هل يمكن أن تتأخر العملية السياسية ومصلحة بلد وشعب، وربما يتعرض لعقوبات اقتصادية من قبل قوة عظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية، بسبب طموحات شخصية سياسية للعودة إلى منصب رئاسة الحكومة للمرة الثالثة، مع أنه، وباعترافه المعلن على فضاء الإعلام، قد فشل في إدارة شؤون الدولة؟.
هذا يحدث في العراق حصرياً، فالعملية السياسية دخلت في مرحلة خرق التوقيتات الدستورية في تشكيل الحكومة، والجميع بانتظار اختيار رئيس الجمهورية (كوردي) ليكلف مرشح الإطار التنسيقي (شيعي) بتشكيل الحكومة، بينما تجاوز العرب السنة أولى مفاصل المضي بالعملية السياسية عندما أعلنوا منذ وقت مبكر مرشحهم لرئاسة مجلس النواب، حسب العرف الدستوري وليس الدستور.
اجتماعات ولقاءات وسجالات نهارية وليلية خلف أبواب مغلقة في غالبية الأحيان، ومشرعة في أحيان قليلة، من أجل الاتفاق على مرشح رئيس الحكومة العراقية القادمة، بالرغم من ترشيح نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، الذي اعترض عليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تغريدة أربكت السياسيين الشيعة، وبالذات الإطار التنسيقي، خاصة الذي لم يتفق جميع أعضائه فيما بينهم على هذا الترشيح، والوضع السياسي عامة، وجعل الكورد يتريثون في الإعلان عن مرشحهم لرئاسة الجمهورية حتى يتيقنوا من سلامة ترشيح من سيتم تكليفه بتشكيل الحكومة والعبور بالعملية السياسية بأمان بعيداً عن التهديدات الأميركية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: أيهما أكثر أهمية، التشبث بالمنصب والسلطة أم مصلحة البلد والشعب؟. وهل يجب أن نعرض العراقيين لحصار اقتصادي قاس ويذهب الشعب "إلى جهنم" حسب تعبير أحد قادة الإطار التنسيقي، بالرغم من أن العراقيين كانوا قد عانوا من قسوة الحصار الاقتصادي لأكثر من 12 عاماً بسبب مغامرة هوجاء قادها رئيس النظام السابق لغزوه للكويت دون التفكير بمصلحة العراق والعراقيين بل لتمجيد اسمه لا غير.
تاريخ العراق المعاصر، في العهد الملكي خاصة، والذي كان أقطاب سياسته رجالاً وطنيين بنوا وقادوا المملكة العراقية بروح مضحية وبحرص مخلص، يذكر لنا هذا التاريخ، وهو ليس بعيداً عن اليوم، عن استقالات رؤساء وزراء من مناصبهم من أجل المصلحة الوطنية دون أن يتشبث هؤلاء بالمنصب أو ينقلبوا ضد المملكة. نأخذ شخصية رئيس الوزراء الأبرز نوري السعيد باشا، الذي استقال عدة مرات، مجبراً أو متطوعاً، ثم عمل في الوزارة التالية كوزير للدفاع مرة، وللمعارف مرة، وللداخلية، دون أن يتهجم على زملائه أو خصومه، فما كان يهمه هو العراق الذي ساهم ببناء لبناته الأولى كمملكة قوية ومتحضرة.
ولنا في سياسات الدول المتحضرة ديمقراطياً وسياسياً، التي نحن بعيدون عنها، أمثلة عديدة عن مسؤولين كبار فضلوا مصلحة بلدانهم وشعوبهم على المصلحة الشخصية. ففي عام 2016 قدم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون استقالته من منصبه بعد 3 أشهر من صدور نتيجة استفتاء بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، وكذلك فعل ديفيد ديفيز، الوزير المسؤول عن ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، من منصبه الوزاري في الحكومة البريطانية.
وفي أكتوبر 2018، أعلنت أقوى شخصية سياسية في العالم، مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، أنها ستتنحى عن منصب زعيمة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في مؤتمر الحزب، ولن تسعى لولاية جديدة كمستشارة في الانتخابات الفيدرالية لعام 2021، مع أنها كانت في أوج عظمتها، حيث سميت مرتين ثاني أقوى شخص في العالم بواسطة مجلة فوربس، وهو أعلى تصنيف من أي وقت مضى حققته امرأة في كانون الأول 2015، كما سميت من قبل مجلة التايم شخصية العام مع صورة على غلاف المجلة واصفة إياها كمستشارة للعالم الحر، في 26 آذار 2014، وفي أيار 2016 سميت أقوى امرأة في العالم برقم قياسي للمرة العاشرة من قبل فوربس.
وهناك الكثير من رؤساء ورؤساء حكومات أوروبية وآسيوية ومن أميركا اللاتينية أجبرتهم برلمانات بلدانهم على الاستقالة بسبب إخفاقاتهم السياسية أو تورطهم بقضايا فساد مالي، أو بضغط المظاهرات الشعبية. نورد هذه الأمثلة على سبيل التذكير وليس المقارنة، أو أننا قد نتوقع أن يتعلم السياسيون العراقيون من هذه الممارسات الحضارية الديمقراطية.
كلنا يعرف أن العراق ومصلحة العراقيين يجب أن تكون في مقدمة أولويات السياسيين الوطنيين، وأن نتائج انتخابات مشكوك بنزاهتها واستخدم فيها المال العام وضغوط الإغراءات المالية ومساومة الناخبين لتحقيق إنجازات بسيطة لهم، لا تجعل من أي سياسي بموقع الوصاية على العراق والعراقيين، أو المغامرة بمصير البلد والشعب وتحدي قوة عظمى مثل الولايات المتحدة، وتحمل تبعات أي حصار اقتصادي من أجل أن يحقق سياسي واحد مصلحته الشخصية، فالعراق يزخر بالكفاءات الوطنية القادرة على انتشاله من الهاوية وقيادة دفة السفينة نحو بر الأمان، مهما تكن قومية أو مذهب أو حتى دين القائد، بشرط أن يتمتع بروح وطنية مخلصة، مستعينين بنصيحة، أو حكمة المرجعية العليا "المجرب لا يُجرب"، وبالتأكيد المرجعية تعني أن المجرب بالفشل لا يُجرب في فرصة أخرى، والحديث النبوي يقول "لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين".



