إعادة د. نجم الدين كريم من أمريكا وتعيينه محافظاً لكركوك وعضواً في المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكوردستاني بقرار من مام جلال، أضرت كثيراً بمسألة كركوك. لأن القرار أثار الكثير من الاستياء عند قسم من قيادة الاتحاد الوطني الكوردستاني، لكن دعم مام جلال ومجموعة قوية داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني له، جعلت استياء الساخطين بلا أثر. لكن استياء تلك الجبهة الساخطة تحول إلى حقد على أهالي كركوك وقضيتها، وساهم العمل على ضرب وإضعاف د. نجم الدين كريم في تمهيد الأرضية لما آلت إليه حال كركوك اليوم.
رغم بقاء نجم نجم الدين كريم متألقاً لفترة، بعد مرض مام جلال، وخاصة بعد انتخابات مجلس النواب العراقي التي رأس فيها قائمة الاتحاد الوطني الكوردستاني في كركوك، إلا أنه لم يعرف كيف يغتنم ذلك النصر، بل بدأ يتصرف من عنده وبدون الرجوع إلى قرارات الاتحاد الوطني ومكتبه السياسي. تدخله في قطاع النفط والتنسيق مع إقليم كوردستان لربط أنبوب نفط كركوك بكوردستان وتصدير هذا النفط إلى تركيا، وسع جبهة المناوئين له داخل الاتحاد الوطني، إلى أن بلغ الأمر حد دخول قسم من الاتحاد الوطني الكوردستاني في محاولات مشتركة مع مراكز شيعية وإيرانية في بغداد لإضعافه وتنحيته. كما أن رفع علم كوردستان وقرار إجراء الاستفتاء في كركوك، سرعا من هذه العملية، فتشكلت جبهة واسعة ضده وقرر البرلمان العراقي إقالته من منصبه محافظاً لكركوك.
لم يكن الهدف من وراء استهداف نجم الدين كريم إقالته من منصبه كمحافظ فقط، بل كانوا يريدون تقديمه للمحاكمة أيضاً ثم طرده من الاتحاد الوطني الكوردستاني. كما لم يكن الهدف من اللجوء إلى بغداد يقتصر على إقالة المحافظ، بل كان يهدف أيضاً إلى تعيين بغداد لمحافظ كوردي لكركوك يكون ولاؤه لبغداد وليس لكوردستان. لكن ظروف تلك الفترة لم تكن مساعدة لتعيين شخص كهذا، فقد كان قسم كبير من قيادات الاتحادي الوطني لا يزال يؤيد بقاء نجم الدين كريم وكان الحزب الديمقراطي الكوردستاني يسانده. أنهى 16 أكتوبر قصة نجم الدين كريم، لكن بغداد لم تنفذ الجانب الآخر من الخطة ولم تعين المحافظ الكوردي الآخر وتركت لنائبه العربي مهمة الولاء لبغداد.
بقدر ما كانت الصراعات مرتبطة بمعادلات داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني واستقدام نجم الدين كريم والخوف من أن يصبح بديلاً لأشخاص آخرين، أي أنه بقدر ما كانت الصراعات شخصية، كانت بالقدر نفسه مرتبطة بالأجندات الكوردستانية والعراقية لاتجاهي الصراع. فبعد 16 أكتوبر وحتى تعطيل مجالس المحافظات، كانت هناك فرصة طولها نحو سنتين لكي تنصب الجبهة الكوردستانية محافظاً كوردياً من جانب مجلس المحافظة بعيداً عن سطوة بغداد لتعديل وضع كركوك المتدهور. لكن الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وغياب القراءة الصحيحة للمعادلة، وعدم فهم الديمقراطي الكوردستاني لأجندة الصراعات، ضاعت الفرصة على الكورد. طغت الأجندة العراقية على المعادلات، لكن تثبيت هذه الأجندة كانت بحاجة إلى تمهيد على أرض الواقع، فكانوا بحاجة إلى استئناف عملية التعريب، وهو ما جرى على قدم وساق في العامين الأخيرين بكركوك.
يستطيع الكورد إيقاف ذاك التعريب بطرق عديدة، لكن محاولاتهم لإيقافه لا تضاهي حتى تلك التي كانت في أيام ضرب الكورد بالسلاح الكيمياوي وتعرضنا للأنفال، وهذا موضع تأمل، لماذا ليس للكورد أي رد فعل؟ بينما يستطيع على أرض الواقع وحتى من بغداد منع هذه الحملة. سياسة الدولة وستراتيجيتها الآن واضحة، وهي عبارة عن التطهير العرقي للكورد وتعريب المدينة. فحتى في ظل هذا الوضع المعقد للعراق وتدهور أوضاع محافظاته واستقالة رئيس الحكومة، مازالت الأجهزة الحكومية في كركوك والجيش مستمرين في استقدام العرب واحتلال أراضي الكورد وإقامة حزام أمني من خلال توطين العرب في القرى المحيطة بكركوك وصولاً إلى مشارف كويسنجق وأربيل، ومن الجهة الأخرى يضغطون على سكان قرى داقوق لإخلاء كركوك من الخلف.
يستطيع الكورد منع تطبيق هذه الستراتيجية من خلال تغيير سياسة إدارة كركوك وذلك بالحصول على منصب محافظ كركوك، أو على الأقل من خلال المشاركة في الإدارة. تم تضييع فرصة سنتين كما أسلفت. وعندما عطل البرلمان العراقي مجالس المحافظات، لم تعد أمام الكورد فرصة تعيين محافظ كوردي لكركوك بآلية لا دخل لبغداد فيها، لأن قرار البرلمان أسند كل الصلاحيات الدستورية والقانونية لتعيين محافظ إلى بغداد.
تظاهرات بغداد والمناطق الشيعية أتاحت للكورد فرصة للتفكير في كركوك، فقد أدت استقالة رئيس الوزراء واستمرار التظاهرات إلى أزمة لا تستطيع معها بغداد تعيين رئيس وزراء جديد حسب الإجراءات الدستورية والقانونية النافذة، ما سيؤدي قريباً إلى نقل كل سلطات رئيس الوزراء إلى رئيس الجمهورية. بهذا ستعود المعادلة إلى البداية التي تمت من أجلها إزاحة نجم الدين كريم، فقد كان رئيس الجمهورية الحالي مشاركاً في المعادلة تلك. حينها تملصت بغداد من تنفيذ جزء الاتفاق الذي يخص تعيين محافظ على هوى الاتحاد الوطني الكوردستاني، ووقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني عائقاً. أما الآن، فستكون سلطة تعيين محافظ لكركوك في ملعب الاتحاد الوطني الكوردستاني بصورة غير مباشرة، ولن يعود هذا الحزب بحاجة لمساعدة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في هذا السياق. فبسبب الفراغ الإداري القائم في كركوك منذ أكثر من سنتين وإدارتها بالوكالة، يستطيع رئيس الجمهورية أن يحسم الأمر ويعين محافظاً كوردياً من الاتحاد الوطني الكوردستاني.
ولأن المنصب شاغر وهو من حصة الكورد، فلن يلام رئيس الجمهورية على تنحية محافظ عربي وتعيين كوردي بدلاً عنه. ففي متناول رئيس الجمهورية عشرات الوثائق والأدلة التي تثبت أن المحافظ بالوكالة يدير المحافظة بطريقة غير دستورية. فمجرد فتحه الباب في وجه عودة الوافدين الذين غادروا كركوك من خلال إجراءات دستورية وبعد تعويضهم بموجب المادة 140، يكفي لإثبات أنه خرق الدستور.
أهمية كركوك عند رئيس الجمهورية وحتى عند الاتحاد الوطني الكوردستاني ستظهر من خلال استفادته من هذه الفرصة المتاحة بطريقة تكون في صالح الكورد وكركوك.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



