عندما كان نوشيروان مصطفى على قيد الحياة، كان هناك احتمال ضئيل بأن تُحلّ الأزمة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحركة التغيير، ولكن لأن نوشيروان مصطفى أصبح على يقين بأنه لم يعد هناك سبيل إلى ذلك، فقد اتجه لعقد اتفاق مع الاتحاد الوطني الكوردستاني، وكان يريد للأزمة أن تستمر من بعده.
نوشيروان مصطفى كان يريد للأزمة مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن تستمر، كما أنه كأحد الزعماء التقليديين في الشرق الأوسط، وضع حركته في دوامة كهذه تحت مسمى "النموذج الحزبي المختلف"، بحيث لا يكون الشخص الذي سيخلفه معلوماً!، وهو نفسه كان يعلم أن الوكالة القانونية لم تكن كافية لتعيين أحد كنائب له، كما أن نوشيروان مصطفى كان يريد لهيبة مرحلته أن تستمر من بعده، ومثل عرفات والطالباني، فقد ترك خلفه ميراثاً مماثلاً.
قامَ الحزب الديمقراطي الكوردستاني مؤخراً بمبادرة من أجل إشراك حركة التغيير في العملية السياسية عن طريق الاتحاد الوطني الكوردستاني وبتأثير منه، إلا أن هذه المبادرة كانت محكومةً بالرفض من جانب حركة التغيير، لأن حركة التغيير حالياً لا تستطيع فعل شيء سوى الرفض، وبالتأكيد ليست هناك حاجة للحديث عن الجماعة الإسلامية، لأن هذا الحزب ظلّ محلياً في حلبة السياسة، وأصبح ذَنَباً لحركة التغيير، ولكن لماذا حدث ذلك؟
أولاً: طالما كانت هناك مبادرة كهذه من الحزب الديمقراطي الكوردستاني، فلماذا لم يتوجه بنفسه إلى حركة التغيير ويناقش هذه المسألة؟، ألم يذهب نيجيرفان البارزاني قبل بضعة أسابيع إلى حركة التغيير؟، ألم يكن باستطاعتهم التحضير لهذه المسألة آنذاك؟، ألا توجد أي قنوات تواصل بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحركة التغيير؟.
ثانياً: إذا كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو صاحب المبادرة، فإن عليه أن يعي أن مبادرةً كهذه ليست سهلة، خصوصاً في مرحلة ما بعد نوشيروان مصطفى، فلا توجد آليةٌ لاتخاذ القرار في حركة التغيير، لذلك ما الداعي لبقاء مبادرتهم غيرَ مكتملة.
طالما أنهم يقبلون بعودة يوسف محمد إلى البرلمان، فليقبلوا أيضاً ببقائه رئيساً للبرلمان لخمسة أشهرٍ أخرى، فلن تقوم القيامة في هذه الحالة!، وإذا كانت هناك ثقة متبادلة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، فكيف تم إبطال عمل رئيس البرلمان يوسف محمد، وكذلك سكرتير البرلمان في يوم 19 آب/أغسطس من عام 2015، بالتعاون مع الأحزاب الأخرى، فبإمكانهم في ظرف 5 أشهر من خلال عمل البرلمان، ألا يجعلوا البرلمان يؤثر على مطالبهم وأعمالهم، وفي ذلك الحين فلتبادر كلٌ من حركة التغيير والجماعة الإسلامية إلى طرح المشاريع ومناقشتها فيما بينهما.
حركة التغيير تخدمُ الاتحاد الوطني الكوردستاني
لا شكَّ في أنه لم يكن وارداً أن تقبل حركة التغيير بمبادرة الحزب الديمقراطي الكوردستاني مباشرةً، حيث كان عليهم ترك أحد الأبواب مفتوحاً للمفاوضات، وكان باستطاعة حركة التغيير اعتبار عودة رئيس البرلمان، يوسف محمد، ووزراء الحركة إلى أربيل، بمثابة أساسٍ لكونِ الحركة لاتزال شريكاً في الحكومة.
أما اليوم، فحتى لو كانت رئاسات الإقليم الثلاث بيد حركة التغيير، وليس فقط رئاسة البرلمان، فإن الحركة لم تكن ستقبل أيضاً، وهي لا تستطيع القيام بهذه الواجبات، وفي هذه القضايا لن يغض الاتحاد الوطني الكوردستاني الطرف عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، فالاتحاد الوطني الكوردستاني يسعى للانتقام من الطرفين "الديمقراطي الكوردستاني وحركة التغيير"، وفي الوقت ذاته إلقاء اللوم على حركة التغيير أمام الرأي العام حول مسألة تعطيل البرلمان.
ما يفعله الاتحاد الوطني الكوردستاني حالياً هو اصطياد الأسماك في الماء العكر، فقد دعمَ "المشاريع الملتهبة والمزورة" المتعلقة برئاسة إقليم كوردستان ونظام الحكم، حيث دفع بحركة التغيير إلى الواجهة، وفي النهاية اتجه للحزب الديمقراطي الكوردستاني وكأن شيئاً لم يكن.
يجب على حركة التغيير أن تعي جيداً أن الاتفاق السياسي بينها وبين الحزب الديمقراطي الكوردستاني قد انتهى، وخلال الفترة الماضية أصبح هناك اتفاق استراتيجي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، كما أن جميع المهمات والمناصب الرفيعة كانت تُحدد من خلال اتفاقيات، وهو الأمر ذاته الذي كان يتضمنه الاتفاق السابق بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحركة التغيير، ولو لم يكن الأمر كلذلك، لكان، علي حمه صالح، رئيس البرلمان الآن.
لذلك، وبدلاً من أن تخلط حركة التغيير الأوراق التي بين يديها لمصلحة الاتحاد الوطني الكوردستاني، فقد كان من الضروري أن تطالب بالمباحثات مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
لو أردات حركة التغيير إرضاء أنصارها، فقد كان بإمكانها تقديم ورقةٍ مليئةٍ بالقرارات للحزب الديمقراطي الكوردستاني، وإلغاء اتفاقيتها مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني بخصوص التشكيلة الحكومية الثامنة، وفي ذلك الوقت لن يكون مهماً بالنسبة لأنصار حركة التغيير مسألة تفعيل البرلمان، لأنه لو لم يكن بناءً على طلبهم، فقد كان الاتفاق مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني كافياً، ولكن ما تفعله حركة التغيير الآن يُعتبر خدمةً كبيرةً لنفوذ الاتحاد الوطني الكوردستاني في الإقليم "الأخضر والنيللي".
"أتاكورد" مسعود البارزاني
حتى لو تحدثوا آلاف الساعات في البرلمان عن مسألة الاستفتاء وإعلان الاستقلال، ومن ثم اتخذوا قراراً بهذا الخصوص، فإنه في النهاية مهما حصل لهذا الشعب، خيراً كان أم شراً، فسوف تكون مسؤولية هذه الأمور "سلباً أو إيجاباً" على عاتق البارزاني.
سواء كان البارزاني آخر رئيس لإقليم كوردستان أو رئيس الدولة المستقلة، أو مرجعيةً سياسيةً للشعب الكوردي طيلة حياته، فإن هذه الحقيقة لن تتغير.
يجب تقييم حقيقةِ الانقسام السياسي والمجتمعي في كوردستان بحسب تجارب الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حيث كان هذا الانقسام عبئاً ثقيلاً على كاهل الكورد، ولم يتخلصوا منه بعد.
اليوم ليس الوقتَ المناسب لقولِ "لا"، بل إنه اليوم المناسبُ لقولِ "نعم"، فليُجري البارزاني هذا الاستفتاء رغم كل أوجه القصور، وفي النهاية أصلحوه أنتم.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



