في قلب اللحظة السياسية العراقية الراهنة، يقف سؤال واحد كقطب تدور حوله الأسئلة جميعها: هل يتمكن محمد شياع السوداني، وسط شبكة القوى المتداخلة داخل الإطار التنسيقي وخارجه، من العودة مجدداً إلى رئاسة الوزراء؟.
في الظاهر يبدو السؤال تقنياً، لكنه في العمق سؤال عن طبيعة السلطة نفسها في العراق: من يملك القرار فعلاً؟ وهل يعود رئيس الوزراء بناءً على وزنه الانتخابي، أم بناءً على وزنه في ميزان المصالح التي لا يراها الجمهور؟.
إن الزخم الانتخابي الذي حققه السوداني وضعه على رأس الكتلة الأكبر، لكنه لم يضعه تلقائياً على رأس الحكومة المقبلة. فالنظام السياسي العراقي - وهو نظام مبني على التوافق أكثر من البناء العددي - يجعل السلطة نتاجاً لمعادلةٍ تتجاوز الصندوق إلى شبكةٍ معقدة من العلاقات والمصالح. هنا بالتحديد تبدأ مسيرة السوداني في الممرّ الضيّق الذي يفصل شرعية المنجز الشعبي عن شرعية البقاء في الحكم.
داخل الإطار التنسيقي نفسه، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما يبدو للعين المجردة. فالإطار ليس كتلة واحدة، بل هو بنية تفاوضية متحركة تتداخل فيها الحسابات العقائدية مع المصالح الاقتصادية وتقاطعات النفوذ. بعض مكوّناته يرى في السوداني مشروع تحديث وقدرة على تثبيت الاستقرار عبر مقاربة واقعية للنفوذ الإقليمي والدولي، بينما ينظر آخرون إليه باعتباره شخصية قد تصبح "أكبر من الإطار" إن سمح لها بجولة ثانية، وهو ما يثير لديهم خشية من اختلال موازين النفوذ الداخلية. هذا الصراع الخفي هو ما يجعل ترشيح السوداني رهاناً محفوفاً بالتوجس حتى داخل بيته السياسي المفترض.
من جهة أخرى، تتحرك الأطراف الكوردية والسُنية وفق منطق مختلف: منطق المصلحة البراغماتية. هذه الأطراف لا تكترث كثيراً لهوية رئيس الوزراء بقدر ما تكترث لحجم المكاسب المضمونة في ملفات حساسة مثل النفط، والحدود الإدارية، والموازنة العامة. السوداني يدرك أن عودته لن تُختبر فقط بمدى قوته داخل الإطار، بل بقدرته على صناعة توازنات جديدة مع الأطراف غير الشيعية، توازنات يمكنها قلب مسار التفاوض وتثبيت معادلة حكم أكثر استقراراً.
ولأن السياسة العراقية لا تُفهم من دون قراءة ظلّها الإقليمي، فإن دور إيران والولايات المتحدة يشكّل محوراً لا يمكن تجاوزه. طهران تنظر إلى المشهد من زاوية الحفاظ على سلطة لا تصطدم مع مصالحها الاستراتيجية، بينما تبحث واشنطن عن حكومة قادرة على كبح الفصائل المسلحة وفتح قنوات عمل آمنة معها. إن قدرة السوداني على الوقوف بين الضغطين - من دون أن يُحسب على أحدهما بشكل صريح - تمنحه ميزة، لكنها في الوقت ذاته تضعه في اختبار دائم بين التوازن والوقوف على الحافة.
التحدي الحقيقي للسوداني لا يكمن في ما إذا كان سيعود، بل في شكل العودة إن حدثت: هل سيعود زعيماً أقوى بعد تكريس شرعية انتخابية؟ أم سيعود مقيداً بتفاهمات سياسية تُفرغ المكاسب الانتخابية من مضمونها؟ وفي سيناريو آخر، قد لا يعود مطلقاً، خصوصاً إذا تحولت الانقسامات داخل الإطار إلى توافقٍ سلبي على مرشح بديل "مضمون" يخفف من مخاوف القوى النافذة.
إن مستقبل السوداني - وربما مستقبل السلطة التنفيذية في العراق - يتوقف على توازن دقيق بين ثلاثة عناصر: تفاهم البيت الشيعي، ومساومات القوى غير الشيعية، ومناخ التوازن الإقليمي. وكل عنصر من هذه العناصر قادر وحده على دفع الرجل إلى القمة أو إبعاده عنها.
في النهاية، قد يعود السوداني، وقد يخسر العودة، لكن الدرس الأعمق يبقى ثابتاً: في العراق، ليس السياسي وحده من يصنع السلطة، بل السلطة نفسها تصنع سياسييها، تعيد تشكيلهم، وتعيد تعريف حدود الممكن لديهم. وهنا تبرز المفارقة الكبرى: السياسي الذي يظن أنه يعيد تشكيل الدولة، يجد نفسه - مع مرور الوقت - يعيش داخل قالب صنعته الدولة له، قالب لا يخرج منه إلا من قرأ مِنطق الظلّ كما قرأ منطق الواجهة.



