً للانبعاثات الملوثة بسبب محدودية البنى التحتية لالتقاطه واستثماره.
على مدى العقد الماضي، ازداد حرق الغاز المصاحب بنسبة تفوق 30%، مما اسهم في انبعاث ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة، إضافة إلى هدر اقتصادي يقدر بمليارات الدولارات سنوياً.
هذه الانبعاثات تسهم بشكل مباشر في تدهور جودة الهواء وتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري داخل البلاد، وهو ما ينعكس في زيادة أيام الغبار والتصحر وتغيرات أنماط الطقس.
وفي ظل الاعتماد الكلي تقريباً على النفط كرافد أساسي للاقتصاد، يبقى التحدي في تطوير تقنيات احتجاز الغاز واستثماره بدل حرقه، وهو ما تحتاج إليه البلاد لتقليل الضغط البيئي والاقتصادي معاً.
معالجات إقليم كوردستان للواقع البيئي
في إقليم كوردستان بدأ تنفيذ مبادرات بيئية استراتيجية واسعة تهدف إلى مواجهة آثار التلوث، التصحر، وتغير المناخ، على نحو يتقدم بوضوح على غالبية المحافظات في العراق.
من أهم هذه المبادرات مشروع الحزام الأخضر حول مدينة أربيل الذي انطلق رسمياً في 30 تشرين الأول 2025، حيث تعمل حكومة الإقليم على زرع سبعة ملايين شجرة من أنواع محلية مثل الزيتون والفستق على طول حزام دائري يحيط بالمدينة، بعمق يمتد لِكِيلومِترين حول الشارع الدائري، ويتضمن أيضاً إنشاء عشرة أحواض مائية لدعم بقاء الأشجار في بيئة جافة.
ويُتوقع أن يساهم هذا الحزام الأخضر في تقليل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بمقدار يتراوح بين 140 ألف و210 آلاف طن سنوياً، فضلاً عن تحسين المناخ المحلي وخفض درجات الحرارة ومكافحة التصحر والغبار، إضافة إلى خلق فرص عمل وتنشيط الاقتصاد المحلي.
إلى جانب ذلك، تشهد محافظة دهوك تنفيذ مشروع مبتكر لزراعة الغطاء النباتي في المناطق الجبلية الوعرة عبر الزراعة الجوية باستخدام طائرات الهليكوبتر. وتُعد هذه المبادرة الأولى من نوعها في العراق، إذ يتم إطلاق ما يُعرف بـ "كرات البذور" المحتوية على بذور أشجار محلية مثل الصنوبر، والبلوط، والسمّاق فوق مساحات جبلية يصعب الوصول إليها بصور تقليدية، بهدف استعادة الغابات المتدهورة وتوسيع المساحات الخضراء في تلك المناطق. بهدف أن تنمو وتصبح غابات حقيقية في المدى الطويل، مما يسهم في إعادة التوازن البيئي وتثبيت التربة وتقليل مخاطر التعرية.
هذه الجهود تأتي في إطار استراتيجية أوسع لدى حكومة إقليم كوردستان لرفع نسبة الغطاء الأخضر وتعزيز قدرة الإقليم على مواجهة التغيرات المناخية. ففي السنوات الأخيرة، ارتفعت نسبة المساحات الخضراء في الإقليم من نحو 15% إلى ما يقرب من 20%، وتتصدر بعض المحافظات مثل دهوك معدلات أعلى في هذه النسبة مقارنة بباقي العراق، فيما تتبنى تشريعات بيئية تشدد على ضرورة تخصيص مساحات خضراء في المشاريع الجديدة.
تجسد هذه المشاريع رؤية إقليمية تحاول الدمج بين العمل الملموس على الأرض (زرع الأشجار) والتخطيط طويل المدى لمواجهة الأزمات البيئية، بما في ذلك التقليل من التلوث الهوائي، الحد من التصحر، وتخفيف آثار الجفاف المتكرر.
كما تُعد هذه المبادرات نموذجاً لإمكانية العمل البيئي المنظم داخل العراق، في ظل ضعف الخطط البيئية على مستوى الحكومة المركزية.

.jpg&w=3840&q=75)

