ما قدمته قناة رووداو الفضائية لأهالي جمجمال خلال أيام قليلة، عبر حملة تبرعات تجاوزت سبعة مليارات دينار، لا يمكن النظر إليه كمبادرة إنسانية عابرة أو تصرف طارئ فرضته الظروف، بل أن ما حدث يعكس دوراً جديداً ومتقدماً للإعلام، دوراً يتجاوز التغطية ونقل الصورة، ليصل إلى تحريك المجتمع ودفعه إلى الفعل الجماعي في لحظة غابت فيها الدولة أو تأخرت.
في الأزمات الكبرى، لا تقاس أهمية الإعلام بكم الأخبار التي يبثها، بل بقدرته على التأثير في وعي الناس وتحويل التعاطف إلى سلوك عملي، وهذا بالضبط ما قامت به قناة رووداو في كارثة فيضانات جمجمال، إذ لم تكتف بعرض مشاهد الدمار، بل قدمت إطاراً إنسانياً مسؤولاً دفع المواطنين إلى التبرع والمشاركة، وساهم في خلق حالة تضامن مجتمعي واسعة خلال وقت قياسي.
برأيي ليست الفيضانات التي ضربت جمجمال هي الكارثة الحقيقية، ولا عدد الضحايا وحده هو جوهر المأساة، بل ما كشفته هذه الحادثة من فراغ مؤسسي مزمن، حين يتقدم الإعلام ليقود الاستجابة الأولى، بينما تكتفي الدولة بالتصريحات واللجان، فإن المشكلة لا تكون ظرفية، بل بنيوية، وتتعلق بغياب منظومات فاعلة لإدارة الأزمات.
العراق بلد غني بالموارد، وتدار فيه موازنات ضخمة سنوياً، ومع ذلك تتكرر حالة العجز عند كل كارثة طبيعية أو إنسانية، لا منظومات استجابة سريعة، ولا صناديق طوارئ فعالة، ولا آليات واضحة لتعويض المتضررين، وفي هذا الفراغ، يصبح الإعلام لاعباً أساسياً، لا لأن هذا دوره الطبيعي، بل لأن الدولة تخلت عملياً عن مسؤولياتها.
دور الإعلام في هذه الظروف لا يقتصر على كشف التقصير، بل يمتد إلى تنظيم التضامن وتحفيز المجتمع، الإعلام الموثوق، حين يمتلك المصداقية والثقة، يصبح قادراً على توجيه الرأي العام، ودفع الناس إلى المشاركة كما حصل في حملة رووداو التي جمعت أكثر من سبعة مليارات دينار خلال أيام قليلة، وهذا الرقم ليس إنجازاً مالياً فحسب، بل دليل على حجم التأثير الذي يمكن أن يمتلكه الإعلام حين يدار بمسؤولية.
هذا الواقع ليس جديداً في تاريخ العراق من الأنفال، حيث تُرك الضحايا سنوات طويلة دون إنصاف حقيقي، إلى الحروب المتعاقبة، وصولاً إلى حرب داعش وما خلفته من دمار وتهجير وتعويضات ناقصة، ظل المواطن يعتمد على التضامن الشعبي أكثر مما يعتمد على الدولة. الجديد اليوم أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل لمعاناة الناس، بل محركاً مباشراً لهذا التضامن.
ما قامت به قناة رووداو لا يجب فهمه كعمل بطولي استثنائي، بل كنموذج لدور إعلامي فاعل في أوقات الأزمات، فحين تتمكن قناة فضائية من جمع هذا الحجم من التبرعات، فهذا يعني أنها نجحت في تحويل المشاهد المؤلمة إلى مسؤولية جماعية، وفي إقناع المجتمع بأن المساعدة ليست خياراً أخلاقياً فقط، بل واجباً إنسانياً.
لكن في المقابل، يطرح هذا الدور سؤالاً محرجاً للدولة: لماذا ينجح الإعلام في تعبئة المجتمع بسرعة، بينما تفشل المؤسسات الرسمية في تقديم استجابة فعالة؟ المشكلة لم تكن يوماً في شح الموارد، بل في سوء الإدارة والفساد وغياب التخطيط، وفي دولة لا تتحرك إلا تحت ضغط الإعلام والرأي العام.
في جمجمال، لم يسبق الإعلام الدولة فقط، بل قاد المجتمع حين عجزت المؤسسات وما قامت به قناة رووداو يثبت أن الإعلام، حين يتحلى بالمسؤولية والمصداقية، يمكن أن يتحول إلى قوة إنقاذ حقيقية، لكن هذا الواقع، بدل أن يكون مدعاة للفخر، يجب أن يكون ناقوس خطر، لأن الدولة التي يسبقها الإعلام عند الكوارث، مطالبة بمراجعة دورها، قبل أن يصبح الغياب هو القاعدة والتضامن الشعبي هو البديل الدائم.



