خلافاً للتجربة الثقافية والأدبية لدى العديد من الأمم الأخرى في شرق العالم وغربه، تجلى الفكر القومي أو النزعة القومية في الأدب الكوردي بأبهى صوره في ميدان الشعر.
ذلك لأن الشعر، كجنس أدبي، يضرب بجذوره في أعماق تاريخ الأدب الكوردي أبعد من معظم الأجناس الأخرى كالرواية والمسرح والقصة وغيرها. ولهذا، يمكننا القول إن الشعر الكوردي، ولا سيما الكلاسيكي منه، قد أضحى ميداناً خصباً وفسيحاً للتعبير عن الأفكار والرؤى القومية، وتصوير الارتباط العميق بأرض كوردستان وطبيعتها.
فقبل مئات السنين اتخذ الشاعر القومي الخالد أحمد خاني (1650-1707) من ملحمته الخالدة (مم و زين) ذريعة ووسيلة لنشر أفكاره وقناعاته القومية في أوساط شعبه، وهو القائل:
سأجعل من شرح أحزان القلب حكاية
متخذاً من (زين ومم) ذريعة
ويقول خاني كذلك:
كي لا يقول الناس إن الأكراد
عديمو المعرفة، بلا أصل أو أساس
سائر الأمم لها كتبها
والكورمانج وحدهم من دون حساب!
ويسير شاعرنا الجليل تیرێژ على خطا أولئك الشعراء الكورد الكلاسيكيين الذين كانت الحمية القومية تجيش في قلوبهم وعقولهم، فربط وجوده وقيمته بوجود وطنه وقيمته، وآمن بالإنسان الكوردي واللغة الكوردية، وسعى عبر كل قصائده وأعماله ليقول لقرائه: "لا حياة بلا وطن!". ويجسد تیرێژ هذه الحقيقة في قصيدته "تاج شرفخان" حين يقول:
إن لم تكن موجوداً، فماذا نكون نحن؟!
روحي فداء لك يا وطني
وثق بأن دماءنا
رخيصة في سبيلك يا وطني
ترابك مسكٌ وعنبر
وماؤك ماء الكوثر
وحجارتك درٌّ ومرمر
أنت الألماس والمرجان يا وطني
ماء نهري دجلة والفرات
ومئة زمزم وماء الحياة
لا تأتي كبشارة أو هدية
فأنت المقدس والدواء يا وطني
أرضك كلها ذهب أصفر
كيمياء ونفط وفحم
كلها بساتين وأشجار مثمرة
كلها حدائق ورياض يا وطني
بهاء العالم من سناك
والفرح في بشراك
والزمان رهن إشارتك
أنت تاج شرفخان يا وطني!
أي أن تیرێژ يقول بوضوح وجلاء: إن لم يكن وطننا موجوداً، فلا قيمة لنا البتة!
ويمكن اعتبار الشاعر الكبير جكرخوين أحد أبرز مصادر الروح القومية لدى تیرێژ، فقد ترك جكرخوين أثراً بالغاً في نفس تیرێژ. وفي ديوانه الثالث (کیمە ئەز؟/من أنا؟)، كتب جكرخوين قصيدة موجهة إلى تیرێژ باسمه الحقيقي (جواب لنايف حسو)، علّق فيها عليه آمالاً عظيمة، وكلّفه بنشر الوعي القومي في صفوف الشباب الكوردي قائلاً:
يا صديقي الجميل
في المدينة كنت أم في القرية
من أجل الأمة والوطن
يجب علينا أن نناضل
علينا ألا نتوقف
فممن يُطلب هذا؟
هذا العلم وهذه المعرفة
يقرّبان الاستقلال
على الشباب المثقفين أمثالك
أن يقولوا للجهلاء
لنتكاتف ونتعاضد
ولنمت في هذا الطريق
وبالفعل، كان تیرێژ عند حسن ظن جكرخوين ولم يخيب أمله. لقد نسج تیرێژ شعره على منوال الشعراء الكلاسيكيين الأصلاء، معبراً في كل فرصة ومناسبة عن رؤاه القومية. فعلى سبيل المثال، يقول في بيان قيمة الشعر ورسالته:
ما قيمة الشعر إن لم يكن في خدمة الأمة؟
وما نوره إن لم يتغنَّ بالوطن؟
ماذا أفعل بذلك الشعر السلس، إن لم يستحوذ على الوجدان والعقل؟
فهو لا يداوي آلام القلب والروح، إن خلا من الجوهر.
انتمى تیرێژ إلى مدرسة الشعر الواقعي، وكان قومياً كوردياً بقلبه وروحه. إلا أن نزعته القومية لم تكن ضيقة أو معادية للشعوب الأخرى، رغم أن بعض تلك الشعوب، أو بالأحرى أنظمتها الحاكمة، قد أنزلت بالشعب الكوردي ما لم تره عين. لقد كانت وطنية تیرێژ إيجابية، إنسانية، متقدة بالنور والشرر، لا قوميةً ظلاميةً أو عبدةً للظلام. وكمثال على ذلك، يذرف تیرێژ الدموع وينتحب في قصيدته "صبرا وشاتيلا" على المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين عام 1982 في مخيمات اللاجئين غرب بيروت، فيقول:
يوم صبرا وشاتيلا، ذلك القتل الذي لا يعرف ضميراً
ذلك القتل الجماعي الذي سيُحسب عليكم
لن يُنسى أبداً، لا في ليل ولا في نهار
الفتيات والعجائز والشيوخ، والأطفال الرضع
قُتلوا جميعاً آنذاك، بلا سبب أو ذنب
فهل يدل هذا على شيء؟ إنه يكشف عن عظمة قلب الإنسان الكوردي وشعبه، وعن تضامنه مع كل المظلومين والمقهورين في أرجاء المعمورة. قد لا تبادل الشعوب الأخرى الكورد الموقف ذاته، لكن هذا يؤكد حقيقة أن الكورد على حق، وأن قضيتهم قضية عادلة ومشروعة.
كان تیرێژ، الشاعر القادم من "بنخت" (غربي كوردستان)، قد أزال في قلبه وعقله، وفي كتاباته وأعماله، تلك الحدود التي تجزّئ وطنه كوردستان. لقد ظل حتى النهاية محباً لأمته، كوردستانياً بامتياز. وهذه سمة من سمات كورد غربي كوردستان عموماً، حتى إنهم أحياناً يخدمون أجزاء كوردستان الأخرى أكثر مما يخدمون جزءهم. وتتجلى كوردستانية تیرێژ العابرة للحدود في العديد من الأمثلة وقصائده مثل: "شقلاوة كلها بساتين وكروم"، "هجوم الأتراك على شمال العراق"، "رثاء ليلى قاسم"، "أين الشيخ سعيد"، "رثاء شهداء قلعة دزة"، وغيرها.
وبإلقاء نظرة أعمق على هذه العناوين، يتضح كيف أن هذا الشعور الكوردستاني الشامل لم يكن مجرد فكرة مجردة، بل حقيقة عاطفية معاشة تتجسد في أفراح الأمة وأتراحها على حد سواء. ففي قصيدته "شقلاوة كلها بساتين وكروم"، يرسم بريشة الشاعر لوحة غنّاء لجمال الطبيعة في جنوب كوردستان، مشاركاً أبناء أمته بهجتهم واعتزازهم بجمال أرضهم. ولكن هذا الاحتفاء بالجمال سرعان ما يتحول إلى صرخة ألم في قصيدة "هجوم الأتراك على شمال العراق"، حيث يتجاوز الحدود ليتشارك مع إخوته في الجنوب معاناتهم تحت وطأة العدوان، فتصبح القصيدة جسراً من الوجدان المشترك. ويتجلى هذا التوحد في المصاب بأبهى صوره في المراثي الخالدة؛ ففي "رثاء ليلى قاسم" يخلّد ذكرى شهيدة الأمة التي أعدمها النظام البعثي، جاعلاً من تضحيتها رمزاً كوردستانياً عابراً للأجزاء. وبنفس الروح، يبكي "شهداء قلعة دزة" الذين قضوا في قصف غادر، ليؤكد أن جرح أي جزء هو جرح في جسد الأمة كلها. ولم يغفل تیرێژ عن تاريخ النضال في شمال كوردستان ، ففي قصيدته "أين الشيخ سعيد"، يستحضر بمرارة ذكرى الثورة الكبرى وقائدها، ليؤكد أن ذاكرته الشعرية والوطنية لا تعترف بالأسلاك الشائكة، بل تحتضن آلام الأمة وتاريخها.
كان تیرێژ مستقلاً في مشاعره ووطنيته، لكن لا بد من القول إنه كان يرى في شخصية البارزاني الخالد رمزاً وقائداً له. كان يكتب عن جميع أجزاء كوردستان، يفرح لأفراح الكرد جميعاً ويحزن لأحزانهم. وتظهر آمد ومهاباد وهولير جلية في قصائده.
لقد أولى تیرێژ، الوطني المحب لأمته، أهمية كبرى لجنوب كوردستان، وبعد انهيار اتفاقية 11 آذار، أبدع إحدى أروع قصائده في تاريخ الأدب الكوردي، وهي قصيدة "أيها البلبل السعيد" التي كتبها عام 1975. وكثيراً ما أقول إن هذه القصيدة وحدها كانت تكفي تیرێژاً، أي أنها بمفردها تحفظ له مكانه في سجل الخالدين. وفي رأيي، هي قصيدة تستحق أن تُعلَّق بأحرف من ذهب في سماء الأدب الكوردي:
أيها البلبل السعيد، تعال الآن وأطلق نواحك
فمعاناتنا كبيرة يا أخي، وجرحنا غائر
فداك الكبد والقلب والأحشاء والروح
فصوتك أعذب من الناي والمزمار والبلور
لصوتك ثلاث نكهات: إحداها من سر نسيم الصباح
والأخرى من حفيف أوراق البساتين والكروم
والثالثة من عبير الشمام والورود
لهذا أنت ذائع الصيت في الدنيا ومشهور
ها هي قافلتنا قد سارت، لكن في ليل أسود حالك الظلام
البرد قارس، وندف الثلج تتساقط بلا انقطاع
عاصفة هوجاء تدهمُنا من كل حدب وصوب
ديارنا هي الوطن يا صديقي، وطريقنا طويل
من حولنا لصوص وقطاع طرق، كلهم أعداء
يمزقوننا إرباً إرباً، فيا للأسف ويا للحسرة
لم يبق لنا أمل أو علاج يا بلبلي
أضحت الساحة للدببة وبنات آوى، والذئب يعوي عواءه
أضحت الساحة للدببة وبنات آوى، الثعالب والضباع
فداك روحي أيها البلبل، انزل من على أغصان الشجر
كي ننشغل معاً بضعة أيام في هذه المحنة
اليوم صدر الفرمان بحقنا، والسيف على رقابنا
لو أننا اليوم وضعنا أيدينا في أيدي بعضنا البعض
وعشنا سنواتٍ وأزمنةً قاسية معاً
فالدنيا نفسها دُوَل، فاعلم أنها يومٌ وليل
حينًا ظلام ودخان، وحينًا إشراق ونور
كان الشاعر الفذ تیرێژ، بفكره القومي، شديد التعلق بأرض وطنه وطبيعته. وقد وصفت دار نشر (پەیوەند) في آمد (دياربكر)، التي أعادت طباعة كتبه، علاقة الشاعر بطبيعة كوردستان قائلة: "لقد ترعرع الشاعر تیرێژ على ثمار أرضه، وأحب طبيعة وطنه حباً جماً. كانت ثمة علاقة وثيقة بينه وبين طبيعة بلاده. ففي قصائده، أكثر من الحديث عن الماء والشجر، والورد والعشب، والسهل والجبل، والمروج والينابيع، والربيع والشتاء، والبساتين والحقول، وطيور وطبيعة وطنه. وإن أسماء دواوينه الثلاثة هي أسماء جبال في كوردستان: (خَلات، زوزان، جودي). وتسمية دواوينه هذه تكشف لنا أكثر عن مدى ارتباط الشاعر القدير تیرێژ بطبيعة بلاده".
الاسم الحقيقي لتیرێژ هو نايف حسو، وُلد عام 1923 في قرية "نجموك" بمحافظة الحسكة. أتم دراسته الابتدائية في المدارس الدينية، ثم استقر في عامودا حيث توطدت علاقته بالشاعر الكبير جكرخوين. عاش تیرێژ في مدينة الحسكة منذ عام 1973 حتى وافته المنية في 23 آذار من عام 2002. وقد خلّف تیرێژ وراءه أعمالاً قيّمة عديدة، منها: ديوان "خَلات" (1985)، ديوان "زوزان" (1990)، ديوان "جودي" (1998)، كتاب "حكايات كوردية" في مجلدين (صدر بالفارسية أيضاً)، و"المولد النبوي بالكورمانجية"، وأعمال أخرى.



