تشهد المنطقة في هذه المرحلة تحولات متسارعة تتقاطع فيها العوامل الدولية مع الوقائع الإقليمية على نحو يستدعي قدراً أعلى من التنسيق بين مختلف الفاعلين.
هذه التغيرات بما تحمله من تحديات وفرص، تفرض على القوى الكوردستانية في الأجزاء الأربعة من كوردستان ضرورة الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية عبر التحضير الجاد للمؤتمر القومي الكوردستاني. فالمعادلات الدولية المتسارعة باتت ترسم إحداثيات سياسية جديدة، ما يستوجب مزيداً من التنسيق ووضع استراتيجيات مشتركة تعكس مصالح الشعب الكوردي وتطلعاته.
كوردستان بأجزائها الأربعة تشهد أحداثاً مرحلية متشابكة تتطلب قراءة مشتركة وعملاً مؤسساتياً منسقاً. فترتيب البيت الكوردي لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة قومية لضمان قدرة القوى الكوردية على التفاعل البنّاء مع التحولات الإقليمية وتجنب الوقوع في تناقضات داخلية قد تُستغل دولياً.
إن بناء آلية ثابتة للتشاور والتنسيق بين المؤسسات والأحزاب في الأجزاء الأربعة يشكل خطوة أساسية نحو تعزيز الموقف الكوردي الموحد. وفي هذا السياق، يبرز دور إقليم كوردستان العراق بوصفه نافذة دبلوماسية وبوابة أساسية نحو العالم بالنسبة للكورد، فالإقليم اكتسب خلال العقود الماضية مكانة دولية مهمة، تتيح له لعب دور مفصلي في دعم مسارات السلام والاستقرار في أجزاء كوردستان الأخرى. ويمكن لهذا الدور أن يتعزز من خلال المساهمة الفاعلة في دعم عملية السلام في تركيا، ولاسيما بعد إعلان حزب العمال الكوردستاني وقف العمليات العسكرية، مما يفتح المجال أمام مرحلة سياسية جديدة يمكن للإقليم أن يشكّل جسراً فيها بين الأطراف المعنية.
كما أن نجاح مسار السلام في تركيا يرتبط بشكل وثيق بالملف الكوردي في سوريا، حيث ينعكس أي تقدّم في المسار التركي إيجاباً على الاستقرار في روجآفاي كردستان، ويفتح المجال أمام بيئة أكثر ملاءمة للحوار بين دمشق والقوى الكوردية، وتأتي هنا أهمية الحوارات القائمة بين الطرفين، والتي تستند إلى مخرجات اجتماع 26 نيسان في مدينة قامشلو باعتبارها قاعدة سياسية واضحة تؤكد على الحقوق الدستورية للكورد، وضرورة التوصل إلى صيغة حكم لامركزي تُنهي حالة التوتر القائمة.
أما في إيران، فإن حالة الضعف النسبي التي يعاني منها النظام بعد الضربات التي تعرض لها هو و حلفائه من قبل إسرائيل تُعد مؤشراً على احتمال تغيرات داخلية مستقبلية قد تفتح باباً جديداً للتفاعل السياسي. وهذا يتطلب من القوى الكوردية في شرق كوردستان بلورة رؤية موحدة وتحديد المطالب الأساسية بوضوح، مع تطوير الجاهزية السياسية والتنظيمية و الإعلامية لضمان حضور فعّال للكورد في أي مرحلة انتقالية محتملة داخل إيران.
خلاصة
إن تفاعل الملفات الكوردية في الأجزاء الأربعة يجعل من انعقاد المؤتمر القومي الكوردستاني ضرورة تاريخية، فهو الإطار الذي سيسمح بصياغة رؤية استراتيجية مشتركة، وتنسيق الجهود الدبلوماسية، وتحديد الأولويات القومية في مواجهة التحولات الإقليمية والدولية - فاللحظة الحالية تحمل فرصاً ثمينة، لكنها في الوقت ذاته محفوفة بالتحديات، ولن يتمكن الكورد من تحويل هذه الفرص إلى مكاسب سياسية حقيقية إلا عبر وحدة الموقف وترابط القرار وبناء جسور الثقة بين مختلف القوى السياسية والمجتمعية، فالمستقبل يستدعي خطاباً مسؤولاً واستراتيجية موحدة تضع المصلحة القومية فوق كل اعتبار.



