في بغداد، الدستور ليس عقد شراكة ولا مرجع عدالة، بل مجرّد ورقة مساومة بيد الساسة. يتغنون به نهاراً أمام الكاميرات، ويمزقون صفحاته ليلاً كلما ذُكرت حقوق الكورد. لهذا، لا عجب أن يتحوّل ما سُمّي بـ "أعلى قانون في البلاد" إلى أداة، تُقطع بها رواتب الموظفين وتُجمد بها الموازنات ويُدفن عبرها ملف النفط والغاز.
لكن ما لم تدركه بغداد بعد، أن سياسة العقاب الجماعي لا تصنع استسلاماً، بل تُشعل في الكورد عناداً مضاعفاً. واليوم، على أعتاب انتخابات 11 تشرين الثاني، يقف شعب كوردستان ليحوّل صندوق الاقتراع إلى محكمة علنية تُحاسب كل من ظنّ أن الكورد يمكن كسرهم بالتجويع أو التهديد.
المادة 140 تُركت معلّقة، وقانون النفط والغاز دُفن في الأدراج، وحصة الإقليم في الموازنة تُعامل كمنّة وليست كحق. هذه ليست دولة قانون، بل دولة غنيمة تمارس العقاب الجماعي ضد الكورد لأنها لم تستطع أن تسيطر عليهم لا بالسلاح ولا بالتهديد.
الحصار الاقتصادي سلاح غير فعال
بما أن بغداد فشلت في كسر البيشمركة بالسلاح، لجأت إلى سياسة أوطأ: تجويع الشعب. تُقطع الرواتب لأشهر، تُحرم العائلات من أبسط حقوقها، ويُترك المعلم والموظف والشرطي والطبيب يعيشون على الفتات.
لكن ما لا يفهمه الحكّام في بغداد أن التجويع لا يخلق الخضوع، بل يولّد التمرّد. كل راتب مؤجَّل هو صفعة في وجه المواطن الكوردي، وكل صفعة تتحوّل يوم الانتخابات إلى صوت غاضب يزلزل مقاعد البرلمان، ورغم كل شيء، تبقى الحقيقة ساطعة لا حكومة تقوم في بغداد من دون الكورد. من 2003 وحتى اليوم، لم تُشكّل أي حكومة إلا بمشاركة الأحزاب الكوردية، ولا تمر موازنة إلا بموافقتهم، الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو القوة الأكثر تنظيماً وجماهيرية، ويمتلك ثقلاً سياسياً لا تستطيع بغداد تجاهله والاتحاد الوطني الكوردستاني حاضر بقوة في السليمانية وكركوك وخانقين، ويمتلك أوراقا تفاوضية ثقيلة، و مهما حاولت بغداد زرع الفتن والانقسامات، فإن يوم 11 تشرين الثاني سيكون يوم وحدة الصوت الكوردي. فالحقوق ليست ملك حزب واحد، بل حق شعب كامل.
درس انتخابات الإقليم 2024
حين أراد البعض في بغداد أن يراهن على انقسام الكورد، جاءت انتخابات برلمان الإقليم عام 2024 لتسقط كل الأوهام. فالمشاركة الشعبية أثبتت أن الكورد لا يهربون من المعركة، بل يواجهونها بالصناديق. وفي تشرين الثاني المقبل، سيكون المشهد أوسع، الناخب الكوردي سيقف في بغداد والموصل وكركوك وأربيل ودهوك والسليمانية ليقول كلمته بوضوح: لن نُركع.
لا حكومة بلا الكورد
على القوى الشيعية والسنية أن تفهم جيداً الكورد ليسوا ديكوراً في المعادلة العراقية، بل هم الشريك الحقيقي، وبدونهم لن تقوم حكومة ولن يمر قانون ولن تستقر دولة، كل محاولة لتجاوز الكورد ستتحوّل إلى أزمة سياسية تُغرق بغداد في الفوضى. فإما شراكة حقيقية قائمة على العدالة والاحترام، أو انسداد كامل لن يربح فيه أحد.
وحدة الكورد طريق النصر
قبل كل شيء يجب توحيد الصفوف بين الأحزاب الكوردية، خاصة في كركوك ونينوى والمناطق المتنازع عليها، مع تعبئة الشارع للمشاركة القوية بخطاب يربط الانتخابات بالحقوق والرواتب والكرامة، وطرح برنامج واقعي يركز على الموازنة والنفط والغاز وتنفيذ المادة 140، ثم التحالف بذكاء بعد الانتخابات وعدم الدخول في أي حكومة بلا ضمانات دستورية ومالية. كل ذلك يجعل من الثقل البرلماني الكوردي ورقة ضغط حاسمة، فالكورد هم بيضة القبان، ولا يمكن تشكيل حكومة من دونهم. وباختصار إذا توحّد الصوت الكوردي وشارك الشارع بقوة، فإن يوم 11 تشرين الثاني سيكون يوم انتصار الإرادة الكوردية على حصار بغداد.
والان نقول لبغداد لقد جرّبتم السلاح فلم تكسروا الكورد، جرّبتم الحصار فلم تُخضعوهم، جرّبتم شراء الذمم فلم تفلحوا. بقي أمامكم خيار واحد، الاعتراف بحقوق شعب كوردستان كما هي في الدستور، في 11 تشرين الثاني، سيقف الكورد صفاً واحداً ليحوّلوا الانتخابات إلى استفتاء شعبي ضد الظلم والابتزاز سيصوّتون لا لمجرد نواب، بل لكرامتهم، ولحقهم في العيش بكرامة، ولرد الصفعة على وجه كل مسؤول في بغداد ظنّ أن بإمكانه تركيع هذا الشعب.
و الانتخابات المقبلة لن تكون اختباراً للأحزاب فقط، بل اختباراً لوحدة الكورد وإرادتهم. وبغداد ستكتشف أن من يقطع الرواتب اليوم، سيتلقى الضربة غداً في البرلمان.



