مزكين حسن*
وجهت شبكة رووداو الإعلامية، في تاريخ 29/04/2026، عدة أسئلة إلى أحمد الهلالي، المتحدث باسم الوفد الرئاسي السوري لتطبيق اتفاقية 29 كانون الثاني 2026، تتعلق بقطاع التربية والتعليم، واللغة الكوردية، والتعليم باللغة الكوردية.
وبحسب تصريحات الهلالي، فإن قطاع التربية في محافظة الحسكة يسير بشكل جيد، وبعد الانتهاء من عملية الدمج، سيتم تدريس المنهاج الوطني السوري فقط. وأشار الهلالي إلى وجود مقترحين بخصوص التعليم باللغة الكوردية، وهما:
1- أن تصبح اللغة الكوردية درس اختياري وتُدرّس لمدة ساعتين في الأسبوع.
2- ترجمة المنهاج الوطني السوري الذي يتم إعداده، إلى اللغة الكوردية للطلاب الكورد.
ووفقاً لتحليل الهلالي: فإن المقترح الذي ينص على تخصيص ساعتين أسبوعياً للغة الكوردية هو مقترح إيجابي ولا توجد فيه جوانب سلبية، أما المقترح الثاني المتعلق بترجمة المنهاج الوطني فهو سلبي؛ لأنه يعتقد أن الأطفال الذين سيتعلمون و يدرسون باللغة الكوردية سيواجهون صعوبات في العثور على عمل في المستقبل، ولن يكون للتعليم باللغة الكوردية فائدة لمستقبلهم المهني.
كما ذكر الهلالي أن هذين المقترحين قد أُرسلا إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية السورية، وهما قيد الدراسة حالياً وسيتم الرد عليهما لاحقاً.
وقد أشار رئيس الجمهورية السورية في المرسوم رقم 13، وتحديداً في المواد 1 و2 و3، إلى التعددية في سوريا، واعتبر الكورد أحد الشعوب الأصيلة في سوريا، كما اعترف باللغة الكوردية كلغة وطنية.
كما أنه وفقاً لاتفاقية 29 كانون الثاني/يناير، تتمتع المناطق الكوردية ببعض الخصائص الإدارية والذاتية، إلا أن تصريحات الهلالي ورؤيته حول التعليم باللغة الكوردية لا تتوافق مع ذلك .
وقبل فترة، أشارت (إلهام أحمد) الرئيسة المشتركة لهيئة العلاقات الخارجية في الادارة الذاتية، في مقابلة تلفزيونية على قناة (العربية) في برنامج (للحديث صلة)، إلى أن نفس المقترح قدم سابقاً من قبل (عبد الحليم خدام)؛ والمتمثل في تدريس اللغة الكوردية لمدة ساعتين أسبوعياً في المناطق الكوردية، لم يُقبل، وكانت هذه النقطة وحدها أحد أسباب عدم الاتفاق مع نظام البعث.
وهنا يطرح سؤال نفسه: كيف يمكن للكورد، بعد أن دحروا داعش بدعم من التحالف الدولي، وطردوا النظام من مناطقهم، وألغوا المنهاج الدراسي الحكومي الذي كان يفرض لوناً واحداً ولغة واحدة واستبدلوه بمنهاج جديد، أن يعودوا مرة أخرى إلى نقطة البداية؟
إن المقترح الثاني الذي طرحه الهلالي، بذريعة أنه لا يضمن مستقبلاً مهنياً، يمكن التعامل معه بطريقة أخرى، بحيث تقوم الدولة نفسها بدعمه من أجل تطوير اللغة الكوردية وتأمين مستقبل مهني لأولئك الذين يدرسون بها.
لقد سلطنا الضوء في مقال سابق لنا على ضرورة أن تصبح اللغة الكوردية لغة رسمية في سوريا، تُستخدم في كافة مؤسسات الرئاسة والمراكز والدوائر العامة، وأن تصبح لغة للتربية والتعليم. ومن الجليّ أن الكورد يتواجدون في كافة أنحاء سوريا، إلا أنهم يتركزون بشكل أساسي في ثلاث محافظات، وهي: دمشق، وحلب، والحسكة.
إذا درس مئات الآلاف من الأطفال الكورد بلغتهم الأم وتلقوا تعليمهم بها، وتم توظيف خريجي الجامعات الكوردية في الإدارات والمراكز والمؤسسات والمكاتب العامة، فهل سيظل مستقبل أولئك الكورد الذين يدرسون باللغة الكوردية في خطر؟ لا يمكن للشعب السوري، بعد كل ما عاناه من ظلم واضطهاد على يد حزب البعث وداعش، أن يتجرع نفس الآلام مرة أخرى ويضطر للدخول في صراع للدفاع عن وجوده.
إن الشعب الكوردي جزء أصيل من سوريا، ومن حقه تماماً كالعرب أن يتعلم ويتلقى تعليمه بلغته الخاصة. فعندما كانت روسيا متواجدة في سوريا، وعلى الرغم من عدم وجود مواطنين روس أصليين في سوريا وضلوع روسيا في مقتل آلاف السوريين، كانت تُدرّس مادة اللغة الروسية لمدة ساعتين أسبوعياً في الساحل السوري.
بالمقابل، حارب الكورد تنظيم داعش و طردوا النظام، وعانوا ويلات العنصرية والتعصب اللغوي والثقافي؛ فهل من الإنصاف أن يناضلوا مرة أخرى من أجل نفس القضية؟ الكورد ليسوا محتلين ولا ضيوفاً في سوريا، بل هم شعب أصيل في هذه البلاد.
هناك العديد من الدول متعددة اللغات والقوميات التي توصلت معاً إلى حلول دون إقصاء طرف للآخر واتباع سياسة الانصهار، ودون استخدام سوق العمل والمستقبل المهني كأداة ضغط؛ ومن هذه الأمثلة:
1. سنغافورة: لم تصبح مركزاً اقتصادياً عالمياً عبر فرض لغة واحدة، بل من خلال اعتماد أربع لغات رسمية، وهي: الإنجليزية، والملايوية، والصينية(الماندارين)، والتاميلية؛ بالإضافة إلى فرض لغتين كلغتين للتعليم. وتدعم الدولة بنفسها وسائل الإعلام والإدارة والشؤون الإدارية بهذه اللغات الأربع.
2. قانون اللغات في كندا: في 40% من قطاعات الخدمات، يُلزم كل موظف بتقديم الخدمات باللغتين الإنجليزية والفرنسية. وفي معظم مؤسسات الدولة، يتوجب على كل موظف إتقان كلتا اللغتين.
3. فنلندا: تعترف باللغة السويدية لغةً رسمية، على الرغم من أن السويديين يشكلون 5% فقط من السكان. وتتكفل الدولة بنظام التعليم باللغة السويدي من رياض الأطفال وحتى الجامعة وتوفر الميزانية اللازمة لذلك.
إن الكرمانجية، بوصفها لهجة رئيسية للغة الكوردية، ليست لغة غير مستخدمة أو مهملة؛ فهي تُستخدم منذ 14 عاماً في روج آفا (كوردستان سوريا) و سوريا، حيث أصبحت لغة للتعليم، ودخلت سوق العمل بشكل ملحوظ وبات الناس يستخدمونها في تسيير أعمالهم.
كما تُعد الكرمانجية في تركيا واحدة من اللغات الحية في جامعات مثل : أرتوكلو، دجلة و وان. وقد أُنجزت في تلك الجامعات مئات رسائل الماجستير والدكتوراه بهذه اللغة.
وفي فرنسا، كانت اللغة الكوردية وما زالت تُدرّس في جامعة إينالكو (INALCO). وفي الاتحاد السوفيتي السابق، كانت المناهج الدراسية للمدارس مُعدة باللغة الكوردية وتُدرّس بها. أما في إقليم كوردستان العراق ، فإن الكوردية (بلهجتيها الكرمانجية السفلى - السورانية و الكرمانجية الشمالية - البهدينانية) هي لغة التربية والتعليم الرسمية.
وفي الولايات المتحدة أيضاً، تدعم الدولة اللغة الكوردية منذ عام 1992 عبر مؤسسة (صوت أمريكا) وتخصص لها ميزانية خاصة. وإذا كانت الدول القوية والأجنبية قادرة على حماية اللغة الكوردية وتطويرها عبر أنظمة مؤسساتية، فلماذا لا تستطيع الحكومة السورية المؤقتة مأسسة حق التعليم باللغة الأم للشعوب الأصيلة في سوريا وإدراجه في الدستور؟
عندما نصب أحمد الشرع كرئيس جمهورية، وسُمي أسعد الشيباني وزيراً للشؤون الخارجية، صرّح الشيباني بأنهم يأملون في تحويل سوريا إلى بلد يشبه سنغافورة. إن استخدام "نموذج سنغافورة" كدعاية سياسية ليس كافياً، بل يجب إثبات هذه الرؤية عملياً من خلال قبول التعددية اللغوية بشكل رسمي .
إذا كانت الحكومة السورية المؤقتة ترغب بصدق في بناء دولة عصرية، فعليها أن تدرك أن الوحدة الوطنية والتقدم الحقيقي لا يتحققان عبر سياسات الصهر والتعريب، بل من خلال الاندماج الديمقراطي للكورد، وفي المقام الأول عبر الاعتراف باللغة الكوردية كلغة رسمية.
يتحدث ملايين الكورد بهذه اللغة، ويكتب بها مئات الآلاف، وهي وسيلتهم لتحصيل العلم والمعرفة. يجب أن تصبح اللغة الكوردية، بجذورها الأصيلة وغناها الثقافي واستخدامها الواسع في المجالات الأكاديمية والدبلوماسية والسياسية والحكومية والإدارية، لغةً رسمية وتُعتبر ركيزة أساسية في بناء سوريا الجديدة.
إن تقييد اللغة الكوردية لا يعرض مستقبل آلاف الكورد للخطر فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى إضعاف النسيج الاجتماعي واستقرار سوريا. إن سوريا الجديدة تُبنى عبر الاعتراف باللغة الكوردية لغةً رسمية في البلاد.
* استاذة اللغة الكوردية في جامعة روج آفا – قامشلي
