يعد العراق من أبسط الاقتصادات على الفهم من حيث المالية وإعداد الموازنة. فالاقتصاد أحادي المصدر في العراق والمرتبط بإيرادات النفط جعل حساب الإيرادات أمراً يسيراً، وكذلك حساب النفقات يتسم بالسهولة ذاتها، لأن الأولوية الرئيسة تتمثل في توفير رواتب جميع الموظفين الذين تضاعفت أعدادهم بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
إن إعداد الموازنة بالنسبة للحكومة عملية بسيطة: يضعون سعراً افتراضياً للنفط، ويرتبون الإيرادات والنفقات، ويتوقعون العجز في الموازنة، ثم يشغل البرلمان نفسه لعدة أشهر بما ليس له أهمية جوهرية. حيث أن 90% من إيرادات الحكومة خارج سلطتها ومرتبطة بتقلبات سوق النفط العالمية. أما الأرقام الموضوعة للتعبير عن النفقات ليست الحكومة ووزارة المالية ملزمة بالإنفاق بموجبها، بل يتم تخصيص النفقات وفقاً للإيرادات التي تصل إليهم، وهو ما يطلق عليه الإنفاق "الفعلي" أو العملي. أما العجز البالغ عدة تريليونات من الدنانير وحتى 10 أو 20 تريليون دينار، فيمكنهم معالجته بسهولة عبر الاقتراض الداخلي والخارجي، مع أنهم لا يكلفون أنفسهم مشقة التعامل مع الضغوط، بل يسلكون الطريق الأسهل.
فالأرقام المخصصة للإنفاق الاستثماري يتم تخفيضها لكي لا يخرج عجز الموازنة عن السيطرة. ولا أهمية لما سيحدث مستقبلاً، فهذه هي سياسة الحكومة الحالية والحكومات العراقية السابقة منذ عدة سنوات. هذا هو كامل نظام إعداد الموازنة في العراق. الذي يتحمل أكبر الخسائر في هذه المعادلة، هو إقليم كوردستان الذي يحرم من رواتب بعض أشهر سنوياً، ولا يحصل على حصته من الموازنة ولا تتوفر لديه موازنة للتنمية والبنية التحتية، لكي تكون مشاكل السنوات والأجيال القادمة على الأقل أقل حدة، ولفتح طريق نحو النمو والتقدم.
لذلك، من الأفضل هذه المرة أن يغير ممثلو إقليم كوردستان في بغداد، في البرلمان والحكومة العراقية المقبلة، موقفهم وسياسة عملهم. فبدلاً من الانجرار وراء دوامة السياسة المالية الخاطئة وإعداد موازنة العراق ويتوسلوا لتخصيص حصة إقليم كوردستان، من الأفضل أن يتخذوا موقفاً ناقداً وهجومياً في مؤسسات العراق، وأن يتحدوا السياسة المالية الخاطئة للحكومة العراقية، على الأقل لضمان الحصة العادلة لإقليم كوردستان وعدم انتهاك حقوق شعب الإقليم.
عليهم أن لا يتزحزحوا عن المطالبة بتوزيع إجمالي إيرادات العراق وفقاً لعدد السكان والمطالبة بنسبة 14% من الموازنة كحصة حقيقية لإقليم كوردستان. كما يجب أن يطالبوا بحذف مصطلح "الفعلي" أو العملي، الذي جعل قانون موازنة العراق بلا معنى تماماً. فالحكومة الاتحادية العراقية تقوم عاماً بعد عام بتغيير مبدأ الفيدرالية بشكل فعلي وتتجه نحو السيطرة المركزية على كل شيء من بغداد. إن وضع نظام ضريبي وجمركي موحد هو من أبسط الإجراءات التي اتخذتها الحكومة العراقية، والتي قضت تماماً على حركة التجارة في إقليم كوردستان. ربما تكون المهمة الأهم للنواب الكورد في بغداد هي إفهام المسؤولين والأطراف العراقية أن النظام السياسي والمالي في العراق اتحادي ويجب ألا يخافوا من ذلك. فقد يؤدي النظام الاتحادي الفعال، على غرار البلدان الأخرى، إلى دفع البلد بأكمله نحو اقتصاد أفضل ورفاهية أكبر. وفقاً للبيانات الرسمية لوزارة المالية للنفقات والإيرادات خلال التسعة أشهر الأولى من هذا العام، خصصت الحكومة العراقية ما يقارب أربعة تريليونات دينار لدعم أسعار الوقود والكهرباء، وأكثر من أربعة تريليونات دينار كفوائد على ديونها. كل هذا على حساب حصة إقليم كوردستان من الموازنة، وهو ما يعادل إجمالي المبالغ المخصصة لإقليم كوردستان خلال تلك الأشهر التسعة.
تكشف السياسات المالية التي عملت بها وزارة المالية العراقية في العامين 2024 و2025 عن حقيقة مرة: إن الاستقرار المالي الحالي قد تحقق فقط من خلال إلغاء النفقات الاستثمارية (التنمية ومشاريع البنية التحتية) وتراكم ديون داخلية ضخمة. يؤكد تحليل التقارير المالية الرسمية أنه رغم توفير الاحتياجات المالية الحالية (مثل الرواتب والرواتب التقاعدية والرعاية الاجتماعية)، إلا أن هذه السياسة أدت إلى إضعاف قدرة البلاد على التنمية المستدامة طويلة الأمد.
حجم العجز
تمثلت المشكلة الرئيسة لموازنة العراق خلال العامين الماضيين في الفجوة بين الإيرادات، وخاصة إيرادات النفط، والنفقات، كما يتضح من الجدول التالي:

بلغ إجمالي العجز الكلي في الموازنة خلال 21 شهراً 17.88 تريليون دينار، مما دفع الحكومة إلى اللجوء إلى حلول متسرعة تمثلت في الاقتراض (الخارجي والداخلي) وتقليص النفقات.
الحل الداخلي، تجميد المشاريع الاستثمارية
كان أسرع وأسهل حل اتخذته وزارة المالية هو تقليص تمويل المشاريع الاستثمارية. ساعد هذا الإجراء، إلى جانب تقليص إجمالي النفقات، على احتواء العجز وإخفائه.
تُظهر البيانات التالية مدى إهمال المشاريع الاستثمارية والتنموية مقارنة بالنفقات الإلزامية (الرواتب وغيرها):
تحليل النفقات

النفقات التشغيلية: بلغت 144.16 تريليون دينار في 2024، و95.78 تريليون دينار في الأشهر التسعة الأولى من 2025 (وهذا يمثل أكثر من 95% من إجمالي النفقات).
النفقات الاستثمارية (المشاريع): بلغت 6.37 تريليون دينار فقط في 2024، و4.20 تريليون دينار فقط في تسعة أشهر من 2025.
نسبة الاستثمار: شكلت حوالي 4% من إجمالي النفقات، مما يعني أن التنمية تم تهميشها بالكامل.
لقد ألقى الالتزام المالي بالنفقات الآنية (الرواتب والرواتب التقاعدية والدعم) بظلاله الثقيلة على الموازنة. في الأشهر التسعة من 2025، كانت النفقات التشغيلية أكبر بـ22.8 مرة من النفقات الاستثمارية. وفي 2024، كانت النفقات التشغيلية أكبر بـ22.6 مرة من النفقات الاستثمارية. هذه النسبة المنخفضة من النفقات الاستثمارية (4% فقط من النفقات) دليل على أن الحكومة العراقية قررت سد العجز على حساب إلغاء المشاريع. بمعنى آخر، من كل 100 دينار يتم إنفاقه، يخصص أقل من 5 دنانير لبناء مستقبل العراق.
الحل الخارجي، ارتفاع الدين الداخلي
رغم تقليص وزارة المالية العراقية لإجمالي النفقات وخاصة النفقات الاستثمارية، إلا أن عجز الموازنة لم يتم حله بالكامل، واضطرت إلى سده من خلال طرق أخرى. خلال 21 شهراً، تمثلت الآلية الأخرى لسد العجز في طرح "سندات مالية" للبنوك الحكومية والتجارية. استخدمت وزارة المالية صلاحياتها القانونية لسد العجز، وهو ما أدى إلى تراكم الديون الداخلية.
إجمالي الدين العام: يقدر أن إجمالي الدين العام للعراق (الداخلي والخارجي) بنهاية العام 2025 سيتجاوز 120 تريليون دينار (حوالي 92 مليار دولار).
الدين الداخلي: تم سد جزء كبير من العجز عبر الدين الداخلي، خاصة من خلال البنوك الحكومية والتجارية، حيث يقدر الدين الداخلي حتى منتصف 2025 بأكثر من 91 تريليون دينار (حوالي 69 مليار دولار).
أضرار تراكم الديون
السياسة النقدية
يخلق الاقتراض المفرط من قبل وزارة المالية، وخاصة الدين الداخلي، مشكلة للبنك المركزي، بحيث لا يستطيع تنفيذ سياسته النقدية المستقلة المتمثلة في استقرار سعر صرف الدينار والتضخم. إذا قررت الحكومة اللجوء إلى البنك المركزي كلما حدث عجز (حيث تشتري البنوك الحكومية والتجارية ديون وزارة المالية، لكن البنك المركزي يمولها)، وأنجز البنك المركزي ذلك بطباعة النقود، فإن ذلك سيمنع البنك المركزي من السيطرة على التضخم وسعر صرف الدينار. يعرف هذا التداخل في الاقتصاد باسم اختلاط سياسة إعداد الموازنة بالسياسة النقدية، مما يضع استقلالية البنوك المركزية موضع تساؤل.
إضعاف القطاع الخاص
لا تستطيع وزارة المالية الاقتراض مباشرة من البنك المركزي، لذلك تقترض من البنوك الحكومية والتجارية، لكن في النهاية يتحمل البنك المركزي عبء التمويل. إذا تقرر استخدام معظم السيولة النقدية للبنوك الحكومية والتجارية لسد عجز الموازنة، فلن تبقى أموال للقطاع الخاص. في الظروف الطبيعية والمعيارية، ينمو القطاع الخاص، الذي يمثل محرك تنويع الاقتصاد، من خلال قروض المصارف.
ثمن باهظ لاستقرار قصير الأمد
رغم أن حل وزارة المالية العراقية لسد العجز يحل مشكلة الحكومة في توفير الرواتب والنفقات على المدى القصير، إلا أنه يضع العبء الثقيل على عاتق الأجيال القادمة، وخاصة أجيال إقليم كوردستان التي تُهمل احتياجاتها المالية باستمرار من قبل الحكومة الاتحادية. إن اتباع سياسة تقليص النفقات الاستثمارية والتنموية يضر مباشرة بنمو القطاع غير النفطي، كما يظهر بوضوح في العام 2024، حيث يحذر صندوق النقد الدولي في أحدث تقاريره عن العراق من أن نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في العراق انخفض من 13.8% في 2023 إلى 2.5% في العام 2024، وهذا يجعل العراق يبقى رهينة دائمة لعدم الاستقرار في سوق النفط.
*مسؤول القسم الاقتصادي في شبكة رووداو الإعلامية



