اعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ليلة ٣٠ اذار هذا العام بانه سيتوقف عن التفاوض مع الكتل السياسية لتشكيل الحكومة وانه سيعطي " (الثلث المعطل) فرصة للتفاوض مع جميع الكتل بلا استثناء لتشكيل حكومة أغلبية وطنية من دون الكتلة الصدرية، من أول يوم في شهر رمضان المبارك وإلى التاسع من شهر شوال المعظم".
بدوره اعلن الاطار التنسيقي بانه سيقدم مبادرة لحل النزاع السياسي وبدأ بحراك داخلي واجتماعات ماراثونية مع كتلتي عزم والاتحاد الوطني لكنه لم يتمكن استقطاب قوى اخرى وبالأخص تحالف السيادة والحزب الديموقراطي.
اكثر من ستة أشهر مضت على الانتخابات ولازالت الكتل السياسية تدور في حلقة مفرغة غير قادرة على تشكيل الحكومة، والجميع من دون استثناء بدا وكأنه ليس في عجلة من أمره لإستكمال المتطلبات الديمقراطية لعملية الإنتخابات وبذلك فانهم اخلفوا العهد والوعد مع ناخبيهم ومع الدولة ومصالحها. ان الانسداد السياسي يضر الجميع وفي المقدمة مصالح الدولة العليا المهددة بالإنهيار نحو الهاوية.
▪︎ بوادر التصدع في تحالف انقاذ وطن
فرض تفسير المحكمة الاتحادية حول المادة 70 من الدستور واقعا سياسيا صعبا على تحالف انقاذ وطن وجعل مهمته في انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة شبه مستحيلة من دون التوافق مع القوى السياسية الأخرى. حاول التحالف جاهدا ولكنه اخفق ثلاث مرات بجمع 220 نائب لإكمال نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وكانت اخرها جلسة يوم 26 اذار 2022.
يرى بعض المراقبين بان اعلان زعيم التيار الصدري اعتكافه مدة أربعون يوما ومنعه للهيئة السياسية الصدرية اجراء اللقاءات السياسية والتفاوض مناورة سياسية فيما يرى البعض الاخر بانه خطأ تكتيكي جديد يضاف الى الاخطاء الأخرى، اذ ان فسح المجال امام الاطار ساهم في توطيد العلاقات بين الاطار التنسيقي والقوى السياسية التي قاطعت جلسة مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية، بالإضافة الى فتح باب واسع لتحرك الاطار على مكونات التحالف الثلاثي.
تحالف السيادة كان اول من استهدفه الاطار التنسيقي وبدأ بالضغط على الدول الإقليمية الداعمة لتحالف السيادة، والتسريبات في أروقة المباحثات تفيد بان الامارات العربية المتحدة اوعزت الى تحالف السيادة ببدء إجراء حوار مع الاطار. وقد اجرى رئيس مجلس النواب ورئيس تحالف تقدم محمد الحلبوسي لقاءات مطولة وموسعة غير معلنة مع قادة الاطار الأسبوع الماضي وقال قيادي في الاطار التنسيقي بان الحلبوسي "ابلغنا بانه بات يقف على مسافة واحدة مع الاطار والتيار وانه لن يمضي في مشروع اكمال تشكيل الحكومة من دون اتفاق بين التيار والاطار" واكد هذا التوجه قيادي في تحالف تقدم وقال "بانهم باتوا اقرب الى الاطار من التيار".
الى ذلك زار أربيل وفد إيراني برئاسة سفير ايران الأسبق حسن دانائي فر يوم 12 نيسان 2022 والتقى بقيادات الحزب الديموقراطي وعلى رأسهم زعيم الحزب مسعود بارزاني وقال مصدر مطلع بان دانائي فر جدد مطالبته الديموقراطي الكردستاني عدم شق الصف الشيعي وترك حرية اختيار رئيس الوزراء للتيار والاطار من دون تدخل الكورد والسنة.
يذكر ان ايران شنت هجوما صاروخيا على أربيل يوم 13 اذار 2022 وعزا الكثير من المراقبين سبب الهجوم الى محاولة منع أربيل من المضي في تشكيل الكتلة الأكبر مع التيار الصدري وان جاء الإعلان الإيراني الرسمي بوجود مقرات للمخابرات الإسرائيلية الأمر الذي نفته أربيل جملة وتفصيلا، وبينت اللجنة البرلمانية المشكلة من مجلس النواب بانه لا يوجد أي دليل على وجود هكذا مقر في موقع القصف. وقال مصدر مطلع بان وزير الخارجية العراقي الذي زار طهران مؤخرا حمل رسالة من قيادة الحزب الديموقراطي مفادها بان الحزب لن يمضي بمشروع تشكيل حكومة الأغلبية من دون توافق شيعي بين الاطار والتيار.
▪︎ الاطار يدور داخل حلقة مفرغه
بالتزامن مع اعتكاف زعيم التيار الصدري، اعلن زعيم دولة القانون نوري المالكي في تغريدة يوم 30 اذار الماضي "اعددنا ورقة مبادرة لإيجاد حل لحالة الاختناق بعدما تأكد ان التحالف الثلاثي لم يتقدم بمبادرة إيجاد حلول واقعية تضمن العملية السياسية من الانهيار" ووعد بان يبدأ الحوار في غضون يومين "لانضاج المبادرة والانطلاق بها الى باقي القوى والمكونات السياسية"، الا انهم اصطدموا بإعلان الحزب الديموقراطي وتحالف السيادة بقاءهم مع تحالف انقاذ وطن وعدم الخوض في اجتماعات مع الاطار.
بعد مرور أسبوع على مبادرة المالكي، طرح زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم مبادرة من تسع نقاط في الثامن من نيسان 2022 وقال "إنني ومن موقع المسؤولية الأخلاقية والوطنية أدعو القوى المتصدية الممثلة للمكون الاجتماعي الأكبر وجميع شركائنا في الوطن إلى الخروج من واقع الانسداد السياسي القائم"
تتمحور مبادرات الاطار التنسيقي وكذلك خطابه بالدرجة الأساس على "تسمية الكتلة الأكبر وفق ما نص عليه الدستور عبر القوى الممثلة للمكون الاجتماعي الأكبر" ما معناه ان يتم تشكيل كتلة شيعية خالصة وتسمى الكتلة الأكبر وعندها يتم اختيار رئيس الوزراء والانطلاق الى تشكيل الحكومة، وهذا ما رفضه الصدر وبقي محل خلاف بين الاطار والتيار.
حاول الإطار طرح المبادرة وجذب القوى الصغيرة والمتوسطة، لكنها لم تتجاوب معه عدا الكتل التي كانت متفقة معها أساسا وهي تحالف عزم بقيادة مثنى السامرائي والاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة بافل طالباني. واقتصرت اجتماعاته على هذه القوى من دون التمكن من جذب قوى جديدة. الا انهم باتوا متمسكين اكثر ولهم ثقة اكبر بان تحالف انقاذ وطن لن يتمكن من جمع 220 نائب بعد عيد الفطر ولا سبيل امامهم الا التوافق او استمرار الانسداد.
▪︎ حلول ترقيعية وإستعادة النموذج اللبناني
يرى مراقبون بان تحالف انقاذ وطن دخل في نفق لا يمكنه الخروج منه الا بعد عودة زعيم التيار الصدري الى الساحة السياسية وحتى عند عودته قد لا يجد أي حلول حقيقية للمضي في تشكيل الحكومة كما يريد والسبب هو تركه الساحة السياسية وشركاءه في مرمى ضغوطات الاطار.
يرى البعض بان احدى الخيارات امام الصدر هو الخروج بتظاهرات حاشدة ضد الأحزاب، الا ان هذه الفكرة تفتقر الى بُعد النظر، لان خروج الصدر هو خروج على السلطة التي هو يتحكم بها، اذ ان سيطرته على الحكومة الحالية ومجلس النواب باتت واضحة وان التيار الصدري اليوم يتسيد المشهد السياسي والحكومي والبرلماني بشكل كبير واي تظاهرات ضد الوضع القائم إنما هي تظاهرات ستنال من التيار الصدري قبل غيره.
بدأت النخب المجتمعية وخاصة مجاميع الواتساب التي تضم عقول واصوات سياسية في بلورة الأفكار وطرح سبل معالجة الانسداد، من بينها استمرار الحكومة الحالية مع اجراء تعديلات في بعض الحقائب بإقالة الوزراء غير المرغوب بهم وتعيين وزراء جدد من خلال التصويت عليهم في مجلس النواب، او اقالة الوزير وتكليف وكيل الوزارة بدلا منه كما حصل مع وزارتي الكهرباء والصحة. او اقالة الوزير وتكليف وزير اخر من الكابينة الحالية كما حصل مع وزارة الهجرة والمهجرين ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية. لكن الخلل هنا يكمن في أن الحكومة الحالية وحسب المادة 46 من الدستور تعتبر مستقيلة، فلا يمكن اقالة وزير في البرلمان يعد أصلا مستقيلا، ما يعني ان استجواب وزير مستقيل واقالته غير واقعي وغير عملي. بالإضافة الى التصويت على وزير جديد من مجلس النواب ليشغل حقيبة وزارية في حكومة مستقيلة يعتبر بدعة دستورية جديدة تدور في ذهن البعض متناسيين بانه ليس حلا بل خرق واضح وصريح للدستور ولا يمكن القبول به مهما كانت الأسباب. وهناك اتجاه اخر يذهب الى فكرة إعادة تكليف رئيس الوزراء الحالي فقط من قبل رئيس الجمهورية مع تغيير الكابينة الوزارية وتعين كابينة جديدة يتم التصويت عليهم من مجلس النواب، الا ان هذه الفكرة تصطدم مع واقع انه ليس من صلاحية رئيس الجمهورية الحالي تكليف احد كرئيس للوزراء كون هذا التكليف مناط الى رئيس جمهورية يتم انتخابه من قبل مجلس النواب.
كذلك الحال مع استمرار الحكومة الحالية بكامل صلاحياتها وإقرار قانون الموازنة او على اقل تقدير تمرير قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية الذي يعمل عليه مجلس النواب حاليا، وقد قال رئيس مجلس النواب في كلمته بذكرى تأسيس منظمة بدر يوم امس "مجلس النواب يمضي الآن بتشريع قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية الذي تقدمت به الحكومة، وبغض النظر عن الاعتراضات على إشكالية إرسال هذا القانون لكن مضمون فقراته تبنتها القوى السياسية لإيجاد حلول بالتنسيق مع الحكومة... جاءت لمعالجة الأزمة الغذائية والدوائية لمواجهة موجة ارتفاع الأسعار عالميا، ولدفع مستحقات الفلاحين، وتسديد التزامات الدولة بملف الطاقة، وتوفير التخصيصات اللازمة للإعمار، والاستحقاقات الشعبية التي يجب أن تنفذها الدولة" يرى مراقبون بان هدف تمرير القانون ليس فقط معالجة أزمة الامن الغذائي بل ماتضمنه القانون من تخصيصات مالية للمشاريع وخصوصا المشاريع المتلكئة والمتأخرة وتسديد التزامات الدولة من خلال القانون. في الوقت التي يساعد تمرير القانون الحكومة في الوفاء بالتزاماتها، فانها تفتح قنوات مهمة لتمويل احزاب السلطة وهذا يعني استمرار الانسداد السياسي لمدة أطول (شهور او سنين).
طالما كانت لبنان مرجعا لقيادات سياسية عراقية في النظام الجديد ولدى الكثيرين منهم ارتباطات سياسية او اجتماعية او مذهبية معها. من الواضح بان القيادات والزعامات السياسية غير قادرة على إيجاد حلول عملية لمعالجة الانسداد وانها على وشك تطبيق تجربة لبنان والتي كما هو معروف أدت بلبنان الى الإنهيار الإقتصادي وإعلان إفلاسه، وقد بدأت هذه القوى فعلا بتطبيق هذه التجربة المريرة بدءا بتشكيل الثلث المعطل في مجلس النواب، وبالتالي استمرار الانسداد السياسي لأطول مدة ممكنة سنة او سنتين، خاصة اذا ماتم تمرير قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية. ومن الغريب حقا أن تقدم قوى سياسية على إستعادة وتطبيق تجربة فاشلة امام اعينهم بدل الاستعانة بالتجارب الناجحة من دول العالم.
▪︎ نتائج الازمة السياسية
الانتخابات المبكرة ساهمت بشكل كبير في تراجع الأداء السياسي والحكومي لما يقارب السنة. اذ ان الحكومة تباطأت بمسيرتها كونها أصبحت حكومة تصريف اعمال وتحددت صلاحياتها الفعلية حيث لم تتمكن ان إقرار الموازنة المالية لعام 2022 وباتت تصرف وفق قانون الإدارة المالية لعام 2919. الى جانب تأجيلها لمعظم القرارات الأساسية الى ما بعد تشكيل الحكومة القادمة.
في الوقت ذاته، انشغلت القوى السياسية بنتائج الانتخابات واجراء الحوارات من دون جدوى، وهذه الحوارات ولدت حالة من الانسداد السياسي ليصبح العراق في اضعف حالاته فاستغلته القوى الإقليمية والدولية لصالحها بشكل ملفت.
شنت ايران وبشكل علني لأول مرة منذ نهاية حربها مع العراق عام 1988 هجوما صاروخيا ضد اهداف مدنية داخل العمق العراقي وسط مدينة اربيل، وهي مطمأنة من عدم اتخاذ أي اجراء يذكر ضدها، وكانت واثقة على مايبدو من صمت القوى السياسية والحكومية وعدم إتخاذها لأي إجراء او رد يذكر، وبالفعل، انقسمت القيادات السياسية العراقية والحكومية، بين مندد ومؤيد للهجوم الصاروخي الإيراني.
كما دشنت تركيا هي الأخرى حملة عسكرية جوية وبرية واسعة النطاق يوم 17 من هذا الشهر داخل الأراضي العراقية وبعمق 20 كيلومترا، وتفيد الاخبار بأن القوات التركية سيطرت على شريط حدودي يضم ما يقرب من 300 قرية. وبدت انقرة مطمئنة بانها لن تواجه أي مقاومة او استنكار من العراق وهذا ما حصل، اذ لم تصدر أي جهة رسمية او سياسية أي بيان الا بعد مضي 24 ساعة على الهجوم في حين التزمت أكثرية الأحزاب السياسية الصمت المطبق. وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في كلمة ألقاها أمام البرلمان التركي يوم امس "أتمنى النجاح لجنودنا في هذه العملية التي نقوم بتنفيذها بالتعاون مع الحكومة العراقية" ، معربا عن امتنانه لـ "الدعم" من "الحكومة المركزية والإدارة الإقليمية" ، "في اشارة الى حكومة اقليم كردستان.
يرى مراقبون ان الهجوم الإيراني والتركي خير دليل على ضعف العراق بسبب الخلافات السياسية ووقوف القيادات والزعامات السياسية موقف المتفرج وكأنها غير معنية لما يحصل من إنتهاك لسيادة دولتهم التي يتنازعون على قيادتها، من دون الإكتراث للتجاوزات التي تهدد الامن القومي لعقود من الزمن مستقبلا.
جدير بالذكر ان سمعة العراق وقياداته في المجتمع الدولي بات مثار تندر وامتعاض، وبدأت تقارير تظهر على مواقع مهمة تثير التساؤل حول جدوى مساعدة العراق في الوقت الذي لا يبادر العراق بمساعدة نفسه، اذ نشرت وزارة الخارجية الامريكية تقريرا مفصلا حول خروقات حقوق الانسان التي تمارس في العراق وقدمتها للكونغرس الأمريكي. في حين كتب حمزة حداد في موقع العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي "يعتبر الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه من بين أكبر الجهات المانحة للمساعدات التنموية في العراق، لكن شهيتهم لدعم دولة ذات دخل أعلى من المتوسط تتضاءل بفضل الحرب في قارتهم. تحتاج الدول الأوروبية الأكثر انخراطًا في العراق إلى الضغط على القادة العراقيين للتوصل إلى اتفاق، وتمرير الميزانية الفيدرالية، والاستثمار في تنمية بلادهم".
على الزعامات والقيادات السياسية ان تدرك جيدا انها باتت تلعب بمستقبل البلاد والعباد على حد سواء، فشلهم في الوصول الى حلول يتحمل مسؤوليته هم دون غيرهم، ولم يعد أمامهم الكثير من الخيارات، اما المضي بإكمال العملية الديموقراطية من خلال التوافق مع الأطراف السياسية وهو ما فرضه تفسير المحكمة الاتحادية او العودة الى صندوق الاقتراع او الفوضى. اما البحث عن الحلول ترقيعية وغير دستورية فان نتائجها كارثية وستجر البلاد الى الهاوية عاجلا او آجلا.



