قرأت الكثير من البيانات وتابعت الكثير من التصريحات في الذكرى الثالثة للإبادة التي وقعت بحق الإزيديين في الثالث من أغسطس آب 2014 من قبل تنظيم داعش في سنجار غرب الموصل 120 كم، كما في السنتين السابقتين، توقفت عند العديد من العبارات والجمل لسياسيين وقادة حكوميين ومسؤولي أحزاب من الإيزيديين ومن معارضيهم، تمعنت في الكثير من المطالب، ولايزال البعض كما هو، والبعض الآخر لايعرف أين يوجه بوصلته، ولكن تبقى هناك محطات مهمة تأخذ الأولوية بالنسبة للضحايا وذويهم وبالنسبة لكل من يرغب في بناء الثقة والمساهمة في تحقيق العدل.
المحطة الأولى: لاتزال الإبادة مستمرة، إذ لاتزال هناك أكثر من ثلاثة آلاف أمرأة وطفل بقبضة التنظيم، ولايزال مصير مئات الرجال مجهولاً، ومصير الأطفال الذين قام التنظيم بغسل أدمغتهم وإجبارهم على اعتناق الإسلام وتهيئتهم ليكونوا مشاريع تفجير وتدمير هو الشيء الأكثر بشاعة، لأنه في الأخير سيكتب البعض: انظروا لقد قام الإزيديون بتفجير أنفسهم وقتلنا، ويقدموا أنفسهم كأبرياء مساكين.
المحطة الثانية: تمضي سنوات ثلاث، ويمضي معها العمر مسرعاً، الأمهات بانتظار فلذات أكبادهن، والآباء ينظرون خلسة للباب لعل هواءً عليلاً سيبث لهم خبراً عن المفقودين، وخبراً من الشرفاء بإعادة الأطفال الذين لايعرفون الآن لغتهم الأم، وعوائل لا يستبعد الآن أنهم في مخيمات النازحين المتراصة حول الموصل، آخر الأخبار التي تشير إلى إنقاذ الفتيات والأطفال من بين المخيمات تشير إلى أن تلك العوائل كانت تأمل الاحتفاظ بهؤلاء الأطفال إلى آخر رمق في حياتها، وأن خبر حمايتهم لهم ليس صحيحاً مع كل الحالات "طبعاً يبقى هناك أناس طيبون وأخيار هم محل فخر وأعتزاز".
المحطة الثالثة: كثيراً ما قلنا وقالها الكثير من الزملاء إن أهم شيء يريده الإيزيديون هو تحقيق العدالة والاقتصاص من المجرمين، ها هي الموصل تتحرر، وها هي البعاج تتحرر مع جل احترامنا للذين حموا شرف الإيزيديين منهم، ولكن إلى الآن لم تبادر ولو مؤسسة دينية أو رجل دين من تلك المناطق التي حصلت فيها جرائم السبي وخطف النساء والأطفال، أو شيخ عشيرة بالاعتذار للإزيديين وطلب العفو والمسامحة وإعلان تبرئتهم من أبنائهم الذين انضموا لفرق الموت والخطف والسبي الداعشية سوى قلة قليلة منهم قالوها بصدق وقوة للأسف غير مؤثرين... ويتساءلون ويسألوننا لماذا لايعود الإيزيديون إلى مناطقهم.
المحطة الرابعة: تحررت الموصل، وهذا أمر جيد أن يتم القضاء على تنظيم داعش فيها، رغم أن المعركة الأكبر لم تبدأ بعد، ألا وهي المعركة الفكرية، إلا أن الأمر المخجل هو أن الموصل تحررت وانهالت الأموال من بغداد لإعمار وسرعة إعادة الحياة وإعمار المؤسسات إلى العديد من المناطق في حمام العليل – القيارة وغيرها، وهو أمر مفرح، ولكن الأمر السيء وغير المفرح هو أن ناحية سنوني والمجمعات التي تقع شرقها وآلاف العوائل في شمال جبل سنجار لاتزال تنتظر أن يتم التعامل معها بنفس الصورة رغم مضي سنيتن ونصف على تحريرها، ويقولون لك: لايوجد تمييز أو تعمد في إبقاء مناطق الإزيديين مدمرة.
المحطة الخامسة: كما في الأوقات التي مضت قبل الإبادة ومنذ الإبادة، فإن دعوات المطالبة بالحماية الدولية مستمرة، دعوات ما حصل للإزيديين بأنه إبادة جماعية مستمرة، ولكن تنظيم الجهود لايزال مبعثراً، وإعلان السيد حسين قاسم حسون- وهو عضو اللجنة العليا- بأن جهود اللجنة العليا للجينوسايد في إقليم كوردستان قد فشلت خبر غير سار، وشخصنة الجهود أفقدتنا الكثير من الفرص، ولكن ما يؤسف عليه هو أن الكثير من المسؤولين في بغداد وأربيل يتحسسون من طلب الإزيديين للحماية وإقرار ما حصل بأنه إبادة، لأن المسؤوليات عليهم ستتضاعف ولابد أخلاقيا وإنسانيا أن يتحركوا، مع جل احترامنا للذين يعملون بجدية وهي ليست منية بل واجب الذين يقدمون أنفسهم كقادة.
المحطة السادسة: لايزال بعض ضعاف النفوس يبثون إشاعات ودعايات تفيد بأن الإزيديين يتجهون للثأر والانتقام، وخلاصة الأمر أن هؤلاء يعرفون حق المعرفة أن الإزيديين لايتجهون لهذا المسار أبداً، وإن حصلت حالات فردية فهذا أمر طبيعي بسبب حجم البشاعة التي اقترفها أقرباء من يبثون الإشاعات حول هذا الأمر، فالأمر بمجمله يتمثل بأن هؤلاء يريدون التهرب من مسؤولية عدم كشفهم لأسماء ذويهم وأقربائهم حيث يحتفظ الإزيديون بأسماء المئات، ويريدون نشر الأكاذيب حول هذا الأمر حتى يتهربوا من مسؤولياتهم ويحافظوا على المجرمين كما حصل في معركة تسليم البعاج دون إطلاق الرصاص، فقد ذهب ونجا المئات من عناصر التنظيم باتفاق لايعرف الكثيرون مضمونه وأين اختفى هؤلاء ومعهم المئات من السبايا.
المحطة السابعة: إصرار البعض على نشر التشويه والتشهير عبر الصحافة الاجتماعية أو الشحن العاطفي غير المبرر عبر تهيئة لقاءات مع أشخاص مهمتهم فقط الإساءة والتهجم على أطراف سياسية وقادة وطنيين، إنما يسيئون للإزيديين أكثر، ووضع حد للاستهتار الذي ينشره البعض أمر مهم فالتسقيط والإساءة للآخرين أسلوب بعيد عن تراث وعادات وتقاليد الإزيديين، وفي النهاية المسألة لاتخدم واقع الإزيديين ولامستقبلهم، لأن الآخرين يروننا من تلك النوافذ أكثر من الواقع الحقيقي – إنهم يستغلون بساطتنا لتمرير أهدافهم.
المحطة الثامنة: مع الذكرى الثالثة للإبادة نشرت المديرية العامة لشؤون الإزيديين إحصاءات مهمة، والخطير في تلك الإحصاءات هو مسألة استمرار الهجرة، وسبق أن سئلت في أكثر من حوار تلفزيوني عن أسباب هجرة الإزيديين؟، وما أقوله دوماً هو: إذا لم يشعروا بأن العدالة ستتحقق، إذا لم يشعروا بأن الإنصاف معهم في التعامل موجود، إذا لم يشعروا بأن مستقبلهم مضمون للعيش بأمان في مناطقهم، إذا لم تستطع السلطة تأمين ولو مدارس كافية ليجري الطلبة امتحاناتهم في مناطقهم التي تحررت من عامين ونيف، إذا لم تتخذ ولو إجراءات شكلية بحق الذين تسببوا في الماسأة، فمن الطبيعي أن يهاجر الإزيديون لأنهم فقدوا الثقة، واستعادتها ليست بالأمر السهل.
المحطة التاسعة: مع الأسابيع الأولى للإبادة سارع اتحاد علماء الدين الإسلامي في كوردستان لإدانة الهجوم على الإزيديين وسبي النساء، وموقف رجال الدين في كوردستان وشعب كوردستان بعده في استقبال النازحين كان أمراً مكملاً ومميزاً سيسطره التاريخ بحروف من ذهب، وثم بعد ذلك بعام ونصف جاء بيان من دار الإفتاء العام في مصر ودائرة الإفتاء في الأردن حول تحريم السبي وعدم جوازه واعتبار ما حصل للإزيديين بأنه جريمة العصر، لم تتحرك ولو مؤسسة دينية أخرى في المناطق المجاورة للإزيديين في العراق ولم تجرؤ على تكفير داعش، فما يريده الإزيديون ليس تكفير أحد، بل إقرار حقهم في الحياة كأي مجتمع مختلف آخر، دون الإقرار بحق الآخر المختلف بالحياة كما يريد، يعني الرغبة في إنهاء وجوده من قبل الآخرين الذين يرفضونه تبقى موجودة.



