في ظل مرحلة شديدة التعقيد تمر بها سوريا ومع تصاعد التوترات بين الفاعلين المحليين وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، جاء الاجتماع الذي عقد يوم أمس المصادف بتأريخ ١٧/١/٢٠٢٦ بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والرئيس مسعود بارزاني، ورئيس حكومة إقليم كوردستان مسرورلبارزاني، وبحضور المبعوث الأميركي توماس باراك، ليشكل محطة سياسية بالغة الأهمية في مسار البحث عن حل واقعي للأزمة السورية غير أن ما يمنح هذا الاجتماع دلالته الأعمق هو أنه جاء بمبادرة مباشرة ورعاية واضحة من رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، الذي لعب دور المهندس السياسي والدبلوماسي لهذا اللقاء في توقيت بالغ الحساسية، لم يأتِ هذا الاجتماع من فراغ، بل كان ثمرة مسار دبلوماسي مدروس قاده رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني بحكمة ومسؤولية، انطلاقا من قناعته الراسخة بأن منع الحرب أهم من إدارتها بعد اندلاعها، وأن الاستقرار في سوريا جزء لا يتجزأ من أمن العراق وإقليم كوردستان والمنطقة بأسرها، فمنذ بدايات التوتر الأخير، تحرك نيجيرفان بارزاني على أكثر من خط مستخدما شبكة علاقاته المتوازنة مع الأطراف الإقليمية والدولية، لفتح نافذة حوار حقيقية تمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة وإن المبادرة التي جمعت هذه الشخصيات في لقاء واحد تعكس إدراكا عميقا لطبيعة الأزمة السورية وتعقيداتها، فالصراع هناك لم يعد محصورا في بعد داخلي، بل بات عقدة تتقاطع فيها المصالح الدولية، وتستخدم فيها التناقضات المحلية وقودا لصراعات أكبر.
من هنا جاء دور نيجيرفان بارزاني بوصفه وسيطا عقلانيا، قادرا على التواصل مع مختلف الأطراف دون استفزاز، وعلى طرح منطق التهدئة كخيار واقعي لا كتنازل سياسي.
وفي هذا الإطار، يكتسب حضور الرئيس مسعود بارزاني أهمية خاصة، إذ يمثل المرجعية السياسية والتاريخية التي تضفي على أي مسعى حواري ثقلا ومصداقية فالرئيس مسعود بارزاني لطالما كان من دعاة الحلول السياسية، ومن الأصوات التي حذرت مبكرا من مخاطر تجاهل الحقوق القومية للكورد وباقي المكوّنات في سوريا وإن مشاركته في هذا الاجتماع تعكس دعما واضحا لهذا المسار، وتؤكد أن الحل السياسي لا يمكن أن ينجح دون رؤية شاملة تعترف بالتعددية والشراكة الحقيقية.
كما أن مشاركة رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني تضيف بعدا عمليا وتنفيذيا لهذا الجهد فمسرور بارزاني يمثل الحلقة التي تربط المبادرات السياسية بإمكانية ترجمتها إلى خطوات ملموسة، سواء على مستوى التنسيق الأمني أو الانفتاح الدبلوماسي أو إدارة تبعات أي تفاهم مستقبلي وهذا الحضور يؤكد أن إقليم كوردستان لا يكتفي بإطلاق المبادرات، بل يضع ثقله المؤسسي في سبيل إنجاحها.
أما البعد الدولي، الذي مثله حضور المبعوث الأميركي توماس باراك، فيعكس نجاح رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في إقناع الأطراف الدولية المؤثرة بأهمية هذا المسار، فوجود ممثل عن الإدارة الأميركية في هذا اللقاء يشير إلى اعتراف واضح بدور إقليم كوردستان كطرف قادر على لعب دور الوسيط الموثوق، وإلى قناعة بأن أي تهدئة مستدامة في شمال وشرق سوريا لا يمكن أن تتم دون انخراط كوردستاني فاعل.
إن ما يميز هذا الاجتماع، الذي جاء بمبادرة من نيجيرفان بارزاني، أنه لا يهدف إلى إنتاج حلول سريعة أو شعارات سياسية، بل يسعى إلى فتح مسار طويل النفس يقوم على بناء الثقة ومعالجة جذور الأزمة فالتجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات الهشة التي لا تستند إلى اعتراف متبادل وحقوق واضحة سرعان ما تنهار عند أول اختبار ميداني.
أن ما جرى لم يكن تحركا بروتوكوليا ولا محاولة تهدئة شكلية، بل تدخلا سياسيا ضروريا لوقف مسار كان يتجه نحو مواجهة خطيرة، الاجتماع فتح باب الحوار في لحظة كان التصعيد هو الخيار الأسهل، ووضع بديل واقعي لمنطق فرض الوقائع بالقوة.
الرسالة هنا مباشرة، الرهان على السلاح لم ينتج استقرارا، ولم يقدم لسوريا سوى المزيد من الدمار والانقسام وكل تأجيل للحل السياسي ليس إلا تمهيدا لانفجار أكبر، اليوم الجميع أمام خيار واضح لا يقبل التأجيل، إما الانخراط الجاد في مسار سياسي قائم على الشراكة والاعتراف بالحقوق، أو تحمل مسؤولية استمرار الصراع وتبعاته.
لم يعد مقبولا الاحتماء بالشعارات لتبرير العنف والبديل بات واضحا، والحوار أصبح ضرورة لا خيارا ومن يرفض هذا المسار، أو يعمل على إفشاله، لا يحمي دولة ولا يصنع استقرارا، بل يكرر المأساة ويدفع المنطقة مجددا نحو حافة حرب كان يمكن تفاديها.



