وصل رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق في زيارة رسمية يحمل معها خطاب “الشراكة الاستراتيجية”، والنفط، والتجارة، وربط العراق بالبحر المتوسط. لكن وراء هذه العناوين الإيجابية، تقف ملفات أمنية ثقيلة لا يجوز تأجيلها أو تغليفها بصياغات دبلوماسية مبتذلة: داعش لم ينتهِ، والحدود لم تُضبط فعلياً، وآلاف السجناء السوريين مازالوا في السجون العراقية دون حل واضح.
من الطبيعي أن تتحدث الحكومات عن النفط والطاقة والاستثمار، فهذه لغة الدول والاقتصاد. لكن من الخطأ أن تُقدَّم هذه الملفات كأنها البديل عن الأمن، أو كأن توقيع مذكرات تفاهم قادر وحده على حل أزمة عمرها سنوات.
العراق يبحث عن منفذ إلى المتوسط، وسوريا تبحث عن موارد وشرعية وشراكات. هذه مصلحة متبادلة حقيقية. لكن أي خط نفط من كركوك إلى بانياس، وأي ممر تجاري عبر الأراضي السورية، سيبقى هشاً ما دامت البادية والحدود مساحة لتحرك الخلايا المسلحة والتهريب والتمويل غير المشروع.
لا يمكن أن نبني “ممراً اقتصادياً” فوق أرض لم نضبطها أمنياً. هذا ليس تفاؤلاً، بل مغامرة. التنظيم ما زال حاضراً، ولم يُقضَ عليه.
ومن الخطأ أن يُقدَّم تراجع الهجمات كدليل على انتهاء الخطر. داعش لا يحتاج إلى سيطرة إقليمية لكي يكون خطراً؛ يكفيه خلايا صغيرة، وشبكة تمويل، وتهريب، وقدرة على استغلال أي فراغ أمني.
أخطر ما في هذه الزيارة ليس النفط، ولا خطوط الأنابيب، بل آلاف المعتقلين السوريين في السجون العراقية. طلبت دمشق تسليم نحو 4,000 سوري لتُحاكمهم في سوريا، والعراق رفض التسليم الجماعي. ثم ظهر برنامج “تصنيف المعتقلين وإعادة النظر في حالاتهم”.لكن التنفيذ حتى الآن لا يليق بحجم الملف: عشرات أُعيدوا في البداية، ثم دفعة من 140 شخصاً. أما الباقون، فما زالوا داخل معادلة غامضة بين القضاء العراقي والمخاوف الأمنية والضغوط السياسية.
هذا التأجيل ليس حياداً؛ إنه مخاطرة. فالسجن المكتظ قد يتحول إلى مدرسة لإعادة التجنيد، وملف المعتقلين قد يتحول إلى قنبلة موقوتة إذا بقيت بلا آلية واضحة وجدول زمني ملزم.
إذا كانت زيارة الزيدي تريد أن تكون أكثر من جلسة تصوير وبيانات مشتركة، فعليه أن يضع الملف الأمني في المقدمة، لا في الهامش. المطلوب ليس “تنسيقاً” عاماً، بل:
- لجنة أمنية واستخباراتية دائمة بين بغداد ودمشق.
- خطة عملية لضبط الحدود ومنع التهريب وحركة المقاتلين.
-
- حصر دقيق لكل سجين سوري في العراق، وتصنيفه قضائياً وأمنياً.
- محاكمات عادلة وسريعة، لا أحكاماً جماعية ولا اعتماداً على اعترافات مشكوك فيها.
- إعادة منظمة للسوريين الذين لا توجد بحقهم أدلة كافية، مع ضمانات للجانبين.
- معالجة ملف الأطفال واليافعين بشكل مستقل، قبل أن يتحولوا إلى جيل جديد من الاستقطاب.
الزيدي يملك فرصة حقيقية لبناء علاقة جديدة مع دمشق، لكنه يواجه خطراً أكبر: أن تتحول الزيارة إلى واجهة اقتصادية تخفي وراءها تأجيل الملفات الأمنية.
ولا يمكن قياس نجاح هذه الزيارة بعدد الاتفاقيات أو حجم المذكرات، بل بسؤال واحد: هل خرجت بغداد ودمشق بآلية واضحة لحماية الحدود، وحسم ملف داعش، ومعالجة آلاف السجناء؟.
إذا كان الجواب لا، فالشراكة الاقتصادية ستكون واجهة جميلة فوق أرضية هشة. أما إذا كان الجواب نعم، فحينها فقط يمكن الحديث عن شراكة حقيقية، لا عن مصلحة مؤقتة بين حكومتين تبحثان عن صورة نجاح.


.webp&w=3840&q=75)