رووداو ديجيتال
رغم مرور أكثر من أربعة عقود على انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية، ما زالت الألغام الأرضية التي زرعها الجيش العراقي السابق في ثمانينيات القرن الماضي تحصد أرواح المدنيين في إقليم كوردستان، وتشكّل واحداً من أخطر الملفات الإنسانية والأمنية غير المغلقة حتى اليوم.
الهيئة العامة لشؤون الألغام في إقليم كوردستان، أعلنت اليوم (8 كانون الثاني 2029) خلال مؤتمر صحفي في أربيل، عن مقتل وإصابة 29 شخصاً جراء حوادث انفجار ألغام خلال عام 2025 فقط، في حصيلة تعكس تصاعداً مقلقاً مقارنة بالسنوات السابقة.
وبحسب رئيس الهيئة جبار مصطفى، فقد شهد العام الحالي تسجيل 18 حادث انفجار في مناطق متفرقة من الإقليم، أسفرت عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 17 آخرين، معظمهم من المدنيين، في حين كانت حصيلة عام 2024 أقل بكثير، إذ سجلت أربع حالات وفاة وسبع إصابات فقط.
إرث عسكري تحوّل إلى خطر دائم
تعود غالبية هذه الألغام إلى فترة الحرب العراقية – الإيرانية، حين جرى زرع مساحات شاسعة من الأراضي الحدودية والجبلية في كوردستان بالألغام المضادة للأفراد والدروع، لأغراض عسكرية آنذاك، من دون خرائط دقيقة أو توثيق كامل لمواقعها.
ومع مرور الزمن، تحولت هذه المناطق إلى حقول موت صامتة، لا سيما مع عودة السكان إلى قراهم، واتساع النشاط الزراعي والرعوي، وقيام الأهالي بجمع الحطب أو التنقل في مناطق غير مطهّرة بشكل كامل.
جهود التطهير والخطر المستمر
الهيئة العامة لشؤون الألغام أكدت أنها نجحت خلال العام الماضي في تطهير 53 حقلاً من الألغام في إقليم كوردستان، وإزالة وتدمير 2997 لغماً من مختلف الأنواع، وهي أرقام تعكس جهداً كبيراً، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم المشكلة المتراكمة.
كما أوضح مصطفى أن أكثر من مليون شخص استفادوا من حملات التوعية التي تنفذها الهيئة، والتي تهدف إلى تعريف السكان، خصوصاً في المناطق الريفية، بمخاطر الألغام وسبل تجنبها.
لماذا ترتفع أعداد الضحايا؟
يربط مختصون ارتفاع عدد الضحايا بعدة عوامل، أبرزها: اتساع حركة المدنيين في المناطق الجبلية والحدودية، وعودة النشاط الزراعي والرعوي في أراضٍ لم تُطهَّر بالكامل، تآكل بعض الألغام بفعل العوامل الطبيعية، ما يجعلها أكثر حساسية للانفجار، ناهيك عن الفقر والبطالة، اللذان يدفعان بعض السكان إلى المخاطرة بالدخول إلى مناطق خطرة بحثاً عن مصادر رزق.
ملف إنساني لم يُغلق بعد
ورغم مرور عشرات السنين، لا تزال الألغام تمثل جرحاً مفتوحاً في ذاكرة كوردستان، وعقبة حقيقية أمام التنمية والاستقرار، فضلاً عن كونها تهديداً مباشراً لحياة المدنيين.
ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن معالجة هذا الملف تحتاج إلى دعم دولي مستدام، وتسريع عمليات المسح والتطهير، وربطها ببرامج تنموية توفر بدائل آمنة للسكان، كي لا يبقى إرث الحروب القديمة سبباً لمآسٍ جديدة.



