المدن، التاريخية منها خاصة، هي سجل حضارات الأمم والشعوب، بعضها تغادرك حالما تغادرها ولا تبقى منها في ذاكرتك سوى بعض القصص والصور، وبعضها، وهذا المهم، تبقى في داخلك، لا تغادرك حتى إذا غادرتها، بل وتقع في عشقها، تلك هذه المدن العصية على الزمن ولا تنال منها الأحداث والحروب، تبقى صامدة بفضل أهلها الذين يحافظون على ديمومتها، ومدينة أصيلة القديمة، المغربية، التي تقع على شاطئ المحيط الأطلسي، إحدى هذه المدن التي تبقى راسخة في ذاكرة من يزورها.
رووداو زارت مدينة أصيلة العتيقة، كما يطلق عليها أهلها (الزيلاشيون)، فالأصيلي، الرجل، يسمى (زيلاشي) والمرأة (زيلاشية) نسبة إلى (أزيلا) وهي تسمية محرفة لكلمة (أرزيلا) التي أطلقها عليها البرتغاليون وقد احتفظت المدينة بهذا الاسم حتى بعد أن استعادها الحكم الإسلامي سنة 1550، ودلفت إليها، إلى أسواقها ومحيطها (البحر) كما يسمونه، من خلال بواباتها التاريخية.
لا يحتاج من يزور المدينة القديمة في أصيلة إلى أي دليل سياحي أو خريطة كما لا يحتاج إلى تخطيط مسبق، بل تركنا خطانا لتقودنا إلى أزقتها الساحرة، وحتى ندلف إليها، كان علينا أن نجتاز بواباتها التاريخية، أن نتسلل إلى حاضرها من خلال تاريخها الذي يعايشه السكان وكأنهم يشكلون امتداداً لأجيال ولدت واستقرت وعاشت هنا منذ مئات السنين.. هنا سنتعرف على بوابات أصيلة.
حسب تاريخ المدينة فإن تاريخ أبواب أصيلة، العتيقة، يرتبط بفترة الاحتلال البرتغالي لأصيلة عام 1471، حيث عمد البرتغاليون إلى تحويل المدينة إلى معقل عسكري محصن وشيدوا السور الحالي الذي يبلغ طوله 1200 متر، المحيط بالمدينة العتيقة لتأمين قواتهم.
بُنيت الأبواب، كما أبواب كل المدن التاريخية، كجزء أساسي من هذه المنظومة الدفاعية للتحكم في حركة الدخول والخروج، وحملت تاريخياً طابعاً برتغالياً عسكرياً امتزج لاحقاً بالترميمات الإسلامية الأندلسية بعد استرداد المدينة.
الأبواب الرئيسية لمدينة أصيلة العتيقة تؤدي إلى أحيائها وساحاتها، كما تنفذ إلى روح الحياة اليومية للناس هنا وللسائحين الذين يصلون كحشود تبلغ المئات من الزائرين الإسبانيين والإيطاليين والفرنسيين والبريطانيين وحتى الروس، يومياً، لكن أعدادهم تبلغ الآلاف منهم خلال الصيف.

تركني سائق السيارة عند مدخل باب القصبة، وهو المدخل الأكثر شيوعاً لدى كل الزائرين لقربه من مركز المدينة ومن ساحل المحيط الأطلسي والمطاعم. ويعد باب القصبة واحداً من أهم أبوابها، ويقع في الجهة الشمالية الشرقية ويؤدي إلى منطقة القصبة المزدحمة طوال اليوم بالمحلات التجارية وبالزوار وبالسكان على حد سواء. باب القصبة كان عبارة عن بوابة عسكرية تؤدي مباشرة إلى المقر المحصن للحاكم والجيش، وخضع هذا الباب لتغييرات معمارية عديدة لتعكس الطابع الأندلسي والمغربي بعد تحرير المدينة على يد السلطان مولاي إسماعيل عام 1691.

بعد أن نجتاز الساحة الرئيسية ونذهب باتجاه اليمين ستواجهنا باب البحر التي تقود مباشرة إلى ساحل المحيط الأطلسي، يقع هذا الباب في الناحية الشمالية الغربية للمدينة في الجهة المقابلة للميناء، ويعد من أشهر بوابات المدينة التاريخية ويجسد العمارة الساحلية بأقواسها الحجرية التقليدية، وكان يمثل الشريان الرئيسي للاتصال بالميناء وتأمين الإمدادات البحرية للقوات البرتغالية. حتى أن بريد المغرب أصدر طابعاً بريدياً تذكارياً يخلده.

قبل أن نصل إلى باب السوق، سيكون على يسارنا المسجد الكبير، أكبر وأقدم جوامع أصيلة، وعبر منفذ ليس عريضاً محاط بمحلات لبيع العطور والبخور وزيوت التجميل، سنكون عند باب السوق الذي يقع في الجدار الشرقي للمدينة ويؤدي إلى حي القيسارية وزنقة التجارة وأسواق المدينة التي تزدهر اليوم بأنواع مختلفة من الصناعات والحرف اليدوية النسيجية والجلدية والزجاجية والخزفية والحلويات المغربية، وكل هذه المنتجات، إضافة إلى التي تصنع يدوياً في أصيلة، فأغلبها تأتي من طنجة وآسفي وتطوان وفاس، ومدن مغربية أخرى.
سألت حسن، تاجر السجاد في زنقة التجارة، عن الطريق إلى المدينة الحديثة، أصيلة، فأشار لي بالمرور من خلال باب الحومر، حسب التسمية الدارجة (باب لحومر)، الذي يقع على الجانب الشرقي للسور، ويقود حالياً إلى أسواق مدينة أصيلة الجديدة، شيدها البرتغاليون تحت اسم (باب الأرض) لتكون المعبر الرئيسي للسكان نحو مزارعهم وبساتينهم. تغير اسمها إلى "باب الحومر" تيمناً بمعركة تاريخية شهيرة دارت بين المغاربة والبرتغاليين في قرية (الحمر) المجاورة، واستشهد فيها الشيخ المتصوف أبو الحسن الناصري عام 1519.

غواية دروب وأزقة وزناقي أو زنق (مفردة زنقة)، المدينة العتيقة لم تتركني أن أخرج منها بل واصلت السير بين جدرانها المطلية بالأزرق والأبيض وبوابات أبنيتها الخضراء، لتقودني في ممرات جدرانها تحمل جداريات رسمها فنانو المدينة إلى باب القريقية، الذي يفضي إلى الركن الجنوبي الغربي للمدينة ويؤدي إلى برج القريقية المشيد منذ مئات السنين بالصخر كجدار لصد أمواج المحيط والغزاة.. هناك توقفت لألتقط أنفاسي وأترك لبصري أن يسرح في الزرقة الداكنة لمياه المحيط الأطلسي، وأن ألتقط صوراً بانورامية لمدينة أصيلة العتيقة.. المدينة التي لا تنسى، قبل أن أعود إلى تفاصيل أحيائها.


.jpg&w=3840&q=75)