منذ عقود طويلة، يجري الحديث عن الحقوق الكوردية في سوريا وكأنها تقتصر على الجانب الثقافي: تعليم اللغة الكوردية، فتح قنوات إعلامية، وإحياء الفلكلور الشعبي.
هذا الخطاب، على الرغم من أهميته الجزئية، يحمل في طياته اختزالاً خطيراً لجذر المسألة الكوردية، إذ يحوّل قضية قومية وسياسية إلى مجرد ملف ثقافي يمكن احتواؤه ببعض التنازلات الشكلية. والحقيقة أن ما يطالب به الكورد يتجاوز بكثير هذه الزاوية الضيقة، فهو يرتبط بالهوية، وبالاعتراف، وبموقعهم كشعب أصيل داخل الخارطة السورية.
أول ما يجب التأكيد عليه أن الحقوق الكوردية هي حقوق سياسية في جوهرها. فالكورد ليسوا مجرد "جماعة لغوية"، بل مكوّن قومي يمتد وجوده في شمال وشرق سوريا منذ قرون طويلة، وهذه المنطقة شكّلت جزءاً من كوردستان الكبرى قبل نشوء الدولة السورية الحديثة. من هنا، فإن مشاركتهم السياسية في الدولة لا ينبغي أن تكون مجرّد "تمثيل رمزي" في بعض المؤسسات، وإنما شراكة حقيقية تتيح لهم صياغة السياسات، والمساهمة في بناء النظام الجديد، وتحديد معالم الدستور. إن أي نظام سياسي لا يعترف بالكورد كشريك متساوٍ هو نظام يعيد إنتاج التهميش السابق، وإن بأشكال أكثر نعومة.
ثانياً، الاعتراف الدستوري يُعدّ الركيزة الأساسية لضمان الحقوق الكوردية. فالتجارب السابقة أثبتت أن الوعود أو القرارات الإدارية المؤقتة لا تكفي، إذ سرعان ما يجري التراجع عنها أو الالتفاف عليها. الاعتراف بالكورد كشعب أصيل في سوريا ضمن نصوص الدستور هو ما يضمن استقرار حقوقهم وحمايتها. ويترافق ذلك مع تثبيت اللغة الكوردية كلغة رسمية أو شبه رسمية في المناطق ذات الغالبية الكوردية، بما يسمح باستخدامها في التعليم والإدارة والقضاء. هذا الاعتراف ليس منّة من أحد، بل هو استحقاق تاريخي وسياسي.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الجغرافي للقضية. فالمناطق ذات الغالبية الكوردية - من الجزيرة إلى كوباني وعفرين قبل التغييرات الديموغرافية - هي فضاءات جغرافية لها طابعها الخاص، وتاريخها الممتد. إن تجاهل هذه الحقيقة، أو التعامل مع تلك المناطق كأرض مجردة بلا خصوصية، يعني تكريس السياسات التي مورست سابقًا من تعريب وإقصاء وحرمان من الهوية. لذلك فإن أي حل عادل ينبغي أن يعترف بخصوصية هذه المناطق، وأن يمنحها وضعاً إدارياً وسياسياً يضمن مشاركة أهلها في إدارة شؤونهم المحلية ضمن إطار الدولة السورية.
أما البعد الرابع، فهو البعد القومي. فالكورد في سوريا ليسوا مجرد أقلية تبحث عن بعض الامتيازات، بل هم جزء من أمة واسعة موزعة بين أكثر من دولة في المنطقة. هذا الانتماء القومي لا يتناقض مع المواطنة السورية، بل يثريها. لكن محاولة إنكار الهوية القومية للكورد أو حصرها في "عادات وتقاليد" فقط هو شكل آخر من أشكال الإقصاء. المطلوب هنا هو الاعتراف بالكورد كشعب له هوية قومية واضحة، ضمن وطن متعدد القوميات والهويات.
من هذا المنظور، يمكن القول إن القضية الكوردية في سوريا هي قضية شراكة في الوطن وليست مجرد مطالب جزئية. الحقوق الثقافية مهمة، لكنها لا تُغني عن الحقوق السياسية والدستورية والجغرافية والقومية. الاعتراف باللغة دون الاعتراف بالشعب هو تسطيح للقضية. والسماح بمدارس كوردية دون ضمان مشاركة سياسية حقيقية هو استمرار للتهميش. المطلوب اليوم هو رؤية شاملة تعترف بالكورد كشركاء متساوين، وتؤسس لدولة سورية جديدة تُبنى على قاعدة التنوع والعدالة لا على الإقصاء والهيمنة.
بهذا المعنى، فإن مستقبل الاستقرار في سوريا لا يمر عبر التنازلات الشكلية أو الوعود المؤقتة، بل عبر عقد اجتماعي جديد، يعترف بالكورد وغيرهم من المكونات بوصفهم ركائز أساسية في الوطن، لا مجرد تفاصيل قابلة للتجاهل. عندها فقط يمكن القول إن سوريا دخلت مرحلة جديدة، تتجاوز الماضي بكل ما فيه من تهميش وظلم، نحو دولة عادلة يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات.



