ثمة أشخاص تعكس طباعهم وتصرفاتهم المعاني الجميلة التي تحملها أسماؤهم. دلوفان كان في رأفته وعطفه تجسيداً لمعنى اسمه: يمنح الثقة لابن الشهيد البيشمركة ويُشعره بأنه ليس وحيداً، يساند الصحفي الجريء الذي ينبغي أن يظل جريئاً، يهتم بأولاد الشهداء وضحايا الأنفال كي لا يحرموا قدر المستطاع من العطف، لم يكن ينسى الأصدقاء القدامى وكان يقدر المناضلين القدامى، هذه كلها شهادات تجري على ألسنة القريبين من المرحوم دلوفان البارزاني ومعارفه.
في شبابه المبكر وجد دلوفان نفسه أمام مسؤولية أن يكون كبيراً، يحمل الكثير من المسؤوليات، كان شاباً صغيراً حين رحل والده عن الدنيا، فواجه ذلك الرحيل في خضم الكفاح المسلح في الجبل وفي ظروف اللجوء وبين اللاجئين، بأن قال لرفاقه في اتحاد الطلبة والشبيبة الديمقراطي الكوردستاني: عليكم أن تصمدوا وأن تمرروا مصاب وفاة إدريس البارزاني على البيشمركة بمعنويات عالية، ويجب أن يدفعكم هذا إلى المزيد من العمل والنضال والمزيد من الإصرار، لا أن يغمركم جزع طويل الأمد. وفي نفس الوقت كان جزء كبير من مسؤولية الاعتناء بأخواته وإخوته الصغار من بين الواجبات التي ألقيت على عاتقه بعد استشهاد والده، وكان ذلك عاملاً مساعداً كبيراً هيأ فرصة أكبر لشقيقه نيجيرفان البارزاني ليخوض مجال العمل والنضال السياسيين، وبصورة خاصة في تلك المرحلة الصعبة من مراحل النضال السياسي والمسلح. كما انعكس ذلك عليه فيما بعد في رعاية الكثير من عوائل وأولاد الشهداء.
كان السيد دلوفان رقيقاً رؤوفاً في كلامه، وفي فترات الحزن كان صوته وحضوره سباقين طاغيين على المشهد. كان أول من اتصل بي عندما استشهدت زميلتنا شيفا كَردي، هاتفني بينما كنا نستقبل جثمان الشهيدة شيفا على مشارف الموصل، واساني كثيراً وكان يدرك جيداً ماهية مشاعري، فكان يحدثني بلغة الخبير بمشاهد الاستشهاد والوفاء للشهداء، كان يعي جيداً ما الذي يعنيه فقد الأعزاء، ولدى مشاركته في مجلس العزاء كان يعرف كيف يتحدث عن تلك المشاعر بمنتهى اللطف والرحمة.
عند بدء بث تلفزيون رووداو، مد لنا السيد دلوفان يد العون من خلال تزويدنا بكمية من تسجيلات الفيديو الأرشيفية الخاصة بأيام الثورة المسلحة وبنضال البيشمركة قبل انتفاضة العام 1991. كان ذلك في وقت رفضت فيه كافة المؤسسات مدّنا بالمواد الأرشيفية، إلا السيد دلوفان وتلفزيون شعب كوردستان، ورغم فضله الكبير وعلاقته المتينة هذه مع رووداو، إلا أنه لم يتدخل يوماً، ولو هاتفياً، في الشؤون التحريرية لرووداو، مع أنه كان بموجب موقعه مطلعاً دائماً على الشؤون السياسية.
كان مهتماً جداً بالتوثيق والأرشفة، كان يتابع دقائق الأرشفة، تحدث لي ذات مرة بالتفصيل عن كيف ينبغي أن يهتم الرؤساء والزعماء بخطبهم وكلماتهم، لأنها تعتبر شاهداً على فترة معينة وستكون بعد حين مادة تاريخية يتناولها الباحثون ببحوثهم ودراساتهم، وهذه الخطابات ستصبح جزءاً من مادة بحثية لأولئك الباحثين، لذا من المهم جداً تثبيت تاريخ ومكان تلك الخطب في نهايتها.
الإقبال الكبير على مجلس العزاء والتعبير الواسع عن مشاركة الأحزان لوفاة دلوفان البارزاني إنما يليقان به وبعائلته وبالحزب الذي عمل فيه منذ مولده وحتى وفاته دون أن يكون له منصب حزبي فيه.



