ما جرى خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الخليج في أيار 2025 لم يكن مجرّد جولة دبلوماسية عابرة، ولا مجرد توطيد لتحالفات قديمة، بل بدت الزيارة، بتوقيتها ورسائلها وصفقاتها، مؤشراً على تحوّل نوعي في بنية التحالفات الأميركية في المنطقة، وإعادة تصميم العلاقة مع الخليج، لا على أساس النفط فقط، بل على أساس التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
أولاً - من الدبلوماسية التقليدية إلى الشراكة التقنية
لطالما اعتُبرت دول الخليج حليفاً نفطياً للولايات المتحدة، ضمن معادلة “الأمن مقابل الطاقة”، لكن زيارة ترمب نقلت هذه العلاقة إلى مستوى جديد، قوامه الاندماج التكنولوجي العميق. في السعودية، أُعلن عن صفقات ضخمة تجاوزت 600 مليار دولار. لكنّ البعد الأخطر لم يكن في الرقم، بل في نوعية الملفات: من الأمن السيبراني، إلى الذكاء الاصطناعي، إلى أنظمة الطاقة المتجددة.
وفي الإمارات، لم تكن المفاجأة في استثمار “الاتحاد للطيران” في شراء طائرات بوينغ فحسب، بل في الاتفاق على إنشاء أكبر حرم جامعي للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة، وتسهيل وصول أبوظبي إلى شرائح متقدمة من التكنولوجيا الأميركية – وهي خطوة نادرة في السياسة التقنية الأميركية التي طالما احتفظت بمثل هذه التقنيات داخل بيئتها الداخلية.
بهذا، لم يعد الخليج مجرد زبون للسلاح، بل جزءا من منظومة أميركية أوسع تشمل البنية التحتية للهيمنة الرقمية.
ثانياً- التوازنات الجيوسياسية خلف الصفقات
زيارة ترمب للرياض حملت بعدها السياسي بامتياز، حين أُعلن عن رفع جزئي للعقوبات على سوريا، بعضها يعود إلى قانون “قيصر” الشهير، وذلك بطلب مباشر من ولي العهد محمد بن سلمان. هذا التحول المفاجئ، الذي فاجأ حتى دوائر في الإدارة الأميركية، يُفسَّر باعتباره ثمناً سياسياً لستراتيجية سعودية أوسع تهدف إلى استعادة الملف السوري إلى الفضاء العربي من بوابة واشنطن، وليس طهران أو موسكو.
في المقابل، جاءت زيارة ترمب إلى قطر، بعد تصعيد إسرائيلي واسع في غزة، لتُترجم توازناً آخر، حيث وُصفت الدوحة بأنها حاضنة الوساطة الإقليمية، وأنها أسهمت، بحسب تسريبات، في منع ضربة عسكرية إسرائيلية واسعة على إيران، مقابل إطلاق رهائن وتثبيت التهدئة.
هنا تتجلّى معادلة جديدة: السعودية تُهندس الملف السوري، قطر تضبط توازنات المواجهة الإيرانية، والإمارات تُمنح مفاتيح التكنولوجيا. ثلاث دول، ثلاثة ملفات، وثلاث “هدايا سياسية” موزعة بعناية في لحظة أميركية حرجة.
ثالثاً- خلفية صراع خفي بين ترمب ونتنياهو
لا يمكن قراءة هذه الجولة دون الانتباه إلى الصراع غير المعلن بين ترمب ونتنياهو. فالعلاقة بين الرجلين، التي بدت ذات يوم تحالفاً متيناً، تشهد اليوم تشققات واضحة، خاصة بعد اتهام ترمب لنتنياهو بالتقصير في دعم حملته الانتخابية السابقة.
ويبدو أن جزءاً من تحركات ترمب في الخليج يهدف إلى إبراز قدرته على تشكيل تحالفات ستراتيجية بدون المرور بإسرائيل، بل بتوسيع مساحة الشركاء الإقليميين، وإعادة تعريف “التحالف الأميركي” في الشرق الأوسط بشكل لا يُختزل في تل أبيب وحدها.
رابعاً- من التطبيع إلى التبعية الرقمية؟
الاتفاقات الإبراهيمية، التي كانت في بداياتها مشروعا تطبيعيا سياسيا، يبدو أنها اليوم تتوسّع لتصبح مشروع اندماج اقتصادي – تقني عميق، خاصة بعد أن أصبحت التكنولوجيا، وليس فقط الغاز أو النفط، هي محور العلاقة. لكن هذا الاندماج يطرح سؤالاً حرجاً: هل هو تحالف قائم على المصالح المتبادلة، أم هو نمط جديد من التبعية الذكية التي تُدار تحت مظلة البرمجيات والمنصات والبيانات؟ وهل تملك الدول الخليجية حق الفيتو داخل هذه الشراكة، أم أنها تتحرك ضمن حدود ما يُسمح به تكنولوجياً وأمنياً؟
ما حدث في الخليج خلال زيارة ترمب لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب داخلية في السياسة الأميركية، وصراع ناعم بين التيارات العائدة إلى الحكم والتيارات التقليدية داخل الدولة العميقة. لكن، الأهم من كل ذلك، أن هذه الزيارة تُعبّر عن لحظة فارقة في فهم واشنطن لدورها في المنطقة: من الحضور العسكري إلى التغلغل الرقمي، ومن الحليف الستراتيجي إلى الشريك المبرمج.
وهكذا، لم تكن الجولات الخليجية مجرّد زيارة بروتوكولية، بل كانت إعلاناً صامتاً عن جيل جديد من التحالفات: تُدار بالأرقام، وتُبنى على الشيفرات، وتُترجم إلى صفقات لا تقل خطورة عن أي تحالف عسكري تقليدي. إنها السياسة في عصر ما بعد الخطابة، حيث تُرسم الخرائط بمنطق المصلحة لا الشعارات.



