لم يكن استهداف منشأة كورمور للطاقة مجرد حادث أمني أو عبث صاروخي كما حاول البعض التقليل منه، بل كان رسالة سياسية واضحة أرادت بعض القوى إيصالها إلى إقليم كوردستان، لكنها أصابت الهدف الخطأ من الأساس.
الجهة التي حاولوا الضغط عليها هي نفس الجهة التي تستند إليها العملية السياسية في العراق منذ أكثر من عشرين عاماً، وهي الحزب الديمقراطي الكوردستاني والرئيس مسعود بارزاني، هذه الحقيقة تعيد فتح ملف أعمق بكثير من مجرد استهداف منشأة طاقة، إنها تكشف النفاق السياسي المتكرر في التعامل مع أربيل، وتكشف أيضاً كيف أن إقليم كوردستان، ورغم كل الضغوط والهجمات والابتزازات، مازال يمثل مركز الثقل السياسي والأمني في العراق.
أربيل العاصمة التي تمر عبرها كل الحكومات
منذ 2003 وحتى اليوم، يعرف كل من يتابع السياسة العراقية حقيقة ثابتة، أي محاولة لتشكيل الحكومة العراقية تمر عبر أربيل والحزب الديمقراطي الكوردستاني، هذه ليست مجاملة ولا بروتوكولاً سياسياً، بل واقع لا يمكن تجاوزه، أي حكومة تشكل من دون دعم الرئيس مسعود البارزاني ستكون ناقصة من اليوم الأول، ومهددة بالسقوط قبل أن تُعلن برامجها.
أربيل ليست طرفاً هامشياً، بل هي قاعدة استقرار عراقية وإقليمية، والرئيس مسعود بارزاني ليس مجرد زعيم محلي، بل مفتاح التوازن بين بغداد والإقليم. القادة العراقيون يعرفون أن تجاهل الديمقراطي الكوردستاني يعني الدخول في متاهة لا تنتهي، وأن القرار الوطني لا يكتمل من دون توقيع الرئيس مسعود بارزاني. هذه ليست قوة ظرفية إنها شرعية سياسية وجماهيرية تراكمت عبر عقود، وما يميز موقف الرئيس مسعود بارزاني أنه لا يجيد لعبة المناورات، لا يختبئ خلف الشعارات، ولا يدخل في مساومات على حساب شعبه، وأن إرادته السياسية ثابتة وواضحة، تستند إلى علاقة ثقة طويلة بينه وبين الكورد، وإلى مبدأ أساسي وهي الشراكة الحقيقية، لا التبعية. لهذا السبب، تتحول أربيل إلى مركز قرار لا يمكن تجاوزه، وكلما حاولت القوى المتوترة تجاهل هذه الحقيقة، اصطدمت بجدار الواقع.
الأرقام لا تكذب.. مليون صوت يغيرون العراق
المشهد يصبح أكثر وضوحاً عندما ننظر إلى الأرقام أكثر من مليون صوت كوردي في انتخابات مشوهة بالقوانين والدوائر الصغيرة، ورغم محاولات تقليل وزنهم، تمكنوا من قلب المعادلة، الخلل لم يكن في التصويت، بل في توزيع الدوائر الذي سمح لمرشحين في الوسط والجنوب بالفوز بأصوات أقل بكثير من أصوات الكورد، ورغم ذلك بقي الديمقراطي الحزب الأكثر ثباتاً وتأثيراً، والأكثر تمثيلاً لإرادة شعبه.
النفاق السياسي بين الوفود إلى أربيل وعقوبة الرواتب
قبل تشكيل أي حكومة، ترى القادة العراقيين يتوافدون إلى أربيل، يدخلون الاجتماعات بابتسامات واسعة، ويخرجون بوعود أكبر كاحترام الدستور وضمان الرواتب، حماية حصص الإقليم وشراكة حقيقية، لكن ما أن تتشكل الحكومة تنقلب الصورة رأساً على عقب تبدأ سياسة العقاب قطع الرواتب، محاصرة ميزانية الإقليم، تجميد الاتفاقيات، استهداف سياسي وإعلامي منظم.
إنه نفاق سياسي متكرر، يحتاجون أربيل حين يريدون تشكيل الحكومة، ويحاربونها حين يجلسون على كراسي السلطة، وحين يفشل البعض في كسر موقف الإقليم سياسياً، ينتقل إلى الضغط الأمني، استهداف حقل كورمور مثال صارخ لهجوم لا يضرب الإقليم وحده، بل يضرب العراق كله، إنتاج الكهرباء انخفض، وتأثرت المدن والمواطنون بشكل مباشر، الحقيقة أن استهداف منشأة طاقة ليس رسالة احتجاج بل محاولة لمعاقبة الإقليم بسبب استقلال قراره.
لكن الرسالة جاءت إلى الجهة الخطأ، لن يغير هذا الاستهداف موقف أربيل، ولن يضعف الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بل يكشف حجم الضيق الذي تشعر به تلك القوى عندما ترى الإقليم ينعم باستقرار لا تستطيع بغداد توفيره، بينما تعيش بغداد في صراعات الكتل ومساومات اللحظة، يبقى الإقليم بإدارة الديمقراطي نموذجاً للاستقرار الإداري والأمني، الرواتب تصرف حين تتوفر الموارد، المؤسسات تعمل، الأمن مستقر بالكامل، والمواطن يشعر بوجود دولة، هذا الاختلاف في الإدارة هو ما يجعل الكورد دائما يثقون بأن الديمقراطي هو الحزب الذي يحمي الحقوق، لا الحزب الذي يساوم عليها.
لماذا لا يمكن تجاوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني؟
لأنه يمتلك أقوى قاعدة جماهيرية في الإقليم، لا يساوم على الحقوق الدستورية، ويمنح أي حكومة عراقية شرعية واستقراراً لا يمكن توفيره من أي طرف آخر، يحافظ على توازن بين بغداد وأربيل، وهو الحزب الوحيد الذي لا يمكن ابتزازه.
استهداف كورمور لم يكن نهاية شيء، بل بداية كشف جديد لحقيقة قديمة، لا يمكن إدارة العراق بتجاوز أربيل، ولا يمكن تشكيل حكومة عبر تجاهل الرئيس مسعود بارزاني، ولا يمكن الضغط على الإقليم لا بالرواتب ولا بالهجمات، ومن يريد الاستقرار، عليه أن يحترم الدور الذي فرضه الواقع الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو العمود الفقري للعملية السياسية، واستهدافه لا يضعفه بل يفضح من يخشاه.



