في كل مرة تشتد فيها رياح الأزمات
السياسية في العراق، يجد بعض الأطراف في ذلك فرصةً لإعادة فتح ملف قوات البيشمركة،
مُلوحين بتساؤلات حول شرعيتها ومشروعية وجودها، غير أن هذا الجدل المتكرر لا يعكس
غموضاً في النص الدستوري بقدر ما يعكس توظيفاً سياسياً لتفسيرات مبتورة.
فالمتأمل في دستور العراق لسنة
2005 بعين قانونية محايدة لن يجد البيشمركة على هامش الشرعية، بل سيجدها راسخةً في
صلب البنيان الدستوري.
تكفي المادة (121/ خامساً) من
الدستور العراقي وحدها للإجابة عن كل تساؤل، إذ نصّت صراحةً على اختصاص حكومة
الإقليم بـ"تأسيس وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم، كالشرطة والأمن وحرس
الإقليم". وإن كان النص لم يذكر مصطلح "البيشمركة" بالاسم، فإن
مصطلح "حرس الإقليم" كان مفهوماً لدى جميع أطراف العملية الدستورية
آنذاك بوصفه الإطار القانوني الذي تندرج تحته قوات البيشمركة بالتحديد، لا غيرها.
وهذا ليس تأويلاً مُتكلَّفاً، بل
قراءة في السياق التاريخي والسياسي الذي وُلدت فيه هذه النصوص.
ويزداد هذا البنيان الدستوري
رسوخاً حين نستحضر المادة (117/ أولاً) التي اعترف فيها الدستور بإقليم كوردستان
وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً. والمعنى القانوني لهذا الاعتراف أعمق مما يبدو
للوهلة الأولى، فالدستور لم يُنشئ الإقليم من العدم، بل اعترف بكيانٍ كان موجوداً
بمؤسساته قبل عام 2005، ومن بين تلك المؤسسات القائمة يومئذٍ كانت البيشمركة
حاضرةً وفاعلة. وعليه فإن الاعتراف بالإقليم هو اعترافٌ بمؤسساته الأمنية بالضرورة
المنطقية والقانونية معاً.
أما الحجة الأكثر تداولاً في
أوساط المشككين، وهي التذرع بالمادة (9) لوصف البيشمركة بـ"المليشيا"،
فهي حجة تسقط أمام أدنى فحص قانوني. فالبيشمركة لا تعمل في فراغ مؤسسي أو خارج
سلطة الدولة، بل تخضع لحكومة منتخبة ديمقراطياً، ولها وزارة رسمية معترف بها،
وميزانية مُقرة من برلمان شرعي.
والمليشيا في تعريفها القانوني هي
التنظيم المسلح الخارج عن سلطة الدولة، وهو وصف لا ينطبق على البيشمركة من أي وجه.
أما المادة (110) التي تحصر الدفاع الوطني باختصاصات الحكومة الاتحادية، فإنها
تنصرف إلى السياسة العسكرية الوطنية العليا، ولا تتعارض مع صلاحية الإقليم في
إدارة قواته الأمنية الخاصة، بل إن المادة (115) تُرجّح صلاحيات الإقليم عند
التعارض في غير الاختصاصات الحصرية.
وتأتي محاضر اجتماعات لجنة كتابة
الدستور العراقي لسنة 2005، بوصفها وثيقةً رسمية تُعد مرجعاً تفسيرياً معتمداً
للنصوص الدستورية، لتضع النقاط على الحروف.
فقد نصت مسودة الدستور صراحةً على
أن من مهام حكومة الإقليم "إدارة وتنظيم حرس الإقليم وقوى الأمن الداخلي وحرس
الحدود"، مع تمييز واضح بين "حرس الإقليم" و"حرس
الحدود". والأهم من ذلك أن المحاضر أشارت إلى أن بعض الأعضاء اعترضوا على
إدراج حرس الحدود ضمن صلاحيات الإقليم دون أن يعترض أحدٌ على حرس الإقليم. هذا
الصمت التوافقي إزاء البيشمركة هو في حد ذاته دليلٌ دامغ على أنها كانت أمراً
مُسلَّماً به من جميع الأطراف، ولم تكن يوماً موضع جدل داخل اللجنة ذاتها.
ولا يمكن قراءة الشرعية الدستورية
للبيشمركة بمعزل عن جذورها التاريخية والإنسانية العميقة، فهذه القوات لم تُولد
بقرار سياسي على طاولة مفاوضات، بل تشكلت عبر عقود من النضال ضد الديكتاتورية،
وترسخت في وجدان الشعب الكوردي من خلال تضحيات جسيمة، من جبال كوردستان إلى مجازر
الأنفال إلى سماء حلبجة المخيمة بالغاز. هذه الشرعية الشعبية والتاريخية سبقت
الدستور وأوجدته، والاعتراف بها لم يكن منّةً من أحد بل كان واجباً تاريخياً.
وفي الختام، لا بد من الإقرار
بوجود تحديات داخلية حقيقية تتعلق بتوحيد قيادة البيشمركة وإعادة هيكلتها مؤسسياً،
غير أن هذا الملف يبقى شأناً داخلياً خالصاً يعود حصراً لإقليم كوردستان ومؤسساته
المنتخبة. فكما لا يحق لإقليم كوردستان التدخل في الهيكل التنظيمي للجيش العراقي،
لا يحق لأي جهة اتحادية توظيف هذه التحديات الداخلية ذريعةً للنيل من شرعية
البيشمركة الدستورية. والخلاصة هي أن من يطعن في مشروعية البيشمركة لا يطعن في قوة
عسكرية فحسب، بل يطعن في دستور العراق الذي صوّت عليه الشعب، ويطعن في الإرادة
التي لا تقهر لشعب كوردستان.



