تمضي بغداد في مسار دبلوماسي وأمني يعكس نضجاً في التعاطي مع الملفات الإقليمية والدولية، وهو ما بدا واضحاً في التحركات الأخيرة التي تعكس صعود العراق كطرف فاعل في قضايا المنطقة. الاتصال الهاتفي بين رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليس مجرد تواصل بروتوكولي، بل يأتي في سياق دقيق يعكس موقع العراق المتنامي في شبكة التوازنات الإقليمية.
منذ سنوات، كان العراق ساحة للصراعات الدولية وتصفية الحسابات، إلا أنه اليوم بات أكثر قدرة على المناورة السياسية والحفاظ على مصالحه العليا وسط معادلات متغيرة. فبغداد التي شهدت زيارة وزير الخارجية السوري، وتحضر لاستضافة القمة العربية المقبلة، تتحرك وفق نهج متوازن يجمع بين الانفتاح الإقليمي وتثبيت الاستقرار الداخلي.
أدركت بغداد أن الثبات على موقف صلب دون القدرة على التكيف مع المتغيرات السريعة قد يجعلها رهينة للضغوط الدولية. ومن هنا، تبنّت نهجاً مرناً يسمح لها بالحفاظ على علاقاتها المتنوعة، سواء مع الجوار العربي أو مع القوى الدولية مثل فرنسا، التي باتت ترى في العراق شريكاً أمنياً وسياسياً لا يمكن تجاوزه.
الاتفاق على التنسيق لعقد النسخة الثالثة من “مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة” ليس مجرد فعالية دبلوماسية، بل هو تأكيد على أن العراق أصبح مساحة للحوار بدلاً من أن يكون ساحة للصراعات. هذا التوجه يؤكد حرص بغداد على أن تكون جزءا من الحلول لا جزءا من المشكلات، وهو ما انعكس في الموقف المتزن إزاء الأزمة السورية، حيث يدعو العراق إلى عملية سياسية تشمل جميع مكونات الشعب السوري، وهو موقف يجمع بين الواقعية السياسية والمبادئ الإنسانية.
في مفصل آخر، لم يكن اختيار العراق كشريك دولي في الحرب على الإرهاب مجرد قرار سياسي، بل هو نتيجة خبرة طويلة في ملاحقة الجماعات المتطرفة. الإعلان الأخير عن مقتل زعيم ما يُعرف بـ”ولاية العراق” في تنظيم داعش بعملية استخباراتية دقيقة، يعكس مستوى متقدماً من الاحترافية في العمل الأمني، وهو ما جعل فرنسا تؤكد في اتصال ماكرون مع السوداني على استعدادها لتعزيز التنسيق الأمني.
العراق الذي عانى من الإرهاب لم يكتفِ بالدفاع عن حدوده، بل أصبح طرفاً فاعلاً في الستراتيجية الإقليمية لمكافحة الإرهاب. وهذا الدور لم يكن ليترسخ لولا القدرة على بناء مؤسسات أمنية قادرة على التعامل مع التهديدات بأساليب متطورة، إلى جانب التنسيق المستمر مع الشركاء الدوليين لضمان عدم عودة التنظيمات الإرهابية إلى الساحة مجدداً .
في ظل التوترات المتزايدة، يتحرك العراق وفق رؤية تستند إلى منع الانزلاق نحو مواجهات إقليمية جديدة، سواء في الملف الإيراني أو القضية الفلسطينية أو الأزمة اللبنانية. الرسالة التي حملها ممثل رئيس دولة الإمارات إلى طهران بشأن مشروع سلام إقليمي قد تكون ضمن مسار جديد تسعى بغداد لدعمه، خصوصاً أنها تدرك خطورة التصعيد في المنطقة على استقرارها الداخلي.
وفي هذا السياق، يبقى العراق متيقظاً لأي محاولة لجره إلى صراعات لا تخدم مصالحه. فبينما تشتعل المنطقة بالتوترات، يواصل العراق تعزيز علاقاته مع جميع الأطراف، موكدا ًعلى أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل الخلافات، وهو ما ظهر بوضوح في التنسيق مع فرنسا بشأن إيجاد حلول سلمية للملفات العالقة.
ربما كان العراق في الماضي ساحة للنفوذ الخارجي، لكنه اليوم يثبت أنه قادر على صياغة سياساته بعيداً عن الإملاءات. فالعلاقة مع فرنسا، كما مع غيرها من الدول، تقوم على المصالح المشتركة وليس على التبعية. والعراق الذي يستقبل ماكرون قريباً ليس العراق الذي كان يُملى عليه ما يفعل، بل هو العراق الذي يحدد أولوياته بناءً على رؤيته الوطنية.
إن ما نشهده اليوم هو عراق جديد، يدير علاقاته بحكمة، ويثبت أن دوره في المنطقة لم يعد هامشياً، بل أصبح عنصراً اساسياً في رسم خريطة التوازنات الإقليمية. بغداد لم تعد مجرّد عاصمة تمرّ عبرها الأزمات، بل باتت عقدة وصل أساسية في مشروع التهدئة والاستقرار، مستندةً إلى خبرة أمنية عميقة، ورؤية سياسية مرنة، ونهج دبلوماسي متزن يحفظ لها مكانتها في المنطقة والعالم.



