في معظم دول العالم يستيقظ الموظف صباح يوم الراتب بشكل طبيعي يتفقد حسابه المصرفي ثم يذهب إلى عمله دون أن ينتظر مؤتمرا صحفيا أو اجتماعا سياسيا أو خبرا عاجلا على شاشات التلفزيون، لأن الراتب هناك ليس أزمة، وليس ورقة ضغط، وليس ملفا سياسيا قابلا للمساومة إنه حق ثابت تحميه الدولة وتحترمه المؤسسات.
أما في العراق وخصوصا في إقليم كوردستان فقد تحول صرف الرواتب إلى مشهد متكرر من القلق والترقب والانتظار حتى أصبح المواطن يتابع الأخبار يوميا لمعرفة إن كانت الأموال سترسل أم لا، وهل ستحل الأزمة هذا الشهر أم ستتكرر من جديد والأسوأ من ذلك أن لحظة دفع الرواتب أصبحت تقدم وكأنها إنجاز سياسي أو انتصار حكومي، بينما الحقيقة أنها واجب بديهي لا يستحق كل هذا الضجيج.
هذا المشهد لا يسيء فقط إلى الوضع المعيشي للمواطن بل يسيء إلى صورة العراق كدولة لأن الدولة التي تجعل ملايين الموظفين ينتظرون رواتبهم وسط الشائعات والتصريحات والخلافات تبدو أمام شعبها والعالم وكأنها عاجزة عن إدارة أبسط التزاماتها.
الراتب ليس ملفا تفاوضيا بين بغداد وأربيل وليس أداة ضغط تستخدم عند كل خلاف سياسي أو مالي، الراتب يعني حياة كاملة لعائلة كاملة يعني إيجار منزل وأقساط مدارس وعلاج مريض وطعام أطفال وكرامة موظف خدم الدولة سنوات طويلة وعندما يتأخر هذا الحق أو يتحول إلى أزمة موسمية فإن الضرر لا يكون ماليا فقط، بل نفسيا واجتماعيا أيضا.
السنوات الماضية خلقت حالة خطيرة في إقليم كوردستان، حيث أصبح المواطن يعيش في قلق دائم من نهاية كل شهر وكأن الراتب احتمال وليس حقا مضمونا وهذا الأمر خلق ضغطا هائلا على الأسواق والتجارة والحياة اليومية لأن أي تأخير في الرواتب يعني شلل جزء كبير من الحركة الاقتصادية فالموظف الذي لا يعرف متى يستلم راتبه لن يستطيع التخطيط لحياته ولن يشعر بالأمان مهما سمع من وعود وتصريحات، وفي الحقيقة فإن المشكلة الأكبر ليست في وجود خلافات بين بغداد وأربيل لأن الخلافات السياسية موجودة في كل دول العالم بل المشكلة في أن المواطن هو من يدفع الثمن دائما ففي الدول المحترمة تبقى حقوق الناس وخدماتهم بعيدة عن الصراعات السياسية أما حين تصبح لقمة المواطن جزءا من النزاع فذلك يعني أن مفهوم الدولة مازال هشا.
لهذا فإن رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي يقف اليوم أمام اختبار حقيقي لا يقل أهمية عن الملفات الأمنية والسياسية الكبرى فالعراقيون لا يريدون فقط خطابات قوية أو شعارات عن الإصلاح بل يريدون أفعالا تعيد للدولة هيبتها وثقة الناس بها وأول خطوة في هذا الطريق هي إنهاء ملف الرواتب بشكل جذري ونهائي.
على علي الزيدي أن يفهم أن استمرار هذا المشهد يضر بالعراق كله وليس بإقليم كوردستان فقط لأن صورة الدولة التي تعجز كل شهر عن طمأنة موظفيها هي صورة دولة مرتبكة مهما امتلكت من ثروات وإمكانات ومن غير المعقول أن يبقى بلد نفطي بحجم العراق عاجزا عن تحويل الرواتب بشكل منتظم ومستقر لذا فالمطلوب اليوم ليس حلولا مؤقتة أو اتفاقات تهدئة تنتهي بعد أسابيع بل بناء نظام مالي واضح وثابت يمنع تكرار هذه الأزمة مستقبلا،
المواطن لا يجب أن يبقى رهينة الاجتماعات السياسية ولا أن يشعر بأن راتبه قد يتوقف في أي لحظة بسبب خلاف بين هذه الجهة أو تلك. والأخطر من كل ذلك أن تكرار أزمة الرواتب بدأ يخلق فجوة نفسية وسياسية بين المواطن والدولة فحين يشعر الإنسان أن أبسط حقوقه غير مستقرة، يبدأ تدريجيا بفقدان ثقته بالمؤسسات وبالعملية السياسية كلها والدولة التي تخسر ثقة مواطنيها تخسر أهم عنصر لبقائها واستقرارها.
إن إنهاء أزمة الرواتب في إقليم كوردستان لم يعد مجرد مطلب إداري أو مالي بل أصبح ضرورة وطنية لحماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والنفسي لملايين المواطنين وعلى الحكومة الجديدة أن تدرك أن قوة الدولة لا تقاس فقط بالسلاح أو النفوذ السياسي بل بقدرتها على حماية كرامة المواطن وتأمين حقوقه الأساسية دون إذلال أو تأخير.
العراق اليوم بحاجة إلى مرحلة جديدة، مرحلة لا يتحول فيها صرف الرواتب إلى خبر عاجل ولا يصبح حق المواطن مادة للجدل السياسي اليومي لأن الدول الطبيعية لا تقاس بعدد المؤتمرات التي تعقدها، بل بعدد الأزمات التي تمنع حدوثها من الأساس.
وعندما يأتي يوم يستلم فيه موظف كوردستان راتبه بهدوء، دون أن يفتح هاتفه بحثا عن الأخبار العاجلة ودون أن ينتظر نتائج الاجتماعات والخلافات، عندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ يقترب فعلا من معنى الدولة الحقيقية، دولة تحترم مواطنيها قبل أن تطلب منهم احترامها.
