كل من يقرأ كتاب (خلف كواليس الثورة) الذي يورد اعترافات جعفر شفيعيزادة، قائد الوحدة الخاصة للثورة الإسلامية الإيرانية وحماية آية الله الخميني في باريس وطهران، ويتحدث عن إسقاط شاه إيران وقيام حكم الثورة الإسلامية في إيران، يفقد الثقة في أن ما يراه الإنسان بأم عينيه هو الحقيقة المطلقة. فرغم أن الله في رسالاته إلى البشر جعل الأساس للتأكد من حقيقة حدث أو جريمة، شهادة من شهدوا الحدث بأنفسهم. لكن حيل وخداع البشر في هذا العصر، قلبت هذا الأساس رأساً على عقب. فالحقيقة في كثير من الأحيان ليست ما يراه الإنسان بعينه، بل أن الوصول إلى الحقيقة يطالبك بالوعي لرؤية ما خلف الكواليس أيضاً.
ما يجري الآن في العراق مثال على هذه الحالة. ليس من اللازم أن تكون الحقائق هي ما يعرض على كل العالم. مظاهرات ثم تطورها إلى مواجهات مسلحة في العاصمة ومدن الجنوب الشيعية، وموقف جمهورية إيران الإسلامية والصف الأول من السياسيين العراقيين الموالين لإيران، وتصرفات الحشد الشعبي وخطاب المرجعية، وما تتناقله وسائل الإعلام عن إرسال فرق للقمع وقناصين، وكل ذلك يخبرنا بأن إيران تقف بالضد من هذه المظاهرات وتؤيد بقاء كابينة عادل عبدالمهدي الحكومية، ولو أن تقييم المعادلات وقراءة الأحداث كانا من هذا المنطلق الذي يكشف عنه ظاهر المعادلات، فلا شك أن المنطق يقضي بأن تكون إيران ضد التطورات الحالية في العراق. لأن كل العالم يدرك حقيقة أن بغداد هي ظل طهران في المنطقة.
ورغم الحضور الأمريكي في العراق كخصم لدود لإيران، ونفوذ دول الخليج وتأثيرهم على السنة العراقيين، فإن الذي يلعب الدور الحاسم في المعادلات العراقية هو جمهورية إيران الإسلامية. موقف ودور العراق من المشاكل والخلافات بين إيران وأمريكا، وإيران والخليج، ونفوذ ومكانة إيران في المناطق السنية وكوردستان، وسوريا ولبنان، مصدره سطوة طهران على بغداد. لذا لو كانت التظاهرات ضد نفوذ إيران فإنها سرعان ما ستخبو. لكن المؤشرات من خلف المشهد الظاهري تشير إلى أن إيران هي من يقف خلفها. السؤال هو: إن كان نفوذ طهران في العراق قد بلغ هذا المبلغ، فأي مصلحة ترجوه من المظاهرات المعادية للحكومة وبالتالي زعزعة استقرار العراق؟
ومع أن حكم الشيعة في السنوات الست عشرة الأخيرة حوّل العراق إلى خراب، إلى بلد يصدر أربعة ملايين برميل نفط في اليوم ولا يجد ماء للشرب، بلد يملك 112 مليار برميل من الاحتياطي النفطي ولكنه مدين بـ125 مليار دولار، ونسبة الفقر فيه تكاد تصل إلى نصف عدد السكان، والأموال المفقودة والتي تم هدرها بلغت 450 مليار دولار، وفيه 15 مليون عاطل عن العمل، وبلغ العوز والفاقة والظلم والجور مستويات خطيرة. كما تم فيما سبق اغتيال آلاف من حملة شهادات الدكتوراه بسبب أسمائهم فقط، والآن هناك الآلاف من حملة شهادات الدكتوراه والماجستير ومئات الآلاف من خريجي الجامعات بلا عمل، بينما الأميون والمنفلتون والفئات الدنيا من المجتمع يتم تعيينهم في صفوف الحشد الشعبي والمؤسسات العسكرية والأمنية. هذه كلها أسباب رئيسة ليس فقط للمظاهرات، بل لقيام ثورة، لكن هل مازالت في المدن الشيعية فرصة للنهوض والانتفاض؟
ليس لأمريكا ولا القوى السنية العراقية ولا بقايا البعث ولا الدول السنية المعادية للشيعة أي تأثير على المحافظات الشيعية في العراق. فإيران تحكم سيطرتها عليها لدرجة لا تسمح لها بالتنفس. هذا يعني أن ما يجري في المحافظات الشيعية ليس من عمل يد أجنبية ولا أخرى خفية وخارجية ولا هو بثورة الجياع، بل هو استخدام للجياع لتحقيق أهداف أخرى قد تظهر خباياها بعد عشرات السنين. إيران الآن مشغولة بصراعاتها مع أمريكا وإسرائيل، ومع السعودية، وإلى جانب الحرب التي يخوضها الحوثيون بالوكالة في اليمن، فإن حاجتها إلى جغرافيا أخرى لتوسيع جبهات الصراع، سبب قوي لتعقيد الأوضاع في العراق ثم توريط واستخدام الحشد الشعبي لنفس الهدف الذي ورط من أجله الحوثيون.
وفي حال تطور الخلاف والصراع الأمريكي مع إيران، لا يستبعد أن تقوم إيران وكما هي عادتها بطرد الأزمة من أرضها. كما أن هناك آراء تقول إن إيران بحاجة إلى المزيد من الوقت لتمتلك السلاح النووي. لهذا فهي بحاجة إلى إشغال خصومها بمشاكل وأزمات أخرى لكي توفر لنفسها الوقت الكافي لتحقيق هدفها. لهذا من الطبيعي في مرحلة حساسة ومصيرية كهذه، أن يكون العراق كبش الفداء.
وبالنسبة للوضع الداخلي العراقي، فإن الانتقال إلى مرحلة أخرى من التسلط الشيعي احتمال آخر يستوجب تخريب وضع العراق. فبعد احتلال جغرافيا السنة من قبل القوى الشيعية بذريعة الحرب على داعش، واحتلال أكثر من نصف جغرافيا الكورد في 16 أكتوبر بذريعة إجراء الاستفتاء، كان هؤلاء بحاجة إلى استثمار تلك النجاحات. كما لم يكن ممكناً الانتقال بالحكم الشيعي إلى تلك المرحلة بصورة مباشرة. كان لزاماً ترويض الكورد والسنة لقبول المرحلة الجديدة التي بلغها الشيعة، وكان ذلك بحاجة إلى فترة من الزمن، ويمكن أن يكونوا قد اقتنعوا الآن بأنه قد آن الأوان. لذا ليس مستبعداً أن توجه الأحداث باتجاه يؤدي في النهاية، وكضرورة للمرحلة، إلى فرض صورة أخرى من صور الحكم.
كما عُلم أن إقليم كوردستان، وفي آخر لقاء قمة بين إقليم كوردستان وبغداد، أوحى لبغداد بأنه لم يتخل عن الاستقلال. لا شك أن مسؤولي العراق لو كانوا يصغون بأذن لبغداد فإن أذنهم الثانية تصغي لطهران. لهذا ليس مستبعداً أن تكون التطورات الداخلية في المناطق الشيعية سيناريوهات تمهد لوضع العقبات والعراقيل في طريق إقليم كوردستان. كما حدث مع داعش، فعندما ظهر أول مرة في الموصل توقع العالم كله أن تكون وجهته بغداد، لكنه اتجه صوب سنجار وكوردستان. فليس ببعيد أن تكون أهداف هذه البدايات مناطق أخرى.
يجب أن يتوخى كوردستان المزيد من الحذر من بغداد، ولا يجوز أن يقول إن هذه النار بعيدة عني. يجب أن يعد العدة لمواجهة احتمالات متوقعة كقطع الميزانية وأحداث في كركوك والمناطق الكوردستانية الواقعة خارج الإقليم استعداداً لجر كوردستان إلى أتون الأحداث وإيقاعنا في أزمة مالية جديدة. كما يجب أن يستعد إقليم كوردستان لاحتمالات غير متوقعة كأن يكون الغرض الحقيقي من هذه الأحداث هو استهداف كوردستان.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



