قبل نحو 13 أو 14 سنة من الآن كنت أعمل في مؤسسة (خَندان)، كانت مؤسسة موثوقة ومهمة تابعة لحكومة إقليم كوردستان ولا زلت أتحدث عنها من منطلق الأمانة المهنية، بعثوا لنا ملفاً عن طريق البريد الإلكتروني، كان ملف تحقيق سري حول "قيام عدد من رؤساء البلديات بتسلم قطع أرض سكنية لأنفسهم أو لأفراد عوائلهم"، وطرح الموضوع في اجتماع مجلس إدارة خندان وتقرر نشره في مجلتنا (هەفتانە).
تم تسليم الملف للصحفي (راويز كامران) وتكليفه بإعداد تقرير استقصائي عن الموضوع. بعد نشر التقرير، كانت هناك ضجة وأصبح الموضوع حديث الساعة في الإعلام والقنوات الإعلامية وفي داخل المجتمع الكوردي وتعالت أصوات الاستنكار في كل المدن والقصبات التي وردت أسماء رؤساء بلدياتها في التقرير، في حين لم يكن الآلاف من ذوي الشهداء والمؤنفلين والبيشمركة قد حصلوا على قطع أراض سكنية لهم، فكيف يقبل أن يحصل في نفس الوقت أشخاص على عدد من قطع الأراضي.
من كرميان إلى المصايف الجبلية، تم رفع 17 شكوى قانونية على ما أذكر ضد مجلة هەفتانە ومؤسسة خندان، وظل راويز كامران بصفته معد التقرير وخالد سليمان رئيس تحرير المجلة يترددان على المحاكم حتى السنوات الأخيرة، وفي كل الحالات خسرت خندان الدعاوى، لأن تحقيقات المحاكم وبالاعتماد على أسماء أمهات وأولاد الأشخاص المستفيدين، تبين أن لبعضهم نفس الأسماء الرباعية لرؤساء البلديات، بل أن أسماء زوجات بعضهم كانت متشابهة.
لاحظوا هذا، أن يوجد في ناحية شخصان أو ثلاثة أشخاص تتشابه أسماؤهم الرباعية، وربما يكون عدد هؤلاء أكبر، ففي ذلك الملف الذي كان يضم فقط أسماء الحاصلين على قطع أراض سكنية ظهر العديد من الأسماء المتماثلة، فكيف بعدد الأسماء المتماثلة في كل كوردستان؟
ما دعاني لرواية هذا الحادث، هو أنه في الأيام الأخيرة وعلى هامش سعي بغداد للتملص من صرف المستحقات المالية لإقليم كوردستان، عمد الإعلام والشبكات الاجتماعية العراقية وبعض وسائل الإعلام الكوردية لتبرير عدم صرف رواتب موظفي إقليم كوردستان إلى الحديث عن أن وزيرة المالية العراقية اكتشفت عيباً كبيراً في قائمة متقاضي الرواتب بإقليم كوردستان وأن هناك شخصاً يدعى (شريف) ورد اسمه في قوائم ثلاث وزارات. فإن كان هناك في ناحية مثل (حاجياوا) ثلاثة أسماء رباعية مماثلة لاسم رئيس بلديتها لماذا قد يكون مستغرباً لو ضمت قوائم موظفي كوردستان اسم شريف الثلاثي ثلاث مرات، ويجب الرد على بغداد في هذا السياق بأن تكرار اسم شريف في قوائم رواتب إقليم كوردستان إنما هو بسبب كثرة الشرفاء بين الكورد.
هذه الحجج والذرائع التي تخرج بها بغداد كل شهر بطريقة مختلفة ومن مركز قرار مختلف لتعيق بها أداء التزاماتها الدستورية والقانونية بصرف ميزانية الإقليم، هدفها إبقاء أهالي كوردستان في أزمتهم المالية لتتحول في الأخير إلى عامل مساعد على خلق بيئة تتكالب جهات عدة على خلقها، بهدف إسقاط تجربة الإدارة الذاتية الكوردية. ولو كانوا يتحججون سابقاً بأن إقليم كوردستان يبيع نفطه بنفسه، فقد منعت بغداد منذ نحو سنة كوردستان من بيع نفطه وهي ليست مستعدة لتصدير نفط إقليم كوردستان، لإنها إن باعت نفط إقليم كوردستان بنفسها لن تعود في يدها أي حجج وسيكون لزاماً عليها أن تطلق حصة إقليم كوردستان من الموازنة. إن غرض بغداد واضح وهو أنها لا تريد أن يكون لكوردستان ظفر يحك به رأسه، فتتلاعب بأهالي إقليم كوردستان مرة في المحكمة الاتحادية ومرة في مجلس الوزراء ومرة في اللجنة المالية النيابية ومرة في مجلس النواب ومرات في وزارة المالية.
ما ينبغي أن يرى هنا كما هو، هو أن هناك في داخل إقليم كوردستان تفسيرات خاطئة لسياسة بغداد هذه، فيفهم البعض الأمر فهماً خاطئاً ويقول إن كل ما يجري في بغداد يجري بتحريض من إيران والهدف منه هو أن تستسلم أربيل لإيران. الجزء الصحيح في هذا التفسير هو الذي يرتبط بكون إيران هي من يدير دفة العراق وأنها إيران التي تتعامل مع أربيل من خلال بغداد بتلك الطريقة، لكن الخطأ في هذا التفسير هو القول بأن الضغوط تهدف لتقريب أربيل من إيران. فالسليمانية مقربة لإيران، وتم في قانون الموازنة تثبيت إمكانية أن تتعامل بغداد مالياً مع السليمانية بصورة مباشرة، فلماذا إذن لا تطلق بغداد رواتب متقاضي الرواتب في السليمانية؟ القضية واضحة، وهي أن إيران مؤمنة بحقوق الكورد في العراق بقدر إيمانها بحقوق الكورد في إيران، وربما بمقدار أقل. وعندما سمحت بتثبيت تلك الفقرة في قانون الموازنة العراقية، أن تقوم بغداد بتمويل السليمانية، إنما كان ذلك لإيجاد مخرج لوصول الأموال إلى طهران عندما تغلق أمريكا كل طرق تدفق أموال العراق إلى طهران، فتتخذ السليمانية كطريق بديل.
لن يتمكن إقليم كوردستان في ظروفه هذه من الانتصار على السياسات الإيرانية، لذلك يتحتم عليه البحث عن طرق أخرى. وكخطوة أولى، يجب الأخذ بالبعد الدولي للدستور العراقي واللجوء إلى أمريكا والمراكز الدولية، فعندما كتب الدستور العراقي وتمت المصادقة عليه، كان العراق بموجب قرار مجلس الأمن الدولي في ظل الاحتلال الأمريكي. والدستور العراقي حمل إلى مجلس الأمن الدولي وتمت المصادقة عليه هناك أيضاً. وما تفعله بغداد بالكورد يقع جزء منه على أمريكا وحلفائها. فأموال بيع النفط العراقي واحتياطي العراق من العملة موجودان في أمريكا. وعلى إقليم كوردستان أن يطالب رسمياً، وبما أنه يتعرض للإجحاف من جانب بغداد التي تحرمه من حصته من الموازنة، أن يطالب أمريكا بصفتها حكماً دولياً أن تعزل حصة إقليم كوردستان من الموازنة وبموجب الدستور وقانون الموازنة العامة العراقية، وتسلمها مباشرة لإقليم كوردستان. والأموال الموجودة في البنك الفدرالية الأمريكي كإحتياطي عراقي فيها حصة إقليم كوردستان الذي يجب عليه أن يطالب بحصته من تلك الأموال لتجاوز هذه الأزمة.
وفي حال اليأس من أن يأتي هذا الطريق بثمار، لا ينبغي انتظار معجزة، فليس في الأفق أي دلائل على حدوث معجزات تخلص الكورد من مخالب هذه الذئاب. يجب أن يفكر كوردستان في مجازفة. فقد تبين أنهم لا يقرون بحقوقك، ولا يكتفون بمنعك من أن تكون لديك ثرواتك وعائداتك، ولا يمنحونك أدنى استحقاقاتك المتمثلة في رواتب الموظفين، بل يهاجمونك ويتعرضون لك بحجج وذرائع غير صحيحة وغير عادلة. معلوم أيضاً أن كوردستان لا يستطيع لوحده مواجهة قوتهم ونفوذهم، والعراق عاجز عن حماية إقليم كوردستان ولا يريد أصلاً أن يكون إقليم كوردستان في مأمن.
في أوضاع كهذه، فإن اللعب بالوقت وانتظار المستجدات وبعض الأحداث لتجاوز الأخطار يشبه الاستسلام للقدر، لأن هناك احتمال أن لا تحدث الأحداث التي تتوقعها. القائد الشجاع هو الذي يضمن بقاء شعبه بصدمة مهما كان نوعها. ولهذا يجب على الكورد أن يختلقوا الأحداث في سبيل بقائهم.



