ما اقترفته الجماعات التابعة لسلطات سوريا العربية بحق سكان حيي الأشرفية والشيخ مقصود الكورد في حلب، في الأيام الأخيرة، أبرز حقيقة مفادها أنه مهما تغير النظام السياسي في سوريا أو أي من الدول التي تحتل كوردستان، ومهما تغيرت النظم الحاكمة فيها، لن يتغير شيء بالنسبة للكورد، فهي دول والدول تلك محتلة لكوردستان.
تم شن تلك الحملة والهجمات الوحشية على الكورد في هذه المدينة، في ظل ظروف وزمن اشترطت فيه أميركا والدول الغربية على سلطة أحمد الشرع، التي عمرها سنة واحدة، أن تلتزم بحماية حقوق المكونات القومية والأقليات المتنوعة في البلد، لقاء انفتاح العالم على تلك السلطة. في ظل هذه الظروف الحرجة التي يمر بها نظام الشرع الذي لم يقف على قدميه بعد، ولا يزال موضع اختبار ومراقبة، كان هذا تصرفه تجاه الكورد، فكيف به إذا ترسخت سلطته واستقام له الحكم، وأي مصير أسود سيكون بانتظار الكورد حينها؟
مشاهد قتل وتعذيب النساء والأطفال والشباب الكورد والاستهزاء والتنكيل بجثامين الشهداء، التي نشرت في مقاطع فيديو هي لا شك نقطة في بحر، وتثبت أن انتماء الكورد لنفس الدين والمذهب اللذين ينتمي إليهما العرب الذين في السلطة الآن في سوريا لن يغني عن أحفاد صلاح الدين شيئاً، لأن الاختلاف أصلاً قومي، وقد اعتاد أولئك منذ القدم أن لا يقبلوا بوجود أي قومية غير قوميتهم. هذا يعني أن خطة الإبادة الجماعية التي ارتكبت في الأشرفية والشيخ مقصود هي مجرد بداية، وإن لم يتم اعتراض سبيلها، فإننا سنشهد في قادم السنوات المزيد من الاعتداءات.
القوات الكوردية في سوريا، لم تسبب أي مشاكل أو تهديدات لسلطات أحمد الشرع السنية في سوريا خلال هذه السنة الأخيرة، بل ولا حتى للسلطات العربية في البلد في السنوات العشر أو الاثنتي عشرة من الأحداث الدامية في الداخل السوري. فلم تكن هذه القوات طرفاً في المشاكل والصراعات الدموية في سوريا. بل قاتلت بما يوازي قتال كل القوى العربية التابعة للدولة وللمعارضة ضد داعش وقدمت تضحيات، لكن أياً من هذا لم ولن يتحول إلى عذر يردع نظام الشرع أو أي نظام آخر سيحكم سوريا، عن ممارسة التطهير العرقي ضد الكورد. لذا على الكورد أن يدركوا أنهم ما لم تكن لهم دولتهم، لن يكون هناك أي ضمان يضمن أمنهم واستقرارهم وبقاءهم، وسيظلون ضحايا باستمرار.
هناك حقيقة أخرى يمكن أن نراها نتيجة لهذا الظلم، وهي حقيقة وجود شخصيات كوردية في مراكز عالمية، على سبيل المثال، د. علي القرداغي في رئاسة اتحاد العلماء المسلمين العالمي، ود. برهم صالح في رئاسة المفوضية العليا لشؤون النازحين في الأمم المتحدة، حيث توقع كثيرون أن وجود شخصيات كوردية في هذه المواقع العالمية سيكون فرصة تتاح لقضية أمة لا دولة لها، كالكورد، لتنال المساندة العالمية لنيل حقوقها المغتصبة.
لكن صمت هاتين الشخصيتين العالميتين عن أحداث الهجمة الوحشية للجماعات التابعة للسلطة العربية السورية على حيي الأشرفية والشيخ مقصود الكورديين، كان صدمة قاتلة للكورد. خاصة وأن الأحداث كانت تمس مباشرة اختصاص المؤسستين العالميتين اللتين يقبع هذان الكورديان على قمة الهرم فيهما.
باشرت الفصائل العربية السورية المسلحة هجماتها تحت مسميات كتائب الإسلام وهي تهتف الله أكبر، وتعتمد فتاوى الجهاد وتكفير الكورد. أفلم يكن يمستطاع الرئيس العام لاتحاد علماء المسلمين العالمي، د. علي القرداغي، أن يفتي بحرمة دماء الكورد؟
قررت الفصائل العربية السورية المسلحة، علناً وعلى مرأى من الله ومن الناس، تهجير وتشريد الكورد وتدمير ديارهم، وقد أشارت الإحصائيات المعلنة للأمم المتحدة إلى نزوح ونشريد نحو 150 أفلف إنسان. ألم يكن بمستطاع رئيس المفوضية العليا لشؤون النازحين التابع للأمم المتحدة، د. برهم صالح، أن يجري اتصالاً هاتفياً مع أحمد الشرع ويطلب منه إيقاف تهجير الكورد؟
هل صحيح أن وجود الكورد في هذه المناصب والمؤسسات المهمة والدولية لا ينفع الكورد في شيء كما لمسنا ذلك في فاجعة الكورد في حلب، أم للأمر علاقة بمدى اهتمام هذه الشخصيات بكورديتها؟
إلى جانب هذه الحقائق المرة التي ذكرتها، ضمت أحداث الشيخ مقصود حقيقتين مهمتين تبعثان الارتياح. أولاهما، أنه في ظل هذه الظروف الداخلية للكورد حيث لم يكن البيت الكوردي قط مشتتاً إلى هذه الدرجة، برزت وحدة الكورد في مواجهة هذه الفاجعة. فقد تألمنا نحن الكورد جميعاً، في أجزاء كوردستان الأربعة وفي كل أصقاع العالم التي تناثر فيها الكورد، متدينين وملحدين، من أقصى اليمين إلى أقصة اليسار، وكأننا سكان الشيخ مقصود. وحدة الموقف والاتحاد هذا هو الترياق الحقيقي الذي يداوي جراحنا. علينا أن نتمسك به كمبتدأ لوحدة طويلة الأمد ولا نسمح للمرضى النفسيين في الإعلام والمجاميع السياسية أن يتسببوا في حدوث صدع في وحدة صف الكورد.
الحقيقة المهمة والسارة الثانية لشعب لا سفير له كالكورد، لا يبلغ صوته مسامع العالم، ولا تفتح في وجهه أبواب الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبيت الأبيض، تتمثل في دور الإعلام الكوردي في نقل آلام الكورد إلى المراكز العالمية المهمة. ففي هذه الأحداث يمكن وصف الإعلام بأنه صوت شعب لا سفراء له. إلى جانب الثناء والتقدير لجميع وسائل الإعلام الكوردستانية التي كان لها جميعاً دور مهم على المستوى الداخلي الكوردي، في بناء هذا التعاطف ووحدة الموقف، فإنني أود أن أخص بالتقدير والثناء ثلاث شخصيات في الإعلام الكوردي، عملت كأثافي ثلاث في البيت الأبيض والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، مراسلي رووداو، كل من: ديار كورده، نامو عبدالله، وآلا شالي.
هذه الشخصيات الإعلامية الكوردية لعبت دور سفير للكورد في هذه المراكز العالمية الثلاثة. حاوروا العشرات من الوزراء والمبعوثين وسفراء الدول، وملأوا أروقة الاتحاد الأوروبي حديثاً عن آلام كورد حلب وروجآفاي كوردستان، ووضعوا الأمم المتحدة في مواجهة مسؤولية إدانة جرائم أحمد الشرع. تحول ديار كورده إلى لوحة تعرض آلام الشيخ مقصود في البيت الأبيض الأميركي الذي هو أعلى مركز سلطة في عالم اليوم.
بروز هذه الحقيقة المهمة عن دور الإعلام، مهم للغاية للكورد الذين لا ممثلين ولا سفراء لهم، ويجب عدم إغفال جهود رووداو هذه، وكذلك يجب أن تصبح حافزاً لزيادة تطوير الإعلام في كوردستان، وخاصة صناعة إعلام يفهم العالم لغته إلى جانب مشاهدة الصور التي يعرضها. على أصحاب السلطة الكورد أن يجدوا في هذا فرصة، فكون أبواب المراكز العالمية موصدة في وجه البعثات الدبلوماسية وسفراء كوردستان، لا يعني أنه ليس أمام الكورد منفذ يدخلون منه، فقد أثبت الإعلام اليوم أنه قادر على أن يكون المتحدث باسم الكورد الذين لا سفراء لهم.



