لم يعد الكورد فاعلا ثانويا في المعادلة السياسية والعسكرية السورية والطريق إلى العاصمة دمشق لم يعد بعيداً عنهم كما كان في زمن نظام البعث الاسدي. لكن دربهم اليوم محفوف بالمنعطفات الحادة والألغام السياسية.
فللكورد في سوريا قصة خاصة؛ قصة مقاومة الظلم وصمود امام الاضطهاد ، قصة دماء شهداء وأحلام شعب شكلت واقعاً جديداً في شمال شرق سوريا. واليوم، وهم يجلسون على طاولة المفاوضات مع الحكومة السورية الانتقالية، يحملون بين أيديهم مكاسب رخوة وامتيازات هشة قد تذروها خماسين السياسة إن لم يُحسنوا إدارة الصراع و التحكم بالمشهد.
المفاوضات ليست مناقشات و جلسات حوارية تسجل كبنود مكتوبة على الورق، بل هي أشبه بحلبة نزال وصراع تتطلب الكثير من التحضير الجيد والحذر المستمر والجرأة الحازمة. لكن السؤال الملحّ هنا: كيف يمكن للكورد أن يصونوا ما حققوه في الحرب ويحوّلوه بالسياسة إلى حقوق راسخة؟.
أولاً، يجب الحذر التام من الانجرار خلف الوعود والشعارات البراقة. العبارات من نوع "الكورد جزء أصيل من المجتمع السوري" و "الكورد اخواننا في الوطن" قد تبدو جميلة و رنانة على الأذان الكوردية، لكنها بلا قيمة ووزن إن لم تُترجم إلى صلاحيات دستورية وقوانين واضحة وصريحة. اولا: الاعتراف الدستوري بالحكم الذاتي الإداري،التعليم باللغة الكوردية، الإدارة المحلية الفاعلة، قضاء مستقل؛ كلها حقوق ينبغي أن تُكتب بحروف صريحة في الدستور، لأن أي حق لا يحميه الدستور يظل مهدداً بالتراجع مع أول أزمة سياسية مع حكومة المركز.
ثانياً، الملف العسكري والامني. قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها وحدات حماية الشعبية مع غيرها من القوات الاخرى لم تكن مجرد تشكيلات مسلّحة، بل قوات لها فاعليتها العسكرية والسياسية في حماية منطقة شمال شرق سوريا. نزع سلاح هذه القوات بالكامل سيكون خطأً استراتيجيا وكارثة تاريخية. الحل يكمن في صيغة ذكية تُبقي على هيكلها داخل اطار الجيش الوطني الجديد، كقوات دفاع محلي تحفظ أمن المنطقة وتشكل خط دفاع أول ضد أي تهديد مستقبلي.
لكن هنا يبرز التحدي الأكبر: علاقة هذه القوات بحزب العمال الكوردستاني. فتركيا، الجار القلق والعدو القوي، لا تكفّ عن استخدام هذه الورقة في جميع المحافل الدولية.حيث تصف الوحدات بـ"الإرهابية" وتستثمر ذلك للضغط تارة على دمشق وتارة أخرى على الكورد. على الكورد أن يتعاملوا مع هذه الحجة بل الفصل واضح بين الملف السوري والملف التركي، والحد من تأثير حزب العمال الكوردستاني عليهم والتشديد على أنهم سوريون وقضيتهم سورية وانها قضية حقوق ومواطنة وليست امتداداً لصراعات إقليمية.
ثالثاً، الحضور السياسي. لا يكفي أن تتم دعوة الكورد إلى طاولة المفاوضات، بل يجب أن يكونوا شركاء حقيقيين في صناعة واتخاذ القرارات . ان تكون لهم مقاعد مضمونة في الحكومة الانتقالية، وفي لجنة صياغة الدستور، وفي البرلمان المقبل، هذا كله ليس مكسباً سياسياً فحسب، بل ضمانة أساسية لعدم تغييبهم في اللحظة الفاصلة. فمن يغِب عن طاولة القرار، يغِب تلقائياً عن طاولة الحقوق.
رابعاً، المحور الاقتصادي. مناطق شمال شرق سوريا ليست مجرد جغرافية، بل خزان اقتصادي للبلاد، وفيها النفط والغاز والمياه. أي اتفاق لا يضمن تقاسماً عادلاً للموارد سيظل ناقصاً. من حق الكورد إدارة مواردهم والمشاركة العادلة في عوائدها الوطنية، وإلا سيبقى الصراع مفتوحاً.
خامسا: لا يمكن تجاهل الجيران العدائيين. تركيا التي ترفض أي مشروع كوردي حتى لو على سطح المريخ، وإيران التي تريد استعادة مجدها بإعادة احياء المحور الشيعي بعدما قُصصت أذرعها ابتداء من حركة حماس في قطاع غزة وثم حزب الله في لبنان وانتهاء بسقوط نظام الأسد. هنا يجب أن تكون الدبلوماسية الكوردية يقِظة وواعية، بأن تتحرك بمرونة وحذر، من دون أن تفقد توازنها أو ترهن مستقبلها لتحالف واحد.
خلاصة الكلام المسألة ليست مسألة ثقة بقدر ما هي مسألة ضمانات. لدمشق تاريخ طويل مع الكورد، لكنه تاريخ مثقل بالإنكار والقمع والإقصاء. السياسة لا تُبنى على العاطفة، بل على الوقائع الملموسة والتعهدات الموثوقة.
الفرصة التاريخية سانحة، لكن تحويلها إلى واقع يتطلب مزيجاً من الحكمة والشجاعة: حكمة الشيوخ الذين يعرفون دروس الماضي، وشجاعة الشباب الذين لا يخشون المستقبل. وحده هذا المزيج يمكن أن يحوّل التضحيات إلى كيان سياسي راسخ.
الطريق إلى دمشق قد يكون أقصر من أي وقت مضى، لكن الطريق إلى الحقوق الكوردية العادلة لايزال طويلاً وشائكاً.



