كلما عُدتُ إلى إحدى روائع الأدب العالمي، تغمرني مشاعرُ متجددةٌ من الدهشة والعمق؛ فالأعمال الأدبية الحية تُشبه الينابيع التي لا ينضب معينها أبداً، ففي كل قراءة نستخرج جواهر جديدة من أعماقها. إنها لا تكتفي بسرد الحكايا فحسب، بل تنصبُ مرآةً أمام روح البشرية، عاكسةً عصورها المضطربة والمعقدة، وآلامها الخفية، وأسئلتها الأزلية التي لا تعرف النهاية.
في فلك الأدب العالمي الفسيح، يسطع نجمٌ كان بريقُه بقدر قِصر حياته، وكان عمقُه بقدر غزارة إنتاجه؛ إنه ميخائيل يوريفيتش ليرمنتوف. هذا الشاعر والروائي والمسرحي والرسام الشاب من الإمبراطورية الروسية، الذي رحل عن دنيانا وهو لم يتجاوز السابعة والعشرين، خلّف وراءه إرثاً تجاوز حدود الجغرافيا واللغة والزمن.
ولكن، بين ثنايا حياته وفنه، ثمة جسرٌ خفيٌ وعميق يمتد ليصل إلى جبال القفقاس وروح شعوبها الأبية، التي كان الكورد جزءاً أصيلاً منها.
قدر مأساوي
لفهم عمق أعمال ومؤلفات ليرمنتوف (1814-1841)، علينا أولاً التوقف عند قدره المأساوي وشخصيته الفريدة. هذا الشاب الموهوب، بروحه "البايرونية" – المتمرّدة، السوداوية، المثقفة، والضجرة بعمق – كان مرتبطاً بقدَرٍ غريب وملعون بمعلمه الكبير، ألكسندر بوشكين.
حين رحل بوشكين، أمير شعراء روسيا، ورث ليرمنتوف عنه شيئين: تاج الشعر الروسي، وتلك التعاسة ذاتها التي ساقها البشر إليه. وعندما قُتل بوشكين غدراً في مبارزة عام 1837، امتشق ليرمنتوف، ابن الثالثة والعشرين، قلمه الحاد وكتب بغضبٍ مقدس قصيدته الشهيرة "موت شاعر". لم تكن هذه القصيدة مجرد رثاء، بل كانت مرافعةً قاسية وفِعلاً سياسياً جريءً ضد المجتمع الأرستقراطي الفاسد المحيط بالقيصر، والذين اعتبرهم ليرمنتوف مسؤولين أخلاقياً عن موت بوشكين.
بصوتٍ مباشر وشجاع، نادى "الأبناء الوقحين" و"أعداء المجد والحرية"، متوعداً إياهم بمحكمةٍ عليا:
“أَمَّا أَنتُم أَيَّتُهَا السُّلالَةُ المُتَعَجرِفَة
يَا أَبنَاءَ من اشتُهِرُوا بِمَخَازِيهم الوَضِيعَة
يَا مَن بِقَدَمٍ ذَلِيلَةٍ قَد دُستُم
بَقَايَا عَائِلاتٍ نَبيلَة تَجَهَّمَ لَهَا الحَظ !
يَا مَن تُحِيطُون بِالعَرشِ في قُطعَانٍ شَرِهَة
كَالجَلاَّدِين الَّذِينَ يُخفُونَ نَوَايَاهم الحَقِيرَة
في أَثَوابِ العَدَالةِ ، مُتَظَاهِرينَ بَالبَرَاءَة
مَن أَجلِ ذَبحِ الحُرِّيَةِ والَمجدِ والعَبقَرِية !
***
هُنَاكَ حُكمُ الرَّب
حُكمٌ رَهِيبٌ يَنتَظِر
لا يَمِيلُ مَعَ الذَّهَب
وَأَمَامَ العَرشِ الإِلَهِي
لَن تَنقِذُوا جُلُودَكم بِقَذفِ الأَوحَال ،
ولَن تَستَطِيعَ كُلُّ دِمَائِكم القَذِرَة
أَن تُعَوِّضَ أَبَداً الدَّمَ العَادِلَ لِلشَّاعِر "...
هذا العمل المؤثر، الذي تداوله الناس سراً كمنشورٍ ثوري، انفجر كقنبلة في قلب السلطة، مما أدى إلى اعتقال ليرمنتوف ونفيه للمرة الأولى إلى القفقاس. هذا المنفى، وإن كان عقاباً، غدا المنبع الأعظم لإبداعه، وبوابةً فتحت عينيه على عالمٍ جديد، وطبيعةٍ وحشيةٍ شامخة، وشعوبٍ تعشق الحرية. لقد كان القفقاس سجنه ومصدر إلهامه في آنٍ واحد، حتى لُقّب بـ "شاعر القفقاس".
القفقاس، ليرمنتوف والكورد
لا ريب أن علاقة ليرمنتوف بالكرد ليست علاقةً نصيةً مباشرة، بل هي علاقة سياقية، روحية، وفنية تنبع من عمق تجربته في القفقاس. كان القفقاس في القرن التاسع عشر فسيفساء ملونة ومعقدة من الشعوب؛ حيث عاش الشركس والشيشان والجورجيون والأرمن والأذريون، وبالتأكيد الكورد، كعنصرٍ حيوي في تلك الجغرافيا.
عاش ليرمنتوف في خضم البيئة العسكرية والاجتماعية والثقافية القاسية لحرب القفقاس. وقد عاين بشكل مباشر ثقافة الفروسية، والكبرياء، وميثاق الشرف، وحياة التوق إلى الحرية لدى الشعوب الجبلية؛ وهي سمات تحتل مكانة مركزية في الثقافة الكوردية أيضاً.
في قلب أدبه القفقاسي، يبرز نموذج "البطل الجبلي": الإنسان الشجاع، الأبي، والمتمسك بتقاليده. ورغم أن هذه الشخصية غالباً ما كانت تُنسب للشركس أو الشيشان، إلا أنها كانت في الحقيقة نموذجاً أصلياً (Archetype) يمثل كافة شعوب القفقاس الجبلية، بمن فيهم الكورد. لذا، فإن الروح التي صاغها ليرمنتوف كانت تحتوي في طياتها روح الحياة الكوردية في ذلك الزمان.
لم يكن ليرمنتوف كاتباً فحسب، بل كان رساماً بارعاً ومراقباً دقيق الملاحظة. ولعل الدليل الأبرز على صلته بالثقافة الكوردية هو لوحته المائية المعنونة "بورتريه أليكسي أركادييفيتش ستوليبين (مونغو) بزي كردي" (1841). في هذه اللوحة، رسم صديقه وقريبه مرتدياً الزي الكردي التقليدي البهي، مع الخنجر والأسلحة المزخرفة، باثاً فيها الحياة. هذا العمل لا يعكس علاقته الشخصية فحسب، بل يجسد افتتان الحقبة الرومانسية بالثقافات "الشرقية"، الأبية، و"غير الملوثة" في القفقاس. هذه اللوحة المحفوظة اليوم في متحف الدولة الأدبي بموسكو، تعد وثيقة تاريخية تؤكد التواصل البصري لليرمنتوف مع الجماليات الكوردية.
أثر "مم وزين"
النقطة الأكثر عمقاً، وإثارةً، وجدلاً في هذه العلاقة، هي فرضية تأثير رائعة أحمد خاني الخالدة "مم وزين" على ملحمة ليرمنتوف الشعرية "الشيطان" (Demon). وفقاً للعديد من النقاد القفقاسيين، لا يُعد هذا مجرد توارد خواطر أدبي. فليرمنتوف، الذي عُرف بإلمامه باللغة الأذرية (التي كانت تسمى التتارية آنذاك) واطلاعه على حكايات وملاحم المنطقة، يُرجح بقوة أنه كان مطلعاً على مضمون قصة "مم وزين" التي كانت ذائعة الصيت بين أكراد القفقاس.
العلاقة بين العملين لا تكمن في السردية، بل في الروح والفلسفة. كلاهما يتمحور حول الصراع بين الحب السماوي والأرضي، ومأساة الأرواح المغتربة في هذا العالم، والبحث عن الخلاص عبر الحب. شيطان ليرمنتوف، شأنه شأن بطلي "مم وزين"، كائن علوي يقع في حب أهل الأرض، متأرجحاً بين قدره السماوي ومشاعره الإنسانية.
الحوار بين "الشيطان" و"تمارا"، حيث يتحدث الشيطان عن ألمه الأبدي، ووحدته اللامتناهية، وأمله الذي يبعثه الحب من جديد، يحمل صدىً قوياً للمناجاة الفلسفية في "مم وزين". يقول الشيطان لتمارا:
"أحبكِ بحبٍ ليس من هذا التراب،
بكل شغف ولهفة الأحلام الخالدة...
جنتي، وجحيمي، يكمنان في نظرة منكِ".
إن مشاعر الاغتراب والبحث عن المعنى من خلال الحب تقترب بشكل مدهش من الروح الفلسفية لـ "مم وزين". هذه الفرضية تنقل علاقة ليرمنتوف بالكرد من مجرد تلامس سطحي إلى مستوى حوار ثقافي وفلسفي عميق. ورغم أنها تبقى فرضية بحاجة لمزيد من البحث والتمحيص من قبل المختصين، إلا أنها فكرة تشرع الأبواب أمام دراسات أوسع.
بطل من هذا الزمان
يبلغ هذا التمرد، والاغتراب، واليأس الشخصي ذروته في أعظم وأوحد إبداعات ليرمنتوف الروائية: "بطل من هذا الزمان". هذا العمل، الذي يُعد من رواد الرواية النفسية في العالم، ليس مرآةً لوجه بطله "غريغوري بيتشورين" فحسب، بل لجيلٍ كاملٍ ضائع.
بيتشورين ليس "الإنسان الزائد" (Superfluous Man) بالمعنى التقليدي فقط؛ إنه نتاج وضحية عصر مريض. كُتبت الرواية بعد فشل ثورة الديسمبريين (1825)، التي أعقبها عصر طويل من القمع والرقابة والصمت السياسي. كان جيل ليرمنتوف - جيل بيتشورين - جيلاً من الموهوبين والمثقفين المليئين بالطاقة، لكنهم لم يجدوا مكاناً لهم في مجتمع بلا هدف.
يوضح ليرمنتوف هدفه في مقدمة الرواية قائلاً: "بطل من هذا الزمان، ليس بورتريه لرجل واحد... إنه بورتريه يضم كل رذائل ونقائص جيلنا... لقد أُتخم الناس بالحلوى حتى تورمت بطونهم، والآن عليهم تجرع الدواء المر وقبول الحقائق القاسية." ولأن المجال السياسي كان موصداً أمامه، وجّه بيتشورين، ذلك الشاب الذكي ذو "القوى الهائلة"، طاقته الكبرى نحو ميدان المشاعر، محولاً إياها إلى ساحة لتجاربه القاسية. إنه يصف مأساته بنفسه: "كنتُ متواضعاً، فاتُهمتُ بالمكر... كنتُ مستعداً لأن أحب العالم بأسره، لكن أحداً لم يفهمني، فتعلمتُ الكراهية..."
ثقافة المبارزة والموت المخطط له
يعكس موت بيتشورين في الرواية، والذي نعلمه بشكل عرضي ولامبالٍ، عبثية حياته. وبمفارقة كبرى، كان موت خالقه ليرمنتوف مأساوياً وعبثياً بالمثل. كانت المبارزة طريقة "شريفة" لحل النزاعات آنذاك، لكن يبدو أن قدر الأدب الروسي كان أن يفقد اثنين من أعظم شعرائه بهذه الطريقة.
في 27 يوليو 1841، قُتل ليرمنتوف على يد صديقه الضابط "نيكولاي مارتينوف" في مبارزة. الأسباب الرسمية مشوشة: غيرة أدبية، منافسة على امرأة، أو دعابات ليرمنتوف اللاذعة. لكن عند التأمل، تساورنا شكوك كبرى. كيف وقع ليرمنتوف، الذي سمّى موت بوشكين "فخاً"، في الفخ ذاته بعد أربع سنوات؟
حين أفكر في هذه الميتات "الشريفة"، تحضرني مقولة الروائي السوري الراحل عبد السلام العجيلي. فعند حديثه عن "المغمورين" العرب الذين جلبتهم الدولة إلى الجزيرة السورية وأسكنتهم أراضي الكرد في النصف الثاني من القرن العشرين، قال: "الرؤوس الكبيرة في العاصمة خططت لذلك!" هل انزعجت الرؤوس الكبيرة في العاصمة الروسية، من القيصر إلى حاشيته، من صوتٍ متمرد وناقد آخر؟ بلا شك، إن لم يكن بتدبيرهم، فقد كان برضاهم.
مهما يكن السبب، كانت النتيجة مأساة كبرى: حين أطلق ليرمنتوف رصاصته نحو السماء معلناً عدم رغبته في القتال، أردوه قتيلاً بغدر. ورغم رحيله المبكر، لعل مقولة ليو تولستوي تختزل المشهد: "...لو بقي هذا الفتى حياً، لما احتاج أحدٌ إليّ ولا إلى دوستويفسكي!".
ليرمنتوف بالكوردية
صدرت هذه التحفة، "بطل من هذا الزمان"، والتي تُرجمت إلى معظم لغات العالم، باللغة الكوردية (اللهجة السورانية) عام 2021 بعنوان "قارەمانی سەردەمی ئێمە" بترجمة سواره شاكلي، لكن، وللأسف، لا تتوفر حتى الآن ترجمة كاملة لها بالكرمانجية العليا (ليتني أكون مخطئاً ولم أرها)!
على أية حال، هذا الفراغ ليس مجرد نقص أدبي، بل هو ضياع لفرصة التعرف على روح كانت تبحث عن معنى الحياة في جبال القفقاس، الوطن المشترك للعديد من الشعوب ومنهم الكورد، وخطت بقلمها خارطة روح لجيل بأكمله.
في الجوهر، هذا العمل لا يخص جيلاً واحداً أو حقبة بعينها، بل يخاطب كل الأجيال والبشر والأزمنة. "العالم مصيدة!" كما يقول سليمنا، سليم بركات، والإنسان يقع فيها، يتخبط ويبحث عن طريق للخلاص، عن معنى وغاية لحياته فلا يجد، فيهيم على وجهه ويتلاشى عن الأنظار.. ويمضي!




