كانت زيارة رئيس الحكومة، نيجيرفان البارزاني، والوفد المرافق له إلى بغداد رمزية في معظمها، فقد بدت وكأنها جاءت على الطريق إلى طهران، حيث كانت بغداد عند منتصف الطريق. كما أن مدة اللقاء ما كانت أبداً لتكفي للخوض في كل الأمور التي أعلنها مكتب العبادي، والتي زعم المكتب أن الجانبين اتفقا عليها! والذي دفع مكتب العبادي إلى ذلك هو أن العبادي كان يريد أن تكون زيارةً ودية سرية لا أن تصبح خبراً تتناقله وسائل الإعلام. لأنه بالإضافة إلى المشاكل العالقة بين بغداد وأربيل هناك قرارات عديدة اتخذت كعقوبة جماعية فرضت على شعب كوردستان، وكان من المفترض أن تكون تلك الإجراءات العقابية الجماعية قد ألغيت خلال الفترة الأخيرة ليتم بعد ذلك اللجوء إلى التمحيص والتدقيق في الدستور كمرجع لحسم المشاكل.
كسرت هذه الزيارة حاجزاً نفسياً كان قائماً بين الطرفين وفتحت الباب على مصراعيه لكي يتوقف العبادي والبارزاني عن الرد على بعضهما البعض من خلال مؤتمراتهما الصحفية الأسبوعية في يومي الثلاثاء والأربعاء من كل أسبوع. لكن ما الذي يدور خلف الستر المسدلة؟
تعمل إيران وأمريكا على اتجاهين لاحتواء المشاكل بين بغداد وأربيل ولا تريدان لهذا الوضع أن يبلغ حداً تستطيع معه الدول الأخرى وأوروبا التدخل فيه. فلا تريد أمريكا، خلال هذه الفترة التي تفصل بيننا وبين إجراء الانتخابات، أن يقدم الكورد على أي تحرك قد يسقط البطل الورقي الذي صنعته هي في بغداد! وإيران، وهي المخطط والمدبر لجميع المؤامرات والعقوبات التي فرضت على كوردستان بعد استفتاء أيلول الماضي، تريد الإبقاء على الكورد في اللعبة بأية طريقة، لحين القضاء نهائياً على الدور الأمريكي في بغداد، حيث لم يكن ممكناً القضاء على إقليم كوردستان ومحو كيانه الدستوري بالسهولة التي كانت تتوقعها، لذا فإنها تريد عند توسطها، كما فعلت في أيام الاقتتال الداخلي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، أن يتم حل مشاكل بغداد وأربيل في طهران، وفي الحقيقة فإن مفتاح الحل هو عند طهران وليس عند بغداد. ليس إقليم كوردستان في موقف يستطيع معه رفض أية وساطة أو دعوة خير، لهذا من المتوقع، في المستقبل القريب جداً، أن يُرفع جزء من العقوبات المفروضة على كوردستان كبادرة حسن نية، ويبدأ الحوار ويتم تطبيع الأوضاع، لكن أياً من تلك المشاكل العالقة بين أربيل وبغداد ليس قابلاً للحل خلال الفترة القصيرة التي تفصلنا عن الانتخابات، بل سيترك أمر التعامل معها للحكومة القادمة.
الأجنحة تحطم بعضها البعض
(2)
لقاءات الوفد الأمريكي مع الديمقراطي الكوردستاني ومشتقات الاتحاد الوطني (التغيير، التحالف من أجل الديمقراطية، وفريقي عائلة الطالباني والجيل الجديد) جاءت في وقت لم يكن كوسرت رسول، النائب الأول للأمين العام للاتحاد الوطني الكوردستاني، على علم بتلك اللقاءات بل تلقى أخبارها من أفواه الناس! لذا وبالرغم من أن وسائل الإعلام قالت بأن أمريكا طالبت مشتقات الاتحاد الوطني بتوحيد صفوفها، فإن تهميش كوسرت رسول وعدم إجراء لقاءات مع الأحزاب الأخرى التي لديها مقاعد في البرلمان، في نفس الوقت، رسالة تدعو للتأمل وللنظر أكثر من أن تكون دعوة لتوحيد الصف، وأدت إلى زيادة التشتت داخل بيت الاتحاد الوطني وسياسات السليمانية. كما أن هذه اللقاءات حملت في طياتها رسالة واضحة تقول بأن أربيل هي عاصمة إقليم كوردستان ولا ينبغي أن تفكر أحزاب السليمانية في غير ذلك.
هذا التحرك الأمريكي جاء في وقت يحتدم فيه النقاش ويستمر بشأن عقد المؤتمر الحزبي للاتحاد الوطني، وليس عند الاتحاد الوطني ولا عند مشتقاته موقف واضح وحاسم من الانتخابات في بغداد ولا من الانتخابات في كوردستان. لذا فمع انشقاق برهم صالح عن الاتحاد الوطني وتشكيل تحالفه، لازال احتمال المزيد من الانشقاق في صفوف الاتحاد الوطني يلوح في الأفق، ومردّ هذا هو إلى تبلور قناعة بأنّ المؤتمر أيضاً لن يتمكن من إعادة رص صفوف الاتحاد، لأنه سبق وأن تم توزيع الأدوار كلها بين عائلتي إبراهيم أحمد والطالباني. وربما كان هذا اليأس هو الذي دفع برهم صالح ليتخذ قراره النهائي. ويعاني كوسرت رسول في الوقت الحالي من نفس حالة اليأس التي هي أكبر من قدرته على حل المشاكل، وبات في موقف المتفرج على الصراع المحتدم بين ورثة الطالباني أنفسهم. لذا، ليس مستبعداً في حال استمرار هذه الأوضاع، أن يتحول كوسرت رسول في المستقبل القريب، ومعه رفاقه في جماعة مركز القرار، إلى مساندة برهم صالح. إذ بالرغم من انشقاق برهم صالح، لاتزال العلاقات بينهما قوية، ولو حدث هذا، فسينجو حزب برهم صالح من التقوقع المناطقي الذي ينتظره ويضمن لتحالفه الكثير من أصوات الاتحاد الوطني في أربيل وبهدينان.
الاتحاد الإسلامي... مثال الحزب المسؤول
(3)
ربما لا حاجة إلى هذه الشهادة، لكن لو كان الاتحاد الإسلامي الكوردستاني بصدد المزايدة السياسية لاتخذ من استقالة وزير الكهرباء، وهو من قائمته، من الحكومة مادة دسمة للمزايدة. لكنه أحجم عن ذلك، وحتى عند انسحابه من الحكومة أكد أنه حتى وإن كان خارج الحكومة فسيواصل دعمها في سبيل تخطي هذه الظروف الصعبة.
وبالرغم من الهوة العميقة التي خلّفها انسحاب الاتحاد الإسلامي، فإن ذلك الانسحاب سيصب في مصلحة الحكومة وسيدفع الحكومة والبرلمان ومفوضية الانتخابات إلى الاسراع في تحديد موعد الانتخابات العامة في كوردستان. فلم تكن خطوة انسحابه تهدف إلى إسقاط الحكومة كما لم تكن إرضاءً لأي طرف ولا للحط من قدر الحكومة، بل على العكس، فإن جميع الحسابات والتقييمات لانسحاب الاتحاد الاسلامي تكشف عن أن الانسحاب كان ضغطاً سياسياً مدروساً ورسالة موجهة إلى الأحزاب الأخرى وإلى كتلة الاتحاد الإسلامي البرلمانية مفادها أنه لم يعد أمامنا سبيل سوى الانتخابات.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية



