المؤسسة العسكرية في الدول الديمقراطية واجبها حماية الدولة ومؤسساتها وليس حماية النظام السياسي والمنظومة، ولكن للاسف في اغلب الدول العربية والعراق من ضمنها كان هناك عمل ممنهج على تحويل عقيدة المؤسسة العسكرية بوصفها المدافع والحامي للمنظومة اكثر من الدولة ومؤسساتها، مثلما يحصل في العراق لاسيما ما يتعلق بقانون الحشد الشعبي الجديد والذي إذا ما تم اقراره سيلغي قانون رقم (40) لسنة 2016.
هنا ترتكب الفواعل السياسية الممثلة في مجلس النواب خطأ بل خطيئة في توصيف الحشد بالقانون الجديد على انه حامي النظام السياسي والدستور، في حين يفترض هو حامي للدولة ومؤسساتها، لان الانظمة تتغير والدستاتير تعدل او تعطل او تغير بينما الدولة باقية، لأن الحشد الشعبي عندما تأسس كان الهدف هو الدفاع عن دولة وليس عن نظام، حتى فتوى الجهاد الكفائي أشرت ضمناً الدفاع عن العراق كدولة، لأن المرجعية اغلقت الباب بوجه الفواعل السياسية التي تعتاش على حرف مسار النظام السياسي.
وهنا اتساءل اذا اراد الشعب تغيير النظام والدستور هل سيتصدى الحشد الشعبي للشعب؟ لان المادة (2/ اولاً) من مشروع القانون الذي يراد تشريعه نصت على "المساهمة في حماية النظام الدستوري والديمقراطي في العراق" علماً ان المادة (5) من الدستور نصت على "السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية"، والشعب هو مصدر السلطات وشرعيتها ولا احد يستطيع ان يمنع اراده الشعب ورغبته في اختيار شكل ومضمون النظام والدستور الذي يريده، وهنا لابد من المُشرع الانتباه لمثل هذه النصوص التي تصادر ارادة الشعب، ومن نافلة القول أن الجيش والمؤسسات التي يصفها قانون رقم (40) لسنة 2016 بالعسكرية مثل الحشد الشعبي في الدولة المدنية والديمقراطية مؤسسة تتمتع بالاستقلال والحياد التام تجاه النظام السياسي القائم اي السلطة الحاكمة، وفي النظام الديمقراطي للدولة المدنية لا يوجد ما يسمى بالانقلابات العسكري أو ظاهرة تدخل الجيش في الشأن السياسي، من خلال الانتصار لفريق سياسي ضد فريق آخر خلال عملية التنافس السلمي على السلطة، كون السياسة في النظام الديمقراطي مجرد لعبة مدنية صرفة، ومجال مفتوح لجميع المواطنين، وحق من حقوقهم المدنية التي كفلها القانون والدستور سواء من حيث تشكيل الأحزاب السياسية او الترشح في الانتخابات العامة وغيرها، لاسيما ان المادة (9/ أولاً/ أ) من الدستور العراقي نصت على "تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو اقصاء وتخضع لقيادة السلطة المدنية وتدافع عن العراق ولاتكون اداة لقمع الشعب العراقي ولاتتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة".
ولكن الغريب بمشروع قانون الحشد الجديد لم يتضمن اي فقرة تستند للمادة (9) من الدستور العراقي! علماً ان قانون الحشد رقم (40) لسنة 2016 الحالي والذي يريد المشرع الغاءه تضمن في المادة (1/ ثالثاً) والتي نصت على "تتألف قوة الحشد الشعبي من مكونات الشعب العراقي وبما يضمن تطبيق المادة (9) من الدستور، وهذا يعني بالقانون الجديد لا يرعي مبدأ عدم التدخل بالشؤون السياسية، فضلاً عن عدم مراعاة التوازن بما يراعي مكوناته، لذلك اقول ان زج الحشد الشعبي في حماية النظام السياسي سابقة خطيرة لأنه سيتحول إلى اداة قمع، لأن من يحمي النظام هي استقلالية ورصانة وكفاءة المؤسسات وليس تسييسها.
قانون الحشد الجديد تضمن مصطلح "مجاهد" وهذا المسميات والصفات ليس لها سند دستوري وقانوني وانما له اشارات عقائدية، لأن الحشد يوصف هو قوة عسكرية مستقلة، والقوانين التي تشرع يجب ان تنسجم مع الدستور وشكل النظام الديمقراطي، ودستورنا مدني ولسنا نظاماً ثيوقراطياً حتى تكون هذه المسميات موجودة، لأن مفردة مجاهد لها دلالات اسلامية عقائدية في حين يوجد في الحشد اعداد من الشبك والايزدية، والمسيح هل يقبلون بصفة "المجاهد" لمقاتليهم؟، لان المجاهد يتبنى الاسلام وعلى بقية الشرائع الخضوع لشروطه، وهنا ستكمن المشكلة.
كيف سيتعامل الحشد الشعبي مع النظام الفدرالي أو تشكيل اقليم جديد؟
بالمادة (2/ ثانياً) من مشروع القانون الجديد المراد تشريعه نصت على "المساهمة في الدفاع عن البلد وحماية وحدة وسلامة اراضيه ومكافحة الارهاب بجميع اشكاله"، وهنا يبرز اكثر من سؤال هل سيسمح للحشد بالتواجد في اقليم كوردستان؟ الجواب لا، لأن هناك مشاكل كثيرة مع فصائل وجهات تنتمي للحشد، والسؤال الاخر كيف سيتعامل الحشد مع الجهات التي تطالب بالاستقلال الشيعي؟ وهنا تهديد واضح لوحدة العراق، ومن واجبات الحشد بالقانون الجديد الحفاظ على وحدة واستقلالية اراضي العراق؟! علماً ان الجهات التي تطالب بالاستقلال "الشيعي" هي نفسها من تتبنى تشريع القانون الجديد للحشد.
تشكيلات عسكرية بين عقيدة مقاتل وعقيدة مجاهد
بالقوانين العسكرية النافذة يوجد مسمى "مقاتل" بينما في قانون الحشد الجديد يوجد مسمى "مجاهد" وهناك فرق بالعقيدة القتالية، الاول من ناحية العقيدة العسكرية الغربية قائم على اساس مبدأ "مزيد من النيران وقليل من المقاتلين" بينما العقيدة العسكرية الشرقية قائمة على اساس مبدأ "مزيد من المقاتلين وقليل من النيران"، وتحكمهما قواعد وقوانين ومعايير واحترام حدود دول، وعدم التدخل في شؤون الدول الاخرى، اما الثاني العقيدة الاسلامية "مجاهد" اينما اقتضت الحاجة للقتال فالذهاب واجب لأن الحدود بين الدول مصطنعة ولا يعترف بها وهنا تكمن المشكلة، وهذا ينسحب على مستوى الداخل ما لم تكن هناك سيطرة وتحكم في مسرح العمليات وانتشار القطعات والتنسيق بينهم، اضافة لهذه المشكلة توجد اخرى تتمثل بتضمين فقرة خاصة تؤسس اكاديمية الحشد اي وجود كلية عسكرية تخرج ضباط الجيش وباقي الصنوف، ومشروع القانون الجديد للحشد بالمادة (11) نص على "تؤسس بموجب احكام هذا القانون اكاديمية تسمى اكاديمية الحشد الشعبي تتمتع بالشخصية المعنوية وترتبط برئيس الهيئة"، وكذلك مشروع القانون الجديد لم يتضمن اي مادة تشير إلى كيفية تعيين قائد الفرقة فما فوق في حين قانون رقم (40) سنة 2016 اشار بوضوح إلى المادة (61/ خامساً/ ج) من الدستور!، اي في القانون الجديد مخالفة صريحة للدستور فيما يخص التعيين.
العراق كدولة بحاجة إلى مؤسسات عسكرية وامنية تتوافق مع دستوره وقوانينه ونظامه الديمقراطي، فضلاً عن ما معمول به في الدول الديمقراطية المتقدمة، لأن حتماً ستكون هناك مشاكل كثيرة داخلية وخارجية تضع العراق في عزلة دولية وضمن معادلات ضعيفة تجعل كيانات وتشكيلات بارزة على حساب هوية الدولة ومؤسساتها، لذلك السلطة التشريعية مطالبة بمراعاة الانظمة والمعايير الدولية في تشريع أي قانون من أجل مصلحة العراق الاقليمية والدولية.



