(1)
مهما تكن نتائج انتخابات بغداد القادمة، وبعيداً عن الشعارات الرنانة التي ترفعها الكيانات السياسية، فإن الهدف منها هو الحصول على المناصب السيادية في بغداد. السياسة الإيرانية منذ تحرير العراق وإلى اليوم مضت إلى أمام على أساس ثابت يتمثل في أن يتولى منصب رئيس الوزراء في العراق شيعي مهما كان الثمن، وأن يكون هذا الشيعي من الذين يدينون بالولاء المطلق لإيران، وأن يكون رئيس الجمهورية كوردياً، وبالرغم من كون هذا المنصب تشريفاتياً، لكن إيران تريد أن يكون من يمثل واجهة بغداد كوردياً وليس عربياً سنياً، وتقصد من وراء هذا ضرب الهوية العربية العراقية.
خلال الفترة الماضية، وحتى عند تولي الطالباني فترة رئاسية ثانية، تبين أن الكورد لم تعد لديهم سلطة تنفيذية ولا تشريعية في بغداد، وأنه تم إلهاؤهم بمنصب تشريفاتي. ولم يكن إصرار الكورد على ذلك المنصب في أغلبه من منطلق ستراتيجي، بل كان إشباعاً لرغبة الزعامة عند الطالباتي (الذي كان يطمع في ذلك المنصب منذ كتابة الدستور)، ومن جهة أخرى، كان ذلك آلية للعب الأدوار من جانب الزعيمين (البارزاني والطالباني)، لكن ذلك المنصب وامتيازاته المالية تحولا فيما بعد إلى ملكية لعائلة الطالباني، وكان ينظر إليه على أنه مصدر دخل أكثر من كونه سياسياً.
لذا، وخلال الأربع سنوات الأخيرات، وبرغم كل الخروقات الدستورية من جانب بغداد، لم يكن لدى رئيس الجمهورية الجرأة ولو لمرة واحدة، على الظهور بمظهر الحامي للدستور، وحتى عندما أصدرت المحكمة الدستورية قرارها لصالح الكورد في قضية حجب وقطع حصة كوردستان من الموازنة العامة، لم يستطع رئيس الجمهورية اتخاذ موقف حازم وحاسم، وفي كل المشاكل بين أربيل وبغداد كان رئيس الجمهورية محايداً أو معبراً عن الأمل! ولما لم يبق على فترة بقائه في منصبه غير بضعة أشهر، جاء الآن ليقدم رئيس مجلس النواب إلى المحاكمة بخصوص قانون الموازنة العامة للعام 2018! وهذه حركة استعراضية يدرك هو بنفسه أنها غير مجدية وقد أفلتت الأمور من عقالها، في حين كان من الممكن لموقف واحد من جانب رئيس الجمهورية من إجراء الاستفتاء في كوردستان تغيير كثير من الأمور وأن يمنع الكثير من الكوارث التي وقعت.
من الذي سيتولى رئاسة الجمهورية؟
(2)
نظراً لغياب منصب رئيس إقليم كوردستان، فإن تقاسم المناصب في أربيل وبغداد والذي كان قائماً على مدى الاثنتي عشرة سنة الماضية، قد انتهى. وموقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني من هذا واضح رغم ما يقال عن كون منصب رئيس الجمهورية من حصة الكورد (لكن هذا ليس منظما بالقانون والدستور كما في لبنان، بل هو مجرد نتاج لاتفاق سياسي ورغبة إيرانية)، إلا أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يعد مستعداً للتخلي عن هذا المنصب ولا عن منصب محافظ كركوك لصالح الاتحاد الوطني الكوردستاني، وليس مستعداً لدعم مطالبة الاتحاد الوطني بهما. لذا فعندما اقترحت عائلة الطالباني (إلى جانب هدفها الرئيس المتمثل بترحيل الدكتور برهم صالح إلى بغداد) منصب رئيس الجمهورية على الدكتور برهم صالح، رفض الأخير هذا المقترح لأنه كان يدرك جيداً بأن تلك العائلة لم تعد تتحكم في منح هذا المنصب لمن تشاء!
ومنذ الآن، تريد الأوساط العربية ومعها تركيا، منح هذا المنصب للعرب السنة وتغيير عنوان العراق من دولة شيعية موالية لإيران وإعادة منحه الهوية العربية، لتتمكن بذلك من تعزيز علاقاتها مع بغداد، وتوفير المزيد من الموارد لإعادة إعمار المناطق السنية التي أصابها الدمار. وهكذا ظهر هناك العديد من العرب السنة الطامحين إلى أن يكون رئيس جمهورية العراق القادم من نصيبهم.
لم يجن الكورد خلال الفترة الماضية شيئاً يذكر من هذا المنصب وسلطاته التشريفاتية، وهذا ما يجعل الإصرار على أن هذا المنصب من حصة الكورد، خطأ قاتلاً والسعي للحصول على منصب رئيس مجلس النواب أفضل الخيارات لتمكين الكورد من ممارسة دور في توجيه الأحداث في بغداد، وفي منع تحول مجلس النواب (الذي يعمل على أساس الأغلبية والأقلية) إلى محل للتكالب على الكورد، مثلما حصل في السنوات الأربعة الماضيات عندما صدرت العشرات من القوانين التي لم تكن ضد الكورد فحسب بل كانت تهدف لمعاقبة شعب كوردستان وزجرهم.
إن حصول الكورد على هذا المنصب، سيعزز موقع الكورد في بغداد في كل المحادثات المستقبلية المتعلقة بمستقبل الكورد في العراق، وسيزيد من تأثير أربيل على القرار السياسي في العراق.
لا تكحلها فتعميها!
(3)
مشروع قانون الأصلاح في الرواتب التقاعدي، رواتب الموظفين والمخصصات، الذي رفعته الحكومة في شهر شباط إلى البرلمان، ولولا جشع بعض البرلمانيين وحيرتهم بين الاختيار بين مصالحهم ومصالح الشعب، كان من الممكن أن يمكن الحكومة من إلغاء نظام الادخار في رواتب الموظفين الآن، لأن من شأنه أن يوفر لخزينة الحكومة مائة مليار دينار. ومن المؤكد أن غالبية الأحزاب ليست مسرورة بهذه الخطوة وهي على مفترق الطرق هذا. فالأحزاب الكبيرة تخشى أن يؤدي تطبيق هذا القانون إلى تخلي بعض ناخبيها عنها، والأحزاب المعارضة تخشى أن تقيد الحكومة بهذه الخطوة يديها من الخلف وتبطل سحر عزفها على وتر الرواتب وقوت الشعب. لهذا يجب على الحكومة أن تطالب البرلمان بالإسراع في عرض القانون على جلسة علنية للبرلمان (لتقطع طريق المزايدة على الجميع) ويناقش القرار مناقشة نهائية خلالها.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



