قالها ترمب لأردوغان كمن يمنح هبةً لا يعنيه مصيرها: “مبروك عليك سوريا”. كأن سوريا ليست دولة ذات سيادة، عضواً في الأمم المتحدة، موقعة على ميثاقها، بل مجرّد جغرافيا سائبة يتداولها الكبار، بلا شعبٍ، بلا حقوق، بلا تاريخ.
هذا ليس تصريحاً عرضياً، بل اختزال فاضح لمنطق “الصفقات الجيوسياسية” الذي حلّ محل القانون الدولي في إدارة شؤون العالم.
إن ميثاق الأمم المتحدة، الذي وُضع لضمان السلم والأمن الدوليين، يؤكد في المادة (2/1) أن “المنظمة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها”، كما تنص المادة (2/4) على أنه:
“يمتنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة”.
فكيف يستقيم هذا مع تصريح يُبارك فيه رئيس دولة كبرى سيطرة دولة أخرى على أراضٍ لدولة ثالثة؟ أليس ذلك انتهاكاً صريحاً لسيادة دولة عضو؟ وأين هي المادة (1) التي تنص على أن من مقاصد الأمم المتحدة “قمع أعمال العدوان أو غيرها من وجوه الإخلال بالسلم”؟!
أما ما يُروّج له تحت عنوان “تحرر سوريا من إيران”، فهو قراءة سياسية محضة، تُلبس ثوباً قانونياً زائفاً. فمتى كان وجود حليفٍ سياسي أو عسكري (كإيران أو غيرها) في أراضي دولةٍ ما بموافقة سلطاتها المركزية، يُعد احتلالاً ؟ وفي المقابل، لماذا يُغضّ الطرف عن الاحتلال الإسرائيلي المستمر لمرتفعات الجولان، رغم قرار مجلس الأمن رقم (497) لعام 1981، الذي نصّ على أن قرار “إسرائيل” بضم الجولان باطل ولاغٍ؟
ثم حين قال ترمب لنتنياهو: “أي مشكلة لديك مع تركيا أعتقد أني أستطيع حلّها ما دمت منطقياً في طلباتك…”، فذلك يكشف كيف أن العلاقات الدولية، كما تُدار اليوم، تخرق مبدأ عدم التدخل المنصوص عليه في المادة (2/7) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنص على:
“ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما”.
إن هذا النهج السياسي يُفرغ القانون الدولي من مضمونه، ويجعل من الأمم المتحدة مجرّد شاهد صامت على إعادة تشكيل الخرائط بالقوة، بينما الشعوب تُهمَّش، ويُقرَّر مصيرها من فوقها.
لكن يبقى مبدأ السيادة وعدم قابلية الدول للتنازل عنها ثابتاً في القانون الدولي العرفي وقرارات الأمم المتحدة.
فلا يحق لأي قوة دولية، مهما بلغ نفوذها، أن تُعيد ترسيم الجغرافيا بالإملاءات، أو تُقايض حقوق الشعوب في سوق السياسة.
وإذا كانت “الشرعية الدولية” لا تحمي الضعفاء، ولا تُقيّد الأقوياء، فإن العالم يسير نحو نظام دولي بلا قانون… حيث السيادة تُستباح، والعدالة تُؤجَّل، والشر يُدار بلغة “المنطق” الذي لا منطق فيه.



