في القسم الذي خصصه للحديث عن أحداث الثورة ونهاية سلطته في إيران، أثار محمد رضا بهلوي في مذكراته الموسومة "إجابة على التاريخ"، عدداً من القضايا الهامة تاركاً الإجابة عنها للتاريخ. فيقول في موضع من الكتاب: "لم يكن قد حدث شيء بعد في البلاد، كان البلد آمناً وفي طريقه للتقدم. زارني السفير الأمريكي في البيت ليلاً واقترح علي أن أسافر إلى الدول الأوروبية لفترة، والأفضل أن أغيب عن البلد بضعة أشهر. ثم تبين لي فيما بعد أنه في نفس اليوم الذي طلب مني السفير الأمريكي هذا، نشرت واشنطن بوست خبراً بعنوان: فر شاه إيران وغادر بلاده".
في مكان آخر من الكتاب، يبدي بهلوي استغرابه من سماعه خبر زيارة رئيس (ناتو) لطهران وبقائه هناك عدة أيام بدون أن يزور ملك البلاد، في حين كان الشاه في طهران وحكومته تعمل بصورة طبيعية. يقول: سألت وزير الحرب عن هذا، فأبدى هو أيضاً استغرابه لأنه هو أيضاً لم يلتق به. رغم أن محمد رضا بهلوي مات في الغربة بعد فترة قصيرة من الإطاحة بعرشه، ولم يحصل على إجابات عن التساؤلات التي تركها للتاريخ، فإنه وبعد سنوات قليلة من الثورة تبينت حقيقة الدور الأمريكي والغربي في إثارة الاحتجاجات في إيران ثم إشعال الثورة ومساعدة الإمام الخميني والمجيء به إلى السلطة.
هناك الآن أدلة مثبتة كثيرة توضح حقيقة وقوف أمريكا والغرب وإسرائيل وراء تغيير نظام الشاهنشاه في إيران والإمساك بيد الإمام حتى إجلاسه على كرسي السلطة في إيران. فحتى خلال حرب الثماني سنوات بين إيران والعراق (1980-1988) كانت الأسلحة الأمريكية تصل إلى إيران عن طريق إسرائيل إلى جانب دعم حرس الثورة الإيرانية لكي لا يهزموا في الحرب.
ربما يكون من الصعب على الذين يرون الوجه الخارجي للأحداث وامتلأت رؤوسهم بالشعارات التي تردد في إيران منذ أربعين سنة "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل"، أن يصدقوا كون أمريكا وإيران مكملين لستراتيجية واحدة في المنطقة. خاصة عندما يرون أن الخلاف والصراع بين البلدين بلغ حد قيام أمريكا بقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، الذي كان عملياً الرجل الثاني في إيران، فإنهم لن يصدقوا أن الدولتين ليستا عدوتين لبعضهما البعض.
تقيّم السياسات بنتائجها، فبعد مرور أربعين سنة، ظهر كثير من النتائج وربما تساهم إثارة الأمور والتفكير فيها بعمق في إظهار أن الأحداث تخفي وراءها أهدافاً أخرى. فقد كانت إيران في عهد الشاه تشهد تقدماً سريعاً في النواحي الصناعية والزراعية وتنمو بسرعة. إذ كانت طهران قبل سقوط نظام الشاه بسنوات قليلة تنافس الدول الصناعية والغرب لتتصدر قائمة الدول النامية. أسقطوا الشاه وسلموا السلطة للثورة الإسلامية، هذه الآيديولوجيا التي أنتجت على مدى أربعين عاماً أربعة أجيال مدربة على الإبداع في البكاء والنحيب على الحسين وزرع الكراهية وروح الانتقام، بهدف الثأر للحسين من أولاد معاوية.
قبل اندلاع الثورة في إيران، كان الفكر الديني المتشدد في بلاد السنة من العالمين العربي والإسلامي، والفكر العروبي في المجتمعات العربية السنية، في عداء لإسرائيل ينمو يوماً بعد يوم. لكن انقلبت الآية منذ ظهور جمهورية إيران الإسلامية، وبدأت الدول العربية والإسلامية التي كانت فيما سبق مصدر تهديد لإسرائيل، تتحالف معها الواحدة تلو الأخرى، وتوجه غضبها صوب إيران. هكذا دخل أمن إسرائيل مرحلة الاستقرار الآن، وأصبح بإمكانها أن تعمل مستقبلاً لتحقيق ستراتيجية "من النيل إلى الفرات" التوسعية.
كما قدمت إيران، من الناحية الاقتصادية خدمات كبيرة لاستقرار الاقتصاد الأمريكي، حيث دفعت جميع دول المنطقة صوب شراء السلاح الأمريكي، وجعلتها تشتري سنوياً أسلحة بمليارات الدولارات من أمريكا بدون أن تكون هذه الدول بحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة، وظهور أتاوة من نوع جديد فرضت مؤخراً على دول الخليج، والتي يسميها ترمب ضريبة الحماية، حيث يفرض على هذه الدول أن تدفع أموالاً طائلة لأمريكا لأنها تحميها. فتحلب أمريكا دول المنطقة بفضل النفوذ الإيراني.
إن نظرنا إلى مستقبل المجتمع الإنساني من زاوية أوسع وأكثر ستراتيجية، فعلينا أن نرى حقيقة أن الإسلام يكاد يتحول إلى خطر على العالم القائم خارج دائرته. من خلال انتشار الفكر المتشدد وإنكار الآخر، ونتيجة للنمو السريع في عدد سكان الدول المسلمة. فبعد خمسين سنة ستتجاوز نسبة المسلمين نصف سكان الأرض وسيتحول الإسلام إلى تهديد كبير للمستقبل يسعى للسيطرة على العالم. لذا لا شك أن الحضارات الأخرى، والأديان والمجتمعات الأخرى تعمل من الآن على تلافي ظهور هذا التهديد وتحجيم الإسلام وتقليصه.
وإيران واحدة من وسائلهم وطرقهم التي يستطيعون بفضلها تحقيق هذا الهدف. عندما نلتفت إلى القرن الماضي نجد أن الغرب ساعد في تقوية مكانة السنة من الناحية الاقتصادية والقدرة العسكرية، لدرجة أن باكستان أصبحت تمتلك السلاح النووي، وأصبح لدول الخليج رأسمال اقتصادي ضخم. لكن لو أنعمنا النظر في العقدين الأولين من هذا القرن، نجد أن المعادلة انقلبت لتنصب على تسليح وتقوية الشيعة. فقد كانت أمريكا هي التي أعانت إيران على السيطرة على عواصم عدد من دول المنطقة والارتقاء بالنفوذ الشيعي إلى مستوى يحفظ التوازن مع النفوذ السني. كما تغاضت عن قيام إيران بتعزيز قدراتها العسكرية، وحلبت هي الطاقات والقدرات الاقتصادية لهذه الدول لصالحها.
أصبح السنة أقوياء ومستعدين في الماضي، وإيران باتت تشرف على أن تكون كاملة الاستعداد. كما أن خلافاتهم وجراحهم مهدت إلى حد كبير الأرضية للتصادم ولحرب كبرى. الحقد وروح التشدد لدى الطرفين تصاعدا لدرجة الاستعداد لارتكاب عمليات إبادة جماعية، كما نبتت روحية الانتقام في دواخل الطرفين ولم يبق إلا اتخاذ قرار تحديد مكان وزمان اندلاع حرب كبرى إسلامية – إسلامية. من خلال هذا، سيبعدون خطر الإسلام عن المجتمع الإنساني، ويصنعون للإسلام عدواً هو الإسلام نفسه. فإن كنت سنياً لا بد أن يكون الشيعة أعداءك، وإن كنت شيعياً لا بد أن يكون السنة أعداء لك. لا ينبغي أن يرى الإسلام أي حضارة أو دين آخر خطراً وعدواً له، غير الإسلام. هذه هي الستراتيجية الغربية الجديدة لتحقيق الاستقرار في العالم.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



