"لا صديق للكورد سوى الجبال" هكذا نطقت التجربة، وهذا ما استنتجه آباؤنا عقب وعد يخان وميثاق لا يُصان، ولكن، تعالوا لنفكك هذه الجملة المتوارثة، النابعة من واقعنا السياسي والجغرافي، والتي لم تعد توصيفاً للتجربة فحسب، بل تحولت إلى شعارٍ سياسي وركنٍ مظلمٍ، تنزوي إليه كينونة الكوردي إثر كل خذلانٍ يتعرض لها خيانة.
طوال الأسابيع التي مضت، تابعت أغلب ما جاء في منشورات الأصدقاء، باللهجتين الكرمانجية والسورانية، كذلك التي كُتبت بالعربية "الكورد في مهب الريح"، "البقاء أصدق أنواع المقاومة"، "لا صديق لنا سوى الجبل"، "نحن لا نسقط ولكننا لا نصل أبدا"، "الجغرافية ضد الكورد".
هذا التعميم المطلق الكامن في هذه العبارات مربك ومخيف، لا لأنه زائفٌ بالضرورة، بل لأنه يكشف خللاً في الوعي الجمعي الكوردي. رغم أن هذه العبارات وغيرها بما تحمله من وجعٍ كثيف متسق مع ما نعيشه، ولكن المفارقة أن المكاسب والانتصارات الكبرى، لم تكن يوماً نتاج الاستسلام للواقع، بل كانت ثمرة أفكارٍ تمردت عليه.
هذه الليلة سمعت شاباً كوردياً يقول: " لا أريد أن أوّرث هذا الواقع لابني، أريد أن أكون الجيل الذي يكتب ختاماً لهذه القصة، أريد أن ننتصر" لم تكن نزعته في النصر هي ما استوقفتني، بل رغبته في كسر هذه الدائرة؛ أن لا يكون ابنه امتداداً لمصير متكرر. بدا واضحاً أن الوقت حان لنتوقف عن تمرير خُلاصات خيبات الأجداد إلى الأجيال اللاحقة، وأن نعيد النظر في نقطة البدء: الذي يجب أن يتغير هو وعي الكوردي بذاته أولاً، ثم واقعه لا العكس، وبالعودة إلى العبارة المذكورة، فإن الجبل كان منبع ثوراتنا وبيتنا الأول، ومخبئنا الذي عرفناه مثل باطن أيدينا، ولكن هذه العبارة تعرقل ما نسعى إليه. تقول إحدى الصديقات: "لم يعد الاحتماء بالجبل رمزاً للثورة، بل ربما أصبح رمزاً للاستلام الذهني". وافقتها بشدة، فنحن لم نعد نمتلك رفاهية الانزواء في كهفنا، فإما مهزوماً نكون أو منتصراً، وبما أن خيار الانعزال الجسدي أو النفسي أو حتى الفكري لم يعد مطروحاً. يصبح هذا السؤال ملحاً: لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة؟ ولم نحن وحيدون؟.
من نقد الآخر إلى نقد الذات: قرأت مؤخراً أن ببغاء الكاكابو مهدد بالانقراض بسبب وداعته المفرطة، فهو يقلص المسافة حتى يصبح عرضة للافتراس، والمفارقة أن ما يجعله محبوباً لدى الإنسان، هو نفسه ما يعرضه للانقراض. وقد اتفق الجميع، حتى أعداؤنا، على طيبة الكوردي المفرطة، وقدرته على مسامحة الآخر؛ ذلك الآخر الذي يفسر طيبتنا ضعفاً، ومسامحتنا غباءً، ولا يحترم سوى جلاديه. ونحن الآن مصابين بالحيرة بين الاحتفاظ بطيبتنا المتأصلة والقسوة التي تفرضه علينا الواقع، لم نعد نؤمن بأن أدواتنا تصلح للتعامل مع هذا العالم. لذا يجب إعادة النظر في كيفية تعاملنا مع المعطيات وليس شيطنة الآخر. أرى قيام المختصين في علم النفس بدراسة اللاوعي الجمعي للإنسان الكوردي بهدف فهمه وتفكيكه وتوجيهه أمراً ملحاً، كذلك إعادة تفسير الأساطير القديمة والعبارات المتوارثة والمتعلقة بالخيانة منها "کورد خۆ خۆرن" فمثلاً؛ يتيح التعمق في إسطورة شاهميران الكوردية، فهماً أعمقاً لصراعات الفرد الكوردي مع ذاته: لم يخن تامسب ملكة الأفاعي بقدر خيانته لنفسه، خانته فطنته وحكمته في تقديره للظروف والآخر، وبالتالي فإن الملك لن يفي بوعده وسيقتل شاهميران، وهذا تماماً ما تعرضت له أغلب قادتنا وخدعوا من قبل آخرٍ خان الميثاق. من هذا المنطلق يصبح دراسة الميثولوجيا الكوردية ضرورة حتمية هو الآخر، ليس سردها كقصص شعبية وأساطير قديمة فقط، بل كأدوات لإعادة صياغة السرد الجمعي، وانتاج خطاب ثقافي يُمكن الأجيال القادمة من بناء تصور متوازن عن الوطن والحياة معاً.
في هذه المرحلة، يفرض الواقع علينا ممارسة النقد الذاتي بموضوعية، بعيداً عن لوم عدوٍ أو حدودٍ جغرافية، كذلك تفكيك الموروث السردي وإعادة بنائه وصياغته بما يتناسب مع تطلعات جيل اختار مع الوطن الحياة لا الموت، بدلاً من التمسك بسردياتٍ عفى عليها الزمن.



